من حين لآخر، يثار الجدل حول “التراث” وما يتصل به؛ من حيث أهميته، وكيفية قراءته، وضرورة تجديده، وصولاً إلى إمكانية تجاوزه والنظر إليه على أنه عائق أمام اللحاق بقطار العصر!

 

وما أكثر ما نرى هجومًا على “التراث” ممن يحاولون أن يظهروا حريصين على نهضة الأمة، وتحقيق تقدمها، ومعالجة الأزمات التي أودت بها في هذه الحالة من التراجع، التي لا تخفى على أحد.. وكأن “التراث” هو العائق أمام تحقيق ذلك، وهو المانع من انطلاق قطار التحديث والتغيير!

الأمر الأول: الذي يلفت أنظارنا في هذا السجال هو غياب تحديد مفهوم “التراث”.. فكثيرًا ما نسمع كلامًا عن ضرورة تجديد التراث، أو تصحيحه، أو حتى تجاوزه؛ دون أن نرى اهتمامًا كافيًا بتحديد ماهية “التراث” المطلوب تجديده أو تصحيحه أو تجاوزه!

وكنت أتابع حلقة نقاشية حول “سلطة التراث على العقل العربي”، وطوال وقت الحلقة- ساعة إلا ربع- لم يتطرق أحدهم لتحديد مفهوم “التراث”، الذي يراه سلطة تقيّد العقل العربي وتمنعه من الانطلاق.. وكان من الواجب أن تبدأ الحلقة بهذا التحديد!

وأتصور أن غياب هذا التحديد أمر مقصود؛ لتمرير الهجوم الكاسح على “التراث”، وتبرير العداء الفج له.. إذ لو قيل صراحة إن القرآن والسنة داخلان ضمن مفهوم “التراث” الذي يهاجمونه، لما استمع إليهم أحد، ولوجدوا نكيرًا يمنعهم من الاستمرار في هجومهم المتكرر! (ويذكرني هذا بالمؤتمرات الكثيرة التي تُعقد لإدانة “الإرهاب”، دون أن تَلقى محاولة تحديد المقصود بـ”الإرهاب”، العناية اللازمة، ولا يوضح أحد ما إذا كان الإسلام مندرجًا ضمن مفهوم “الإرهاب” أم لا!!)

وهنا، أقول باختصار: إن القرآن الكريم والسنة النبوية قد يدخلان ضمن المفهوم الواسع للتراث، باعتبار أننا ورثناهما جيلاً بعد جيل عن النبي ؛ لكن ينبغي أن يكون واضحًا أن منهج التعامل معهما يختلف عن منهج التعامل مع الاجتهادات البشرية التي تندرج أيضًا ضمن مفهم “التراث”.. فضلاً أن ثمة اتجاهًا يرفض إدراج القرآن والسنة ضمن “التراث”؛ مَنْعًا من لبسٍ قد يحدث من عدم التفرقة بين طبيعية القرآن والسنة، وطبيعة العلوم والمعارف والاجتهادات التي نشأت حولهما ونبعت منهما.

الأمر الثاني: ينبغي أن نعلم أن “تراثنا” يختلف اختلافًا كليًّا، من حيث مصدره الأعلى، وطرق تدوينه، وصيرورته، وموقفه من العقل والاجتهاد.. عن تراث الآخرين، وتحديدًا “التراث الغربي”، والذي يجري دائمًا استبطانه حين يتم الحديث عن “التراث الإسلامي”.

فتراثنا نبع واستمد روافده من القرآن الكريم والسنة النبوية، اللذين هما وحي إلهي؛ وبالتالي، فمرجعيته العليا تختلف عن المرجعية العليا لأي تراث آخر.. كما أن تراثنا لم يسلك في مسيرته وصيرورته، المسار الذي سلكه تراث الآخرين؛ ومن ثم، فإن المقارنة غير صحيحة، والفارق كبير يستعصي على التمويه!

