شريعة

عدم تغريم المماطل بموازين الكفاءة الاقتصادية

Feature image

من الانتقادات التي توجه إلى النظام الاقتصادي الإسلامي، أنه نظام مثالي، يفترض في المواطنين حسن النية والاستقامة، وأن ما يقدمه من زواجر وعقوبات ضد المتلاعبين، غير كافية ولا ناجعة، خاصة في ظل ما يعيشه العالم من تعقيدات في نظمه لم تكن موجودة من قبل.

موقف الشريعة من المدين المماطل

ومما يُقَدَّمُ في هذا الإطار، موقف الشريعة تجاه المدين المماطل، فإن النظم الرأسمالية، التي Hنبنت عليها البنوك والمؤسسات المالية، وأصبحت ثقافة ثابتة في المجال التجاري والمالي، هو تغريم المدين المماطل عن وقت مماطلته بفرض عقوبة مالية لصالج الجهة المقرضة، ويقول المدافعون عن هذا الإجراء : إنه الحل العملي الوحيد الذي يضمن للمؤسسات المالية حقوقها.

في المقابل، يرفض فقهاء المسلمين في مجموعهم هذا الإجراء ويعتبرونه ربًا حرامًا، بل يعتبرونه هو صورة ربا الجاهلية الذي حرمه القرآن، حيث ينقل المفسرون في كتبهم أن صورة الربا التي كان العرب يتعاملون به وقت نزول آيات تحريم الربا، هو أن يكون للرجل دين عند آخر، فلما يأتي وقت السداد، يقول الدائن للمدين : تقضي أم تربي؟ أو يقول المدين للدائن : أخرني وأزيدك.

لا لتغريم المماطل

وهذا هو الاتجاه الذي يمثله معظم الفقهاء المعاصرين، وبه خرجت فتاوى المجامع الفقهية، جاء في قرار مجمع الفقه الإسلامي رقم: 133(7/14) في دورته الرابعة عشرة بالدوحة ما نصه : “إذا تأخر المشتري المدين في دفع الأقساط عن الموعد المحدد فلا يجوز إلزامه أي زيادة على الدين بشرط سابق ، أو بدون شرط ، لأن ذلك ربا محرم ”

التشهير بالمماطل

والإجراء البديل الذي الذي يقدمه هذا الاتجاه، هو التفرقة بين المدين المعسر، والمدين المماطل، ففي الأول جاء قوله تعالى: {وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ } [البقرة: 280]

وفي الثاني جاء قوله صلى الله عليه وسلم : “«لي الواجد يحل عرضه وعقوبته» .

أي أن مماطلة الغني تبيح فضحه والتشهير به، وهذا هو المقصود بقوله صلى الله عليه وسلم ( عرضه) كما تبيح سجنه وبيع ممتلكاته للوفاء بها، وهذا هو المقصود بقوله صلى الله عليه وسلم : ( وعقوبته)

انتقاد الرأسمالية لعدم التغريم

وهنا يأتي انتقاد الرأسمالية : وماذا عساه يفيد الدائن من التشهير والفضيحة والحبس؟ هل يمكن أن ينبني نظام مالي متين على هذه العقوبة الهزيلة!

ومع أن ظهور مماطلة المدين الغني أو عجز المعسر عن السداد، مع أنها مشكلة ناتجة عن ضعف جهة الائتمان بالأساس؛ لأنها لم تتحقق من غنى وأمانة العميل، وأن جهازها الاستعلامي لو كان قويًّا لجنبها الوقوع في هذه المشكلة ، إلا أنه مع ذلك، يتضح لنا نجاعة وكفاءة الحل الإسلامي أمام الحل الرأسمالي.

ماذا لو اقتصرت عقوبة المدين المماطل على الحبس أو التشهير ، أو الجمع بينهما ؟

التقليل من الاعتماد على التمويل بالديون

 ستبدأ المؤسسات المالية التفكير في إنتاج أنماط جديدة من التمويل، غير تلك المنتجات القائمة على الديون ، مثل المرابحة، والتورق بالنسبة للمصارف الإسلامية، والقروض بالنسبة للبنوك الربوية، أو على الأقل سوف تقلل من حجم التعامل بتلك المنتجات المالية، تخوفا من أضرار المماطلة التي لن تتمكن من تعويضها ماليًّا، فالمؤسسة المالية إذا ضمنت أنه يمكنها تغريم المدين المماطل، فإن المماطلة وقتئذ لن تكون مشكلة في حد ذاتها بالنسبة لها، فإنه يمكنها ترميم الأضرار الناشئة عن المماطلة بما تفرضه من غرامة.

أما إذا علمت أن هذا الخيار ليس متاحًا لها، فإنها ستحرص على تجنب من تعلم أنهم سوف يقومون بالمماطلة، كما أنها سوف تتجنب التعامل مع من تظن فيهم ذلك ظنًّا قويا أو محتملا؛خوفا من حبس أموالها عند المماطلين دون فائدة.

وهذا بدوره سوف يجعل المؤسسات المالية، كالمصارف الإسلامية تتجه إلى التوسع في المنتجات المالية القائمة على التمويل برأس المال، من مثل المضاربة والمشاركة.

والتقليل من حجم التمويل بالديون أمر له فوائده على الاقتصاد واستقراره، فإنه كلما زاد حجم الدين، ارتفعت احتمالات الإفلاس، كما أن إفلاس منشأة، قد يجر إلى إفلاس عدد من المنشآت المتعاملة معها في ظل تعقد أساليب التمويل المعاصرة، واعتماد بعضها على بعض، وهو ما يهدد استقرار الاقتصاد بأكمله مما يدفع أعدادًا متزادية من الاقتصاديين إلى اعتبار الدين أحد أهم أسباب هشاشة الاقتصاد الرأسمالي.

وهذا ما دعا هايمن منسكي، أحد كبار الاقتصادينن الأمريكيين المعاصرين إلى القول : ” إذا كنا نطمح للأفضل، فمن الضروري إصلاح بناء اقتصادنا بحيث يتسنى تقليل ما يعانيه من الاضطراب وعدم الاستقرار الناتج عن هيكل تمويلي مثقل بالمديونية.

السجل الائتماني

ستبدي المؤسسات المالية حرصًا أكثر من ذي قبل على تتبع سمعة الراغب في الاستدانة، والبحث الدقيق عن سجله الائتماني، والبحث عما إذا كان قد تم معاقبته على تهمة المماطلة من قبل أم لا ؟ وسيصبح السجل الائتماني للعملاء ذا قيمة عالية وأثر كبير في قرارات مؤسسات الإقراض بالموافقة أو الرفض لطلبات القروض.

وهذا بدوره سيجعل العملاء أحرص على بقاء سجلاتهم الائتمانية نقية، خالية من أي نقاط سوداء، حتى يتمكنوا من إعادة الاقتراض عند الحاجة، وهذا بدوره سيجعل العملاء أقل طلبا للقروض من قبل إلا بعد أخذ التدابير الكافية التي تمنعهم من التعثر عن السداد، وما يتبع ذلك من تشويه السمعة الائتمانية لهم.

المواد المنشورة في الموقع لا تعبّر بالضرورة عن رأي إسلام أون لاين

مقالات ذات صلة