فكر

د.مجدي سعيد: أزمة “كورونا” كشفت الحاجة للصحافة العلمية

Feature image

وباء “كورونا” الذي اجتاح دولا ً كثيرة من العالم، يبدو أن تأثيراته لن تتوقف عند الجانب الصحي، وإنما ستشمل جوانبَ كثيرة تتسع بقدر اتساع جوانب حياتنا؛ صحيًّا واجتماعيًّا واقتصاديًّا.. ومن هذه الجوانب ما يتعلق بالصحافة العلمية؛ تلك التي منوطٌ بها التوعية ومتابعة الجديد في العلوم والاكتشافات، وتوفير المعلومات الدقيقة.

 

حول تأثيرات أزمة “كورونا”، وعلاقتها بالصحافة العلمية، يدور هذا الحوار مع د. مجدي سعيد رئيس التحرير السابق للطبعة العربية من مجلة Nature، وصاحب مؤلفات تهتم بالعلوم وبتنمية المجتمع المدني؛ مثل: دليل الإعلامي العملي العربي (محرر ومشارك).. التعليم مشروع الأمة.. حركة التعاونيات: الطاقة التنموية المهدرة.. تجربة بنك الفقراء.. فإلى الحوار:

كشفت أزمة “كورونا”، خاصة في بداياتها، عن غياب المعلومة الطبية الصحيحة، وقايةً وعلاجًا.. بمَ تفسرون ذلك؟

هذا الغياب للمعلومة الصحيحة، يبدو- للأسف- طبيعيًّا؛ نظرًا لأن هذا الوباء جديد.. ونحن، أي هذه الأجيال التي تعيش على الأرض، لم نتعود على وجود جائحة أو وباء عالمي.. وإن كنا سمعنا عن ذلك في فترات سابقة من التاريخ.. وبالتالي، وجدنا أنفسنا أمام وضع جديد، غير مسبوق بالنسبة لنا، ولم نستعد له.

ومع هذا، فهناك مواقع إلكترونية صحية كثيرة استطاعت أن تتابع الأزمة، وتحاول أن تقدم معلومات طببية تغطي هذا الحدث وتوفر للمتلقي التوعية الصحية اللازمة.. بالإضافة لأطباء وعلماء متخصصين يقومون بعمل “فيديوهات” للتوعية؛ مثل د. إسلام حسين- الخبير المتخصص في علم الفيروسات.

وماذا عن غياب أو تراجع دور “الصحافة العلمية” في التوعية؟

بالنسبة لهذا التراجع فيمكن القول إنه يمثل ظاهرة عامة، وليست ظاهرة عربية فقط كما كنت أتصور من قبل.. هي ظاهرة عالمية للأسف الشديد؛ وهذا يعود إلى أن صناعة الصحافة تعتمد على تقديم ما يجذب الجمهور، ويحقق قراءة عالية.. وهو ما يتمثل في ثلاث مساحات بشكل رئيسي؛ مساحة السياسة، ومساحة الرياضة وتحديدًا كرة القدم، ومساحة الفنون وما يتعلق بها مما يمكن تسميته “حديث النميمة”!

فهذه الظاهرة التي تتصل بما يحدد مسار الصحافة، هي ظاهرة عالمية.. مع الأخذ في الاعتبار، أن الصحافة العلمية موجودة في الغرب بشكل أكبر من حالتها في العالم العربي.. وإن كان لا بد من الإشارة إلى أنه يوجد الآن بعض المواقع التي تقدم صحافة علمية مثل، موقع سايديف (النسخة العربية).. موقع للعلم (وهو ترجمة لمجلة Scientific American).. موقع (pop-science) ورئيس تحريره الزميل سعد لطفي.. موقع صحتك.. الصفحة الصحية بـ”العربي الجديد”، وبـ”الجزيرة”، وببعض المواقع الأخرى، والصحف الورقية.. مما قد يسد بعض الخلل، ويحقق شيئًا من المأمول.

ومن المهم أن نذكر هنا، أن الصحافة الصحية مشكلتها أنها في الغالب أقرب إلى صحافة الإعلانات منها إلى الصحافة المتخصصة التي تهتم بتبسيط العلوم وتقديم كل ما هو جديد.. ومع هذا، فهناك كما أشرنا بعض الجهود المهمة التي تحاول أن تقدم الإفادة والتوعية.

– تقدم الصحافة الرياضية أو الفنية، في مقابل تراجع الصحافة العلمية.. ما السبب؟ وهل لذلك علاقة بحالة المجتمع من سلم النهوض والتقدم؟

بلا شك، فإن هذا يدل على مدى الاهتمام والوعي بالمجتمع.. يضاف لذلك، أن غياب الصحافة المتخصصة يرتبط أيضًا بعدم وجود برامج بكليات الإعلام من شأنها إيجاد هذه النوعية المتخصصة؛ التي تطورت كثيرًا عن المفهوم التقليدي للصحافة وأقسامها المعروفة من إذاعة وتلفزيون وصحافة ورقية.. وإنما شملت الصحافة الإلكترونية وتوظيف “الموبايل” في الاتصال والتواصل، مع كثير من التخصص والمعرفة الدقيقة.

