شريعة

تمويل رأس المال العامل في البنوك الإسلامية

Feature image

يمثل تمويل رأس المال العامل تحديا أمام البنوك الإسلامية في قدرتها على التمويل. والمقصود برأس المال العامل، هو النثريات التي تستهلك في خدمة المشروع من مصروفات وأجور عمال، وأجور خدمات الكهرباء ونحو ذلك مما  تتوقف عليه المشروعات، و لا يدخل في رأس المال الثابت.

سبب المشكلة

ووجه التحدي أن هذه الأموال ليست سلعا وبضائع تباع وتشترى حتى تتمكن المرابحة للآمر بالشراء من تمويلها؛ إذ إن المرابحة للآمر بالشراء ، هي”قيام البنك بتنفيذ طلب المتعاقد معه على أساس شراء الأول ما يطلبه الثاني بالنقد الذي يدفعه البنك كليا أو جزئيا، وذلك في مقابل التزام الطالب بشراء ما أمر به، وحسب الربح المتفق عليه عند الابتداء” . وخدمات رأس المال العامل ليست سلعا ولا بضائع.

التورق المنظم حلًّا

وقد لجأت بعض البنوك الإسلامية إلى منتج ( التورق المنظم) لتمويل هذه الخدمات،  والتورق المنظم هو كما جاء في تعريف المجمع الفقهي التابع لرابطة العالم الإسلامي :”قيام المصرف بعمل نمطي يتم فيه بيع سلعة – ليست من الذهب و الفضة- من أسواق السلع العالمية أو غيرها على المستورق، بثمن آجل، على أن يلتزم المصرف إما بشرط مكتوب في العقد صراحة أو بحكم العرف والعادة، بأن ينوب عنه في بيعها إلى مشتر آخر بثمن حاضر وتسليم ثمنها للمستورق” ففي نهاية إجراءات التورق المنظم، يتسلم العميل نقدا يمكنه أن يغطي به احتياجات رأس المال العامل؛ إلا أن فتوى المجامع الفقهية انتهت إلى تحريم هذا المنتج، وإلى أنه هو والربا سواء. والبنوك الإسلامية التي تتعامل به، إنما تفعل ذلك بناء على رأي الهيئات الشرعية بها التي تجيزه. وهي فتاوى لا ترقى إلى أن تناهض فتاوى المجامع الفقهية المختلفة.

مرونة الربا

لا تواجه البنوك الربوية هذا التحدي في التمويل؛ لأنها لا تتعامل إلا بصيغة واحدة، وهي القرض الربوي، مهما تنوعت أشكاله، فهو في النهاية قرض ربوي، يتسلم العميل بموجبه نقودا، يصنع بها ما يشاء من تمويل رأس المال الثابت أو العامل، ثم يقوم بسداد القرض + الفائدة الربوية، ومرونة الربا التمويلية لا تقتضي جوازه؛ بل ربما كانت هذه المرونة التمويلية له إحدى أسباب تحريمه؛ لكونها تمكنه من الفصل بين الإنتاج والتمويل.

السلم والاستصناع حلًّا

طُرح السلم والاستصناع لمواجهة هذا التحدي، ففي السلم العميل يستطيع أن يتقدم إلى المصرف الإسلامي ليبيع له جزءا من إنتاج مشروعه في المستقبل، ثم يتعجل الثمن لينفق منه على رأس المال العامل، فإذا ما بدأ في الإنتاج استطاع أن يوفي بالتزاماته قِبَل المصرف حسب الاتفاق المبرم بينهما.

ويرى أصحاب هذا المقترح أن عقد السلم وسيلة مرنة وقادرة على التغلغل في شتى القطاعات الإنتاجية وتلبية حاجاتها المختلفة في إطار من الشرعية المصونة.

ويرون أن هذه الوسيلة أكثر ملاءمة للمشروعات الإنتاجية حيث يمكن لصاحب المشروع أن يتعاقد على بيع جزء من إنتاجه في المستقبل، ولكنها أيضا يمكن أن تغطي الحاجات المختلفة في القطاعات الأخرى.

فمن خلالها يستطيع الزارع أن يستغني بها عن الاستدانة الربوية؛ وذلك بأن يبيع مقدما جزءا من محصوله إلى المصرف، ويتعجل ثمنه، بدلا من أن يلجأ إلى الاقتراض بالربا.

بل يستطيع المدين الذي لم يجد وفاء، ويتوقع انفراجا في المستقبل أن يبيع إلى المصرف سلعة ما، ولو لم تكن موجودة لديه ليتعجل ثمنها ويوفي منه دينه، فإذا ما حل أجلها ويكون قد أوسع الله عليه، تكلف تحصيل هذه السلعة وتسليمها إلى البنك، ليتولى التصرف فيها بمعرفته. وقالوا مثل ذلك في الاستصناع.

مشكلة التسويق والسلم المزازي

تمخض هذا المقترح عن ظهور عدة تحديات أمام البنك الإسلامي، أبرزها : تسويق السلع المشتراة، والحصول على ربح من هذا التمويل.

اقترح السلم الموازي حلا لمشكلة التسويق ، لكن هذه الفكرة تناست في الوقت ذاته حل مشكلة استفادة البنك من التمويل؛ ولذلك يُعد هذا الحل نظريا، يصعب تطبيقه مصرفيا على المستوى العملي.

فإن البنك حينما يشتري السلعة الموصوفة في الأمثلة السابقة سلما، فإنه يُعجل التمويل لأصحابها، فإذا أنشأ بها سلما موازيا، فإنه كذلك لا بد أن يحصل على أثمان هذه السلع ممن اشتراها منه سلما على وجه التعجل، فيتحول البنك من دور التمويل إلى دور التاجر العادي، وهذا لا يُناسب البنك، فربح البنك في أن تبقى رؤوس أمواله فترة، تُتيح له التربح.

المضاربة حلًّا

تم تقديم المضاربة ، أو المشاركة حلًّا  لهذا التحدي ، فقد ذكر أصحاب هذا المقترح أن صاحب المصنع الذي يحتاج إلى تمويل رأس المال العامل، يمكنه أن يجعل المصنع- بما فيه من المعدات والأجهزة والمباني- أدوات المضارب، ويتم استبعاد ماله وما عليه من ديون، ويقدم البنك النقود باعتبارها حصته كرب المال .

إلا أن المضاربة لم تعُد تلقى ترحيبا من البنوك الإسلامية ؛ لاشتمالها على مخاطر عالية، يتحاشى البنك الدخول فيها؛ لأنها تعتمد بشكل أساس على أمانة العميل، الذي ربما لا يكون أمينا فيكلف البنك خسائر كبيرة؛ ولذلك فإنه على المستوى العملي في المصرفية الإسلامية، يلجأ عملاء البنك الإسلامي إلى تمويل رأس المال العامل عن طريق التورق المنظم لدى البنوك التي تبيحه هيئاتها الشرعية ، وإما عن طريق التورق الفردي لدى البنوك التي تحرم التورق المنظم.

 

 

 

المواد المنشورة في الموقع لا تعبّر بالضرورة عن رأي إسلام أون لاين

مقالات ذات صلة