الشيخوخة مرحلة طبيعية من مراحل العمر الإنساني، فمراحل العمر الإنساني أربع مراحل: الطفولة، ثم الشباب، ثم الكهولة، ثم الشيخوخة؛ قال تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} [غافر: 67] فأشارت الآية الكريمة إلى المراحل الأربعة : (النطفة والعلقة)، ثم مرحلة الطفولة، ثم مرحلة بلوغ الأشدّ (وتشمل الشباب والكهولة) ثم مرحلة الشيخوخة.

وإذا قدر للإنسان أن يسلم من الموت في طفولته وفي شبابه أو في كهولته، كان وصوله إلى الشيخوخة أمرا حتميًّا.

ومرحلة الشيخوخة، هي أردأ مراحل العمر، وهذا هو معنى تسميتها أرذل العمر، قال تعالى : { وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا} [الحج: 5] ففيها تضعف القوى من سمع وبصر وعقل، حتى يصبح الإنسان كلًّا على غيره.

وقد راعى رسول الله هذه المرحلة العمرية ، وأحاطها بمجموعة من الآداب الإسلامية قولا وفعلا وهديا عاما، فمن ذلك :

الكفالة المادية

فمن هديه أنه زجر الولد الذي شكا أباه أنه يجتاح ماله، وبين له أنه هو وماله لأبيه،  فعن عدد من الصحابة رضي الله عنهم: أن رجلا أتى النبي يخاصم أباه،لا في دين عليه، فقال نبي الله: “أنت ومالك لأبيك”([1])

قال الخطابي : ” ويشبه أن يكون ما ذكره السائل من اجتياح والده ماله،إنما هو بسبب النفقة عليه،وأن مقدار ما يحتاج إليه للنفقة عليه شيء كثير،لا يسعه عفو ماله والفضل منه،إلا بأن يجتاح أصله،ويأتي عليه،فلم يعذره النبي ،ولم يرخص له في ترك النفقة عليه،وقال له:”أنت ومالك لوالدك”على معنى انه إذا احتاج إلى مالك أخذ منك قدر الحاجة،كما يأخذ من مال نفسه،وإذا لم يكن لك مال وكان لك كسب لزمك أن تكتسب وتنفق عليه، فأما أن يكون أراد به إباحة ماله، وخلاّه واعتراضه حتى يجتاحه ويأتي عليه،لا على هذا الوجه ،فلا أعلم أحداً ذهب إليه من الفقهاء. والله أعلم.[2]

وقال ابن حبان : معناه أنه زجر(الابن)عن معاملته أباه بما يعامل به الأجنبيين،وأمره ببره، والرفق به في القول والفعل معا، إلى أن يصل إليه ماله، فقال له:”أنت ومالك لأبيك” لا أن مال الابن يملكه الأب في حياته،من غير طيب نفس من الابن به[3].

كان يحث أمته على احترامهم 

من هديه في معاملة الشيوخ والمسنين أنه كان يحث أمته على احترامهم وتوقيرهم وتبجليهم، فعن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله ” إن من إجلال الله إكرام ذي الشيبة المسلم” ([4])

فجعل إكرامهم منْ إجلال العبد لربّه، وتبجيله وتعظيمه له؛ وذلك لحرمة الكبير عند الله؛ ولما له من السابقة في الإسلام؛ ولما له من الحق على غيره. كما أن في ذلك إظهاراً لحقّه على المجتمع الذي يعيش فيه؛ لأن هذا حق أعطاه الشرع إياه.([5])

وقال : ”  ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويوقر كبيرنا “.([6]) والحديث يبين أن الاعتداء على الكبير بالقول أو الفعل أو الإشارة، اعتداء على جناب النبي ، وهذا ما يفهم من نسبة النبي الكبير إلى نفسه ” كبيرنا”.

ومن توقير الكبير: التوسعة له في المجلس، والقيام له ليجلس مكانه، وايثاره  بالنوبة ، أو بموقعه في الصف، أو بتقديمه على غيره مراعاة لضعفه، ونحو ذلك.