ثم إن تاريخنا لم تكن به “كنيسة” تفرض سلطتها، ليس على النص الديني فحسب- مع الآخذ في الاعتبار أن نصَّنا الديني مغاير لنصوص الآخرين- بل على النصوص الطبيعية والعقلية أيضًا! فَلِمَ يجري الحديث عن تراثنا كما لو أن “كنيسة” لعبت به، وجمَّدته، وحان وقت الخروج من عباءتها، ورفض كهنوتها؟! إن هذا لإجحاف عظيم!!

الأمر الثالث:يتمثل في ضرورة إدراك أن الأحكام الإسلامية- حتى في مصدرها الأعلى- جاءت على مستويات عدة، وليس على مستوى واحد؛ مما يسمح بوجود مساحات كبيرة للعقل والاجتهاد.. مما هو مفصَّل في علم أصول الفقه.

فهذه الأحكام تندرج تحت مستويات عدة؛ هي: قطعية الثبوت والدلالة، قطعية الثبوت ظنية الدلالة، ظنية الثبوت والدلالة، ظنية الثبوت قطعية الدلالة.. والمستويات الثلاثة الأخيرة تمثل مجالاً رحبًا للاجتهاد وإعمال العقل واستيعاب المستجدات..

يوضح هذا الشيخ مناع القطان قائلاً: “إذا قارنا بين القرآن والسنة من حيث القطعية والظنية، تبين لنا أن القرآن كله قطعي الثبوت، ومنه ما هو قطعي الدلالة، ومنه ما هو ظني الدلالة. أما السنة فمنها ما هو قطعي الثبوت، ومنها ما هو ظني الثبوت، وكل واحد منهما قد يكون قطعي الدلالة وقد يكون ظني الدلالة” (تاريخ التشريع الإسلامي، ص: 81).

فأين هو “التراث” الذي يقف حجر عثرة أمام العقل ويمنعه من الإبداع والتجديد؟!

وإذا كانت هذه التفرقة بين مستويات الأحكام حاصلةً في أحكام القرآن الكريم والسنة النبوية؛ فما بالنا باجتهادات الفقهاء والمفسرين والعلماء، التي جاءت استجابة لعصرهم وقضاياهم، غيرَ مُلزِمة لمن يتلونهم؟! لا شك إذن أن مجال الاجتهاد أرحب وأوسع فيما يتصل بذلك.

الأمر الرابع:هو سؤال نوجهه لهؤلاء: هل تَصدرون في موقفكم من “التراث”، عن الشعور بأهمية التراث والغيرة عليه؛ ومن ثم تحاولون “تصحيحه” ونفض الغبار عنه.. أم تصدرون عن موقف عدائي، وتحاولون تجاوزه بالكلية، وتخفون ذلك تحت دعاوى التجديد؟!

إن كنتم من أصحاب الموقف الأول، فجموع الأمة معكم؛ لكنكم أخطأتم الطريق بهذا النقض والهجوم غير المبرر.. كما أنكم لم تستوعبوا التراث أصلاً، حتى يمكنكم ممارسة فرزه ونقده..

وإن كنتم من أنصار الموقف الثاني، فلا يخفى على أحد أن أي أمة من الأمم لها تراثها الذي تعتز به، وتنافح عنه، وتستمد منه هويتها وشخصيتها، مهما احتاج إلى تصحيح في بعض جوانبه؛ حتى تلك الأمم التي لا تستند إلى شريعة سماوية!!.. فلماذا “التراث الإسلامي” وحده يُراد تحاوزه ونقضه؟ ولمصلحة من يُغيَّب تراث الأمة، ويتم استحضار تراث آخرين غريب عنها، وهي غريبة عنه؟! وهل بذلك نستطيع أن نواجه الآخرين من موقع الندية، أم الذوبان والانسحاق؟!

إن “التراث” ليس قضية متصلة بالماضي، يمكن طيّ صفحتها، وإهالة التراب عليها؛ وإنما هو كتاب مفتوح على امتداد الزمان، وصفحاته قادرة على أن تمدنا بالكثير من الوعي والإبداع اللازمين لاستئناف النهوض ومواكبة العصر.. إن صدقت النيات، وصحّت مناهج القراءة!