فكر

إلى أنصار الجوهر

Feature image

من المألوف في كل الساحات الثقافية أن يحتدم الجدل حول كثير من القضايا؛ فهذا جزء من الحراك الثقافي، وإن من حق جميع الناس أن يكون لهم رأي في كل ما يعتقدون أنه يتصل بالحياة العامة، أو يؤثر في حياتهم الشخصية، ومن الطبيعي أن تُستخدم مساحات الحرية المتاحة استغلالاً غير راشد من بعض المثقفين، لكن من المهم إلى جانب هذا كله ألاّ يظهر مثقفو البلد الواحد وكأنهم ليسوا متفقين على أي شيء، فهذا يهدد الوحدة الثقافية والتضامن الأهلي، ويوقع البلبلة في المؤسسات التربوية على نحو خاص.

ومن الملاحظ في السنوات الأخيرة وصف كثير من الكتَّاب في الصحافة وغيرها لمسائل ذات بعد شرعي بأنها شكلية أو هامشية أو هي من القشور، أو مما لا يستحق العناية، أو من الأمور التي يُصرف الاهتمامُ بها عن قضايا خطيرة وجوهرية… وأود أن أشير في هذا الشأن إلى أمرين أساسيين:

الأول: أن من غير المناسب وصف شيء من أمر الدين بأنه من القشور أو من الشكليات، ومع أننا نسلّم بأن في الدين أصولاً وفروعاً وكليات وجزئيات، كما نسلّم أن هناك الواجب والمسنون والمندوب، كما أن هناك المحرم والمكروه، وما يُسمّى بخلاف الأولى، إلاّ أن علينا أن ننتبه إلى أن الإسلام بوصفه الرسالة الخاتمة قد أحاط بكل التفاصيل المتعلقة بالحياة الشخصية للإنسان المسلم، ومن ثم فإن الامتثال لما رغَّب فيه الشرع مهما يكن من الجزئيات يُعدُّ من معالي الأمور، ومن مكملات التديّن والعبودية لله –تعالى-، ويُقال مثل هذا في الابتعاد عما ثبت نهي الشارع عنه، ولو كان من المكروهات التنزيهية التي لا يُعاقَب فاعلها، وقد صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم، وما نهيتكم عنه فاجتنبوه)

ثم إن لما يُصنَّف بأنه أقل أهمية، أو يُصنّف على أنه من المسنونات أو المكروهات وظيفةً جوهرية في الحيلولة دون تقصير المسلم في أداء الفرائض والوقوع في الكبائر والمحرمات، والتقدم الحضاري قائم  أساساً على الاهتمام بالتفاصيل والذوقيات، ومراعاة ما يهمله الإنسان المتخلف في العادة، ولهذا فإننا نفترض أن يعكس المزيدُ من التمدن المزيدَ من الالتزام بآداب الشريعة الغراء.

الثاني: حين يقول بعض الكتاب: إن اللحية أو غطاء الوجه أو تقصير الثوب… من القشور أو من الأمور الشكلية، فهذا يدل على أنهم يتفقون مع الكتَّاب الإسلاميين بأن هناك أموراً جوهرية تستحق العناية والاهتمام، وهذا ليس موضع شك لدى أحد؛ إذ إن الكاتب الذي يعتقد أنه مسلم ـ مهما كانت درجة التزامه بما يعتقده ـ يعرف أن الصلاة والزكاة والصلاة والحج وبر الوالدين ونصرة المظلوم وتعظيم شعائر الله من الأمور التي ليست موضع خلاف، كما يعرف أن الزنا وشرب الخمر وقتل النفس والكذب وشهادة الزور والقمار والربا.. من الأمور المتّفَق على تحريمها ـ بقطع النظر عن بعض التفاصيل ـ وهذه المعرفة تُملي علينا -معاشر الكتَّاب والمثقفين- أن نتخذ منها أطراً لبناء ثقافة اجتماعية عامة، وهذا يتطلب أن نتحدث عن هذه القطعيات، وأن نحثَّ الناس بطرق مختلفة على أخذها بعين الاعتبار في سلوكياتهم الشخصية والعامة، وهذا هو في الحقيقة الدليل الأوضح على أن باطننا مثل ظاهرنا، وعلى أن الكتابة ليست وسيلة للارتزاق أو النجومية، وإنما هي مسؤولية وأمانة، ووسيلة لإصلاح المجتمع.

إن الذي يحدث الآن محزِن للغاية حيث تُستهلك طاقات كبيرة في التناحر الثقافي وفي الحديث عن الأمور التي لا نريدها، في حين نهمل الحديث عما نريده ونتطلع إليه.

حين يطول أمد النزاع الثقافي، فإنه يؤدي إلى شروخ عميقة في الحياة العامة، وتضعف درجة يقين الناس و ولائهم  للأصول والثوابت، ويكون آنذاك انحدارهم نحو التحلل الخلقي سهلاً، كما يصبحون لقمة سائغة للثقافات الأجنبية الغازية.

 

الريادة الاجتماعية ليست مكاسب ومغانم وجلوساً في الصفوف الأولى، إنها قبل ذلك غيرة وحرقة على كرامة الأمة ومستقبل الأوطان.

المواد المنشورة في الموقع لا تعبّر بالضرورة عن رأي إسلام أون لاين

مقالات ذات صلة