فكر

على المدى البعيد (3)

11 يوليو, 2018

0
مشاركة

4 – إنني أتساءل دائماً: هل يمكن للأمن والنظام والسلام والاستقرار والتعايش السلمي أن يتم في أي مجتمع من المجتمعات دون وجود تنظيم جيد للنقد والمعارضة وتضارب الرؤى والآراء والاتجاهات؟

ليس من المقبول في اعتبار العقل والشرع أن يقول من شاء ما شاء دون خوف المساءلة القضائية عن صحة ما يقول، ولا أن يفعل الناس ما يعنّ لهم ولو كان ضاراً بالمصلحة العامة. كما أنه ليس من المقبول أن تكمم الأفواه، فلا يتمكن أي أحد من إبداء وجهة نظره في شأن عام، مهما كان رأيه سديداً ورشيداً، فالقرآن الكريم شجّع الناس على ممارسة النقد من خلال معاتبة النبي – صلى الله عليه وسلم- على بعض اجتهاداته ومعاتبة الصحابة – رضوان الله عليهم- على بعض ما وقع منهم؛ حيث يُعد التستر على الأخطاء أكبر مشجع على تكرارها واستمرارها، وحيث يُعدّ النقد والبحث عن أشكال القصور وأنواع الأخطاء والخطايا من أفضل الوسائل المساعدة على الإصلاح وتخليص الناس من كثير من المشكلات والأزمات ومحاصرة المفاسد والشرور.

إن تراثنا الفقهي لم يستوف التنظير والتقعيد لضوابط النقد والمعارضة وتضارب الآراء على نحو يغنينا عن النظر والاجتهاد، بل إن كثيراً من التفاصيل والحيثيات ما زالت غامضة، وأعتقد أن كثيراً من الاضطرابات الهوجاء والأزمات الخانقة التي مرت بها الأمة كان بسبب التطرف في التعامل مع هذه المسألة؛ فالحريصون على بقاء كل شيء على ما هو عليه مهما كان غير ملائم وغير صحيح ضيقوا أبواب النقد إلى حد إسكات الناس عن قول أي شيء. والذين كانوا يشكون من سوء الأحوال كانوا يريدون قلب كل شيء رأساً على عقب بعيداً عن الرفق والتدرج والمجادلة بالتي هي أحسن. وقد آن الأوان لأن تتلاحم الصفوف، وتتشابك الأيدي بين الجميع ومن كل المستويات والمجالات من أجل العمل الدؤوب على إرساء التقاليد وسنّ القوانين وتشييد المؤسسات وإبداع الأفكار التي تنشر الأمن والسلام وحب النظام والالتزام بالأحكام الشرعية والأعراف الصالحة والقوانين السارية، وتساعد في الوقت نفسه على نبذ التعانف والتقاتل واللجوء إلى القوة بكل ما تعنيه هذه الكلمة من معنى.

فإن لدى كثير من أهل الخير حساسية خاصة نحو الحديث عن الاقتصاد والتنمية والزيادة السكانية والبطالة؛ فهم يشعرون أن الاهتمام بهذه الأمور لا يخلو من نزوع نحو الدنيوية والمادية، وإعطاء الاعتبارات المعيشية أكثر مما تستحق من العناية والانتباه. وفي تصوري أن هذه الحساسية لم تعد سائغة اليوم، فأنا مع اعتقادي بضرورة توخي الحذر من الوقوع في شرك الحسابات والاعتبارات المادية البحتة بعيداً عن المبادئ والأهداف الإسلامية إلا أنني أعتقد أن من شأن التقدم الحضاري أن يضعف إرادة المقاومة لدى الناس تجاه المغريات، ومن ثم فإنهم يُظهرون المزيد من الاستجابة لضغوط البيئة ومتطلبات العيش، وكثيراً ما يكون ذلك على حساب مبادئهم وقيمهم؛ مما يعني أن تحسين شروط العيش إلى حدود مقبولة، سيساعد الناس على أن يحققوا مصالحهم في إطار مبادئهم وأخلاقياتهم؛ والعكس صحيح.