ومن الممكن تدارك ذلك من خلال إيجاد برنامج دراسي يكون أكثر تخصصًا، مثل دبلومة أو تخصيص آخِر سنتين في كليات الإعلام لذلك.. وهذا سيحدث لو أن هناك اهتمامًا من الجمهور بدأ يتشكل تجاه الصحافة العلمية؛ مثل بعض المبادرات التي رأيناها في مصر منذ عشر سنوات تقريبًا.. فإذا تشكل جمهور يهتم بهذه النوعية من الصحافة، فإن هذا سيؤدي لأن يغير القائمون على الصحافة من سياستهم، سواء في المستويات الدراسية الأكاديمية، أو في مستوى من يديرون الصحف، فهم بالتأكيد يبحثون عن القراء والمبيعات.

إذن، كيف يمكن تعزيز دور الصحافة العلمية، سعيًا لترسيخ ثقافة علمية وإيجاد نوافذ علمية موثقة ومواكبة للتطورات؟

الأمر كما قلتُ يرتبط بالقناعة، سواء من القائمين على الصحافة المرئية والمقروءة، أو من المتلقين أنفسهم.. فحينما تتشكل هذه القناعة بدور العلم والعلوم، وأهمية نشر هذه الثقافة ومتابعة الجديد فيها في حياتنا،  فحينئذ سنرى اهتمامًا أكبر بتلبية حاجة المتلقي، وبمتابعة اتجاهات الاهتمام والتوزيع.

وفي هذا الصدد يمكن توظيف الآداب والفنون من مسرح وغيره، لنشر الثقافة العلمية، وتكوين شريحة واسعة تهتم بذلك.. مما يؤدي إلى انتعاش سوق الصحافة العلمية، ونشر هذه الثقافة التي هي مهمة وضرورية لحياتنا.. وأزمة “كورونا” خير شاهد!

ما أهم الشروط والمواصفات لتكوين “صحفي علمي”؟

الصحفي أو المحرر العلمي لا بد أن يجمع بين أمرين؛ الإلمام بالعمل الصحفي وفنونه المختلفة، بوجه عام.. والمعرفة العلمية الدقيقة، مع إجادة اللغة الإنجليزية حتى يتمكن من متابعة الجديد في العلوم، والمشاركة في المؤتمرات العلمية ومتابعتها بفاعلية.

وللأسف، هذا غير متوافر غالبًا.. فإما أن نجد صحفيًّا غير متخصص في الشأن العلمي.. أو متخصصًا علميًّا غير ملم بالعمل الصحفي جيدًا، ولكنه يحاول من خلال الممارسة أن يكتسب بعض المهارات.

وأغلب ما يقدَّم في العالم العربي عبارة عن ترجمات، أكثر منه صحافة علمية حقيقة؛ لأن الصحافة العلمية تنشأ عندما يتوافر البحث العلمي بمستوى متقدم؛  فيستطيع الصحفيون أن يتابعوا أخبارًا جديدة، وأنشطة مهمة.. فحين يتوافر لهم مصدر صحفي علمي، تكون أمامهم الفرصة لعمل شغل صحفي بناء على ذلك..

إضافة لهذا، يمكن أن نقول إن الصحفي أو المحرر العلمي يجب أن تتوافر فيه شروط الصحافة عامة، وأهمها القدرة على إيجاد صياغة دقيقة متماسكة، مع القدرة على تبسيط المعلومة، وتدقيقها والتحقق منها قبل نشرها.

لكم جهد من خلال “الرابطة العربية للإعلاميين العلميين”.. نود التعرف على أهداف الرابطة ودورها في نشر الثقافة العلمية؟

هي رابطة علمية تأسست في ديسمبر 2006، وكانت قبل ذلك موجودة إلكترونيًّا.. بهدف النهوض بهذا المجال، وأعتقد أننا حققنا نجاحًا لا بأس به.. وهذا كان يقتضي أولاً وجود روابط على المستوى القُطري لكل دولة، ثم تأتي “الرابطة العربية” التي تجمع ذلك.. لكن جاء التأسيس “من فوق لتحت”، مما جعلها بلا أساس صلب.. إضافة إلى الخلافات التي يبدو أننا تعودنا عليها في التجمعات العربية!

لكننا مع ذلك، أصدرنا “دليل الإعلام العلمي”، ونظمنا المؤتمر الدولي العلمي في قطر، عام 2011، وكنا جزءًا من مؤتمرات علمية أقمنا على هامشها ورشًا خاصة بالإعلام العلمي وقدمنا أول جائزة للإعلام العلمي العربي بدعم من المؤسسة العربية للعلوم والتكنولوجيا التي كانت ترعى الرابطة.. ولعل الأجيال الجديد تكون أسعد حظًّا في أن تواصل هذه المسيرة التي بدأناها.