النهي عن قتلهم في الحرب

عن أنس بن مالك: أن رسول الله قال: ” انطلقوا باسم الله، وبالله، وعلى ملة رسول الله، ولا تقتلوا شيخا فانيا”([7])

قال الطحاوي : “النهي من رسول الله في قتل الشيوخ في دار الحرب ثابت في الشيوخ الذين لا معونة لهم على شيء من أمر الحرب، من قتال ولا رأي”([8])

كان يبادر بالذهاب إليهم

ومن هديه في معاملتهم أنه كان يبادر بالذهاب إليهم تخفيفا عليهم، ورفعا للمشقة عنهم، فقد جاء أبو بكر رضي الله عنه بأبيه يقوده ،فلما رآه رسول الله قال:(هلا تركت الشيخ في بيته حتى أكون أنا آتيه) قال أبو بكر ـ رضي الله عنه ـ: يا رسول الله هو أحق أن يمشي إليك من أن تمشي إليه قال: فأجلسه بين يديه ثم مسح صدره ثم قال له:(أسلم) فأسلم .”([9])

كان يمازحهم

وكان من هديه معهم أنه كان يمازحهم، فقد  أتت عجوز إلى النبي   فقالت: يا رسول الله ادع الله أن يدخلني الجنة. فقال:(يا أم فلان إن الجنة لا تدخلها عجوز) .

فولّت تبكي!

فقال النبي : (أخبروها أنها لا تدخلها وهي عجوز؛ إن الله تعالى يقول: إنا أنشأناهن إنشاء. فجعلناهن أبكارا. عربا أترابا)([10])

كان يأمر أمته بالتخفيف في الصلاة من أجلهم

فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله : «إذا صلى أحدكم الناس فليخفف فإن فيهم السقيم والضعيف والكبير. وإذا صلى أحدكم لنفسه فليطول ما شاء»([11]).

إعالته الفقراء منهم من مال الدولة

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله قال : “أيما مؤمن ترك مالا فليرثه عصبته من كانوا، فإن ترك دينا أو ضياعا، فليأتني فأنا مولاه»

والضَّياع: الضائعون، لفقرهم وعدم وجود ما يكفيهم، ولعجزهم عن السعي على أنفسهم، نتيجة الصغر كالأطفال، أو الكبر كالشيوخ والمسنين.

وهذا ليس للمسلمين فحسب،بل هو لكل من يعيش في ظل المجتمع الإسلامي، مسلما كان أو غير مسلم.([12])

وقد ذكر الإمام أبو يوسف في كتابه(الخراج)نص الوثيقة التي صالح عليها خالد بن الوليد رضي الله عنه نصارى الحيرة بالعراق وهي تقول:

“وجعلت لهم:أيما شيخ ضعف عن العمل، أو أصابته آفة من الآفات، أو كان غنيا فافتقر،وصار أهل دينه يتصدقون عليه: طرحت جزيته، وعيل من بيت مال المسلمين وعياله، ما أقام بدار الهجرة ودار الإسلام..”[13]

وقد كتبت هذه الوثيقة في عهد أبي بكر رضي الله عنه،وأقرها،كما أقرها من كان مع خالد من الصحابة رضي الله عنهم، ولم يعترض عليها أحد،ومثل هذا يعد إجماعا.

وفي عهد عمر رأى شيخا يهوديا يسأل الناس،فأنكر ذلك عمر،وعرف حاجته،فقال:ما أنصفناك إذا أخذنا منك الجزية شابا وأهملناك شيخا!ثم أمر خازن بيت المال أن يصرف له ولأمثاله من بيت مال المسلمين ما يكفيه.

وهذا ما سار عليه خامس الراشدين عمر بن عبدالعزيز، فقد كتب إلى عدي بن أرطاة واليه على البصرة برسالة جاء فيها: “وانظر من قبلك من أهل الذمة قد كبرت سنه،وضعفت قوته، وولت عنه المكاسب،فأجر عليه من بيت مال المسلمين ما يصلحه” واستشهد لذلك بواقعة عمر مع اليهودي.[14]

 


([1]) حديث صحيح، انظر تخريجه في إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل (3/ 323)

[2]– انظر:معالم السنن للخطابي جـ :5/183

[3] -انظر:ابن حبان(2:143) حديث(410)

([4]) صحيح الأدب المفرد (ص: 143).

([5]) انظر : كيف عاملهم النبي ، المنجد.

([6]) السلسلة الصحيحة (5/ 230)

([7]) رواه أبو داود، وقال الأرنؤوط : له شواهد يتقوى بها، جامع الأصول (2/ 596)

([8]) – شرح معاني الآثار (3/ 225)

([9]) – التعليقات الحسان على صحيح ابن حبان (10/ 274)

([10]) صحيح، وانظر تخريجه في السلسلة الصحيحة ، رقم (2987)

([11])  متفق عليه، اللؤلؤ والمرجان (1/97)

([12]) – حقوق الشيوخ والمسنين في ضوء شريعة الإسلام، د. يوسف القرضاوي.

[13]– الخراج لأبي يوسف (ص: 157)

[14] -الأموال لأبي عبيد (ص: 57)