إن كثيراً من سقم التفكير وتخلف الخطط والمناهج الإصلاحية يأتي من خلال الانغلاق وصرف الاهتمام عن التطورات المتسارعة فيما يتعلق بحاجات الناس وضرورات وجودهم، ومن خلال عدم الاكتراث بالتحولات في ذائقتهم الثقافية ونظرتهم إلى الضغوط والمرفهات والحقوق والواجبات، وإن مفتاح فهم كل ذلك يكمن في شيء واحد هو الانفتاح على الواقع والتأمل في تداعياته وإحالاته واتجاهاته؛ إذ ما فتئ فهم الواقع واستكشافه بإيجابية مصدراً لتطوير الذهنية وتوجيه المعرفة ومصدراً لإعادة ترتيب الأولويات.

لا بد من هذه اللحظة وعلى المدى البعيد من العمل على إيجاد تنمية اقتصادية تكافئ الزيادة السكانية في العالم الإسلامي. ومن المهم أن ندرك أن كل الأمم التي اعتمدت في معيشتها على الزراعة والرعي خلال القرنين الماضيين تواجه مشكلات اقتصادية متفاقمة؛ فالناس يزيدون، لكن الأرض لا تزيد، فهي مع كل جيل تشهد نقلة في التفتت والتضاؤل؛ وعلى سبيل المثال فإذا قلنا: إن زيداً من الناس يملك مئة فدان من الأرض، وله خمسة من الولد، فإنه بعد وفاته ستقسّم ليكون لكل واحد عشرون فداناً. فإذا توفي أولئك الخمسة، وترك كل واحد منهم أيضاً خمسة (فيكون المجموع خمسة وعشرين ولداً) فإن نصيب الواحد منهم سيكون أربعة أفدنة. فإذا قلنا إن أولئك الخمسة والعشرين من الأحفاد توفوا، وترك كل واحد منهم أيضاً خمسة من الولد، فإن عددهم سيكون مئة وخمسة وعشرين، وسيكون نصيب الواحد منهم من تلك الأرض 80% من الفدان. وعليه أن يأكل من هذا القدر الضئيل وأن يبيع على نحو يمكنه من شراء كل حاجاته المتسعة ودفع تكاليف تعليم أبنائه وتطبيبهم وكسوتهم، حيث إن العولمة تدفع الحكومات نحو التخلص من كل الخدمات المجانية التي تقدمها؛ ليواجه كل واحد مصيره على نحو منفرد!.

وهكذا فعبر قرن من الزمان تنخفض حصة الشخص من الأرض إلى أقـل مـن 1%! وليس هذا من صنع الخيال، بل هو الواقع المشهور والملموس وليس الذين يعملون في الرعي بأحسن حالاً؛ فالأرضي المخصصة للرعي هي الأخرى تتفتت وتزدحم فيها الماشية، ويزحف عليها العمران، ويقل عطاؤها بسبب تراجع كمية الأمطار في معظم أنحاء الوطن العربي.

إن نسبة الزيادة السكانية في العالم الإسلامي بشكل عام مرتفعة إذا ما قسناها بما لدى الدول الأخرى، فعلى سبيل المثال يزيد السكان في الدول العربية سنوياً بنسبة 3% في الحد الأوسط على حين أن الزيادة في بريطانيا تبلغ 1.% وفي فرنسا 6.% . أما بلد مثل روسيا؛ فإنه يعاني من نقص في السكان يصل إلى نحو مليون إنسان في السنة، وينقص عدد سكان ألمانيا نحواً من مئة ألف شخص في السنة. وحتى نعرف حجم الزيادة السكانية، وتطورها السريع؛ فإن من المفيد أن نعلم أن إجمالي سكان الوطن العربي كان عام 1400هـ نحو من 160 مليون نسمة. ويتوقع أن يكون وصل عام 1420هـ إلى 300 مليون نسمة، وإن بلداً مثل الجزائر يتضاعف سكانه كل 25 سنة، ومن المتوقع أن يرتفع إلى 285 مليون نسمة خلال قرن!