من خلال تجربتكم الصحفية في بريطانيا.. كيف ترصدون واقع الصحافة العلمية في الغرب؟

كما أشرتُ، الغرب به بحث علمي متقدم ومدعوم. وبالتالي فهناك أخبار تترتب على ذلك، ومجال يتحرك فيه الصحفيون العلميون، وبيئة خصبة لانتعاش هذا النوع من الصحافة المتخصصة..

هناك جامعات ومراكز أبحاث وأنشطة ومؤتمرات وورش عمل.. وفي هذا الجو الخصب تجد الصحافة عملاً لها، ومادةً تقوم بتحريرها.. بجانب جمهور يتابع ويشكل سوقًا لهذه الصحافة.

وشيء من هذا نراه في عالمنا العربي.. فحينما يقوم عالم أو باحث باختراع شيء أو اكتشاف أثر مهم؛ فالصحافة تتحرك وراءه وتُجري معه لقاءات، وتُعرِّف باختراعه أو اكتشافه.. كما حدث مع الدكتور هشام سلام- مؤسس مركز جامعة المنصورة للحفريات الفقارية، والذي اكتشف مع فريقه ديناصور المنصورة (منصوراصورس) (Mansourasaurus shahinae)؛ فاستضافه الإعلام للحديث عن هذا الاكتشاف العالمي المهم.

وحينما نكون أمام أكثر من اكتشاف أو اختراع، سنكون أمام جمهور، خاصة من الشباب الذي عنده شغف واهتمام بالجديد والمثير.. وبالفعل، تشكلت مبادرات شبابية مهمة في هذا لمجال، لكن للأسف لم تتواصل، ربما بسبب عدم توافر الدعم اللازم، أو لأسباب أخرى.

لا شك أن أزمة بحجم “كورونا” تستدعي دورًا للمجتمع المدني؛ سواء في التوعية أو تقديم المعونات.. كيف رصدتم ذلك؟

هذا صحيح، خاصة أن أزمة “كورونا” أزمة ضخمة، ويبدو أنها ستستمر بعض الوقت.. وهناك مبادرات كثيرة بدأت، أقوم برصدها من خلال هاشتاج (الخير في زمن الكورونا).. مما يدل على أن مجتمعات البشر فيها خير كثير.. وإبداعات الشباب لا تتوقف؛ مثل توفير مستلزمات طبية بها نقص، عن طريقة الطباعة ثلاثية الأبعاد.. “جروبات” أطباء  للتوعية والرد على الاستفسارات.. توفير وجبات جاهزة للفقراء الذين تضررت أعمالهم بسبب ركود سوق العمل.

ومن المؤكد أن أزمة كبيرة، مثل تلك التي نحن بصددها، تتطلب دورًا قويًّا للمجتمع المدني؛ فهي أزمة أكبر من طاقة الحكومات، ولا بد أن يتكاتف الجميع حتى يمكن تخفيف الآثار الناجمة عنها.. نحن في حالة ارتباك عالمية، لها ما بعدها، وستتغير أمور كثيرة بعدها..

ومن المهم الالتزام بالتعليمات الصحية، مثل الاهتمام بالنظافة والتعقيم، والابتعاد عن التجمعات.. مع الاهتمام بكبار السن؛ فهم الأكثر تضررًا من هذه الأزمة، ولا بد من توفير الرعاية الصحية والاجتماعية لهم.. مما يتطلب الحضورَ القوي للمجتمع المدني، والكثيرَ من المبادرات، والإبداع في عمل الخير.

وماذا عن تغطية وسائل الإعلام للأزمة؟

للأسف، الإعلام دائمًا يبحث عن الإثارة، حتى في أزمة مثل كورونا.. دون أن يراعي الحالة النفسية للناس! فنرى عناوين مثيرة بطريقة مرعبة، دون توازن.. صحيح أن هذه المتابعة المستمرة تجذب مشاهدين، لكن لابد من التوازن، وأن نفرد مساحات للمتخصصين..

وكما أن من المهم أن تحمل الرسالة الإعلامية التحذير والوقاية والعلاج وبث الخوف حتى يلتزم الناس، يجب في الوقت نفسه أن تحمل التوازن، مع إعطاء الأمل.. فلا نستخدم تعبيرات مثل: وباء كورونا المدمر أو القاتل.. إضافة إلى عدم الاستجابة للشائعات، التي قد يكون بعضها نتيجة قراءة خاطئة لأبحاث علمية؛ مثل إشاعة أن الفيروس تحوَّر وأصبح ينتقل بالهواء! بينما الحقيقة أن البحث لم يقل هذا.. مما تسبَّب في حالة رعب خطيرة؛ فلا بد من التوازن وعدم البحث عن الإثارة على حساب الموثوقية والمصداقية.. ومن الالتزام بالمعلومة الطبية الصحيحة من أهل الاختصاص..

المواد المنشورة في الموقع لا تعبّر بالضرورة عن رأي إسلام أون لاين

مقالات ذات صلة