ويجب أن نأخذ بعين الاعتبار أن الشعوب الإسلامية شعوب فتيّة، حيث إن حوالي نصف السكان هم من الأطفال والأشبال دون سن الخامسة عشرة. وهذا يعني أن لدينا أعداداً هائلة تحتاج إلى تربية وتعليم واستيعاب نفسي واجتماعي، ثم إلى فرص عمل وخدمات عامة كثيرة.

ليست الزيادة السكانية في حد ذاتها مشكلة .. على العكس إنها ميزة؛ حيث لا يمكن اليوم لدولة أن تصبح دولة عظمى إذا لم يصل سكانها إلى الخمسين مليوناً على الأقل. لكن علينا أن ندرك من وجه آخر أن الازدحام على موارد محدودة وعدم القدرة على تأمين الحد الأدنى من الحاجات الضرورية، وتأمين تعليم وتدريب جيدين؛ سيجعل من هذه الأعداد الغفيرة من الفتيان والشباب أشبه بجيش جرار لم يتلقَّ من التدريب ولم يجد من التنظيم ولا من التسليح ما يكفيه؛ إنه في هذه الحالة يصبح هدفاً سهلاً للعدو، إنه يصبح أرقاماً غير ذات معنى، وبعض العنصريين من الغربيين يقولون باستخفاف: إن في العالم خمسة مليارات من البشر، منهم مليار – أي أبناء العالم الصناعي- مواطنون والباقون سكان.

في حديث القصعة وصف واضح للكثرة العددية الفاقدة للكيف والمضمون. فقد قال صلى الله عليه وسلم: “يوشك أن تداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها. قالوا: أو من قلة نحن يومئذٍ يا رسول الله؟! قال: لا. أنتم يومئذٍ كثيرون ولكنكم غثاء كغثاء السيل…”.

إذاً مشكلة المسلمين في آخر الزمان ليست مشكلة (كم) ولكن مشكلة (كيف) و(نوعية).

عدم وجود تنمية جيدة في معظم أنحاء العالم الإسلامي دفع بأبنائنا وإخواننا إلى الهجرة إلى الغرب، حيث يشتغل معظمهم في مهن وضيعة يترفع الأوروبي عن العمل فيها. وهناك يضيع نصف الجيل الثاني ومعظم الجيل الثالث، حيث الانسلاخ شبه الكامل عن العقيدة والهوية. وعيش أبنائهم في الغرب على هامش المجتمع، دفع بهم إلى الجريمة والرذيلة وإدمان المخدرات، فصاروا يشكلون نسبة مخيفة من نزلاء السجون هناك!

وتوجُّه فرنسا إلى منع الحجاب يشكّل نوعاً من التعبير القانوني عن الضيق من جاليات باتت تشكل عبئاً على المجتمع، وهي بادرة خطيرة، وربما تحدو دول غربية أخرى حذوها، ويصبح الملتزمون من المسلمين في الغرب في وضعية أشبه بوضعية من وجد نفسه بين المطرقة والسندان.

ومن واجبنا جميعاً أن نحول دون ذلك بكل وسيلة ممكنة.

لا أريد أن أتحدث أكثر من هذا عن الحاجة إلى تنمية اقتصادية تعتمد على أسس ومنطلقات جديدة، وإنما أحب أن أركّز على نقطتين هنا:

الأولى: حتى يتحسن وضع فرص العمل، وحتى تفتح حقول جديدة لكسب الرزق، فإنه لا بد من الارتقاء بالتعليم وتشجيع الناس على أن يتخذوا من التدريب المنهجي مدخلاً لاكتساب المهارات وتنمية الشخصية.

إن التعليم في معظم أنحاء العالم الإسلامي يعد بالمعايير العالمية قاصراً عن الوفاء بحاجات العصر؛ فالفصول مكدسّة بالطلاب، وأسلوب التدريس مبني على أن يقوم المدرس بكل شيء، ويظل الطالب في موقع المتفرج وليس المشارك والمتفاعل. والتجهيزات المدرسية معدومة أو عند حدها الأدنى. والأهم من هذا وذاك فقد المدرسين والطلاب للحماسة المطلوبة لنجاح العمل التعليمي . ولا يختلف التعليم الجامعي في هذا كثيراً عن التعليم الأساسي، مع استثناءات قليلة.

ولا شك أن هناك الكثير من الاقتراحات والحلول المطروحة للنهوض بالتعليم، لكن ستظل الأمور تزداد سوءًا ما لم تحدث تحولات جذرية في أوضاع المدارس وفي العلاقة بين البيت والمدرسة. وقد آن الأوان ليساهم الآباء في تأمين تعليم جيد لأبنائهم من خلال تشكيل عدد كبير من مجالس التعليم في الأحياء والقرى، ويكون لها صلاحيات واسعة جداً في بحث أوضاع المدارس وتوجيهها ومحاولة النهوض بها، ولا بد من الآن فصاعداً من أن يخصص كل واحد منا جزءاً من ميزانيته الخاصة لمؤازرة المدارس في القيام برسالتها من خلال التوسع في مبانيها وتدعيم مختبراتها وتجهيزاتها المختلفة.

التعليم الجيد وحده هو الذي يوجد في نفس الطالب الولاء لمدرسته ومن خلالها لوطنه وأمته. والتعليم السيئ يجعل الطالب زاهداً في كل ذلك، وإلى جانب تطوير التعليم لا بد من إرساء تقاليد ثقافية تمجد التدريب على اكتساب المهارات والطرق الجديدة في إدارة الأعمال وتنفيذ المهام، فالتطور السريع الحاصل الآن في كل مجالات الحياة سيجعل كل ما لدى الواحد منا من مفاهيم وخبرات ومهارات محدود مدة الصلاحية، حيث تتسارع إليه الشيخوخة، وهو ما يزال في طور الصبا. وقد أدركت الأمم المتقدمة، وصارت تنفق بسخاء بالغ على التدريب انطلاقاً من هذه الحقيقة. إن مجمل ما تنفقه اليابان على التدريب يزيد على 80 مليار دولار في السنة . أما الولايات المتحدة فإنها تنفق ما يتراوح بين 120 مليار دولار و 180 مليار. ولا بد من الآن فصاعداً من أن نسلك كل سبيل لإقناع الناس بأهمية التدريب لدخول سوق العمل ثم الاستمرار فيه. ولا بد أن يكون واضحاً في العقود الجديدة تحديد ما ستقدمه المؤسسة أو الشركة أو المصنع أو الجامعة من تدريب وتعليم لمن سيعمل فيها.

الثانية: من المهم أن ندرك أننا في زمان فريد، بات ارتقاء الإنسان فيه منوطاً إلى حد بعيد بنوعية المهنة التي يعمل والتخصص الذي تعمق فيه، فنظراً للتنظيم والتصنيف المتنامي للأعمال والمهن، ونظراً لتحسّن وعي الناس بواجباتهم الوظيفية، صار الناس يبذلون جهوداً كبرى للوفاء بمتطلبات الوظيفة والمهنة، وما تفرضه من تعليم وتدريب وتنظيم للحياة الشخصية. ونستفيد من هذا أن تحسين البيئة ورفع مستوى الناس يتطلب تأسيس توجهٍ إلى الأعمال المتصلة بالمعرفة الرفيعة والجهد الذهني المركّز. ولك أن تقارن بين العاملين في القطاعات المهنية التي لا تتطلب أي جهد ذهني أو معرفة راقية مثل قطاع بيع التجزئة وقطاع الزراعة وقطاع الإنشاء… وبين العاملين في قطاع التعليم الجامعي والبحث العلمي وتقنية المعلومات والتدريب… وستجد صدق ما أريد توضيحه.

التصنيفات:

الوسوم:

مشاركة

جميع الحقوق محفوظة لموقع اسلام اون لاين © 2018