كل الجيوش التي عرفتها البشرية حالها بين الكر والفر، وبين الإقبال والإدبار، إلا هذا النوع من الجيوش، فإنه لا يعرف فراً ولا إدباراً، ولا يضع عن عاتقه أبدا سلاحه، إنها الجيوش البيضاء!!

وقد جرت العادة أن قرع أقدام الجيوش يحمل فيه طياته الرهبة، وأصوات أسلحتهم يثير في النفوس الذعر والفزع والخوف، ولكن الجيوش البيضاء على العكس من ذلك تماما، فهي جيوش تفزع إليها قلوب الحائرين ووجودهم يبعث على الطمأنينة، فهم عنوان الرحمة، وأسلحتهم في ميدان النزال ليست البراميل الحارقة، ولا أسلحة الدمار والخراب، ولكن سلاحهم الأول هو الأمل الذي يبثونه في النفوس المنهكة، والرجاء الذي تتعلق به القلوب الحائرة، عن الطواقم الطبية التي تبذل أرواحها من أجل إنقاذ البشرية في مواجهة هذا الوباء الفتاك من أطباء وممرضين ومسعفين أتحدث.

ففي الوقت الذي توارت فيه عن الأعين أعتى الجيوش، وبات الجميع في فزع من هول هذا العدو الذي لا يوقر كبيرا ولا يرحم صغيرا، وأخذ يفتك بالأرواح دون شفقة أو رحمة، وقد طأطأت أعتى دول العالم رؤوسها في مواجهة هذا العدو؛ إعترافا بضعفها وقلة حيلتها، بعد أن كادت الأرض تأخذ زخرفها، وفي خضم هذا الهول تقدمت، ولا زالت تتقدم جحافل العاملين في المجال الطبي والصحي، يواصلون الليل بالنهار، دون كلل أو ملل، لا يتوانون في بذل ما في وسعهم وطاقتهم، ولا يثنيهم عن أداء واجبهم ما يتعرضون له وما ينتظرهم من أخطار، فليس بخاف عن الأسماع ما نسمعه كل يوم من إصابة العاملين في المجال الطبي بهذا الفيروس، كما قدموا ويقدمون شهداء بسبب إصابتهم بهذا الفيروس القاتل؛ نتيجة قيامهم بواجبهم، وبخاصة في الدول التي تعاني منظومتها الصحية من ترهل وضعف.

وقد تناقلت وسائل الإعلام المختلفة هذه المشاعر الطيبة تجاه هؤلاء البواسل، حيث يستقبلهم الناس بالتصفيق، والورود، والتحيات العاطرة، كنوع من التقدير والتشجيع لما يقومون به في هذا الظرف العصيب.

لذا كان لزاما أن نثني على هذا السلوك، وأن نساعد على نشره، فهو خلق محمود ما أروع أن نحييه في مجتمعاتنا، وفي نفوس صغارنا، وواجبنا أن نبين للناس أن هذا السلوك هو قربة من القربات التي يرضى بها عنا رب الأرباب.

وفي هذه العجالة نلقي الضوء على واجبنا نحو الطواقم الطبية:

أولا: شكرهم والاعتراف بفضلهم، فشكر أهل المعروف والثناء عليهم هو دين تعبدنا الله به، فالمؤمن المستقيم لا يكون لله شاكرا حتى يعترف بالفضل لأهل الفضل، ففي الحديث الذي رواه أحمد في المسند قال : “إن أشكر الناس لله عز وجل أشكرهم للناس”.

وقال : “لا يشكر اللهَ من لا يشكر الناسَ” رواه أبو داود والترمذي. يقول الإمام القرطبي: “هذا الحديث اشتمل على معنيين:

أحدهما: أن من كان من طبعه كفران نعمة الناس وترك الشكر لمعروفهم كان من عادته كفران نعمة الله عز وجل وترك الشكر له.

الثاني: أن الله سبحانه لا يقبل شكر العبد على إحسانه إليه إذ كان العبد لا يشكر إحسان الناس إليه ويكفر معروفهم لاتصال أحد الأمرين بالآخر[1].

والحديث كما فيه حث على شكر أهل المعروف ففيه أيضا ذمٌ لمن قصر في شكرهم.

والشكر باللسان هو أقل ما يقدمه المرء مكافأة لمن أحسن إليه، ووفاء لمن وقف بجانبه؛ ولنغرس في نفوس صغارنا معنى المروءة والوفاء، والاعتراف بالجميل، وحتى لا تموت المروءة في الناس. والشكر يكون بأي عبارة جرت بها العادة. وكلمة الشكر وعبارة الحمد لا يخسر قائلها شيئ،ا ولا تكلفه جهدا ، ولكنها تعود عليه بكسب ود المحسن، وتؤلف قلبه، وتحرضه على زيادة البذل والعطاء.

ثانيا: مكافأتهم والدعاء لهم، حتى تبقى دافعية الإحسان قائمة فيجب مكافأة أهل الإحسان من باب التشجيع وشحذ الهمم والنفوس، ومكافأة هؤلاء الفرسان -ماديا ومعنويا- هو واجب الدولة والقائمين على إدارة المؤسسات الصحية والطبية، ومكافأة الطواقم الطبية ماديا هو نوع من التقدير لمجهوداتهم،

ومن باب المكافأة المادية للطواقم الطبية فإنه يجب توفير أسباب الحياة الكريمة لهم ولذويهم، كما يجب توفير تغطية تأمينية تليق بما يتعرضون له من أخطار.

وإذا كانت الأنظمة منوطاً بها مكافأة العاملين في المجال الطبي ماديا، فواجب الأفراد نحوهم هو الدعاء لهم، كما قال النبي : “من صُنِع إليه معروفٌ فقال لفاعله: جزاك الله خيرا فقد أبلغ في الثناء. رواه الترمذي.

وقال : “من صنع إليكم معروفاً فكافئوه، فإن لم تجدوا ما تكافئونه فادعوا له حتى تروا أنكم قد كافأتموه”. رواه أحمد والحاكم.

وما ذكرناه من وجوب الشكر والمكافأة والدعاء للعاملين في شتى المجالات ممن يعرضون حياتهم للأخطار في مواجهة هذا الوباء، أيا كان موقعهم أو طبيعة عملهم، فإن مكافأتهم بالشكر والدعاء لا يعود مردوده عليهم فحسب، بل إن من يشكر لهم ويدعو لهم بشكره ودعائه يكون شريكا لهم في الأجر، فحين ظن المهاجرون أن الأنصار قد ذهبوا بالأجر كله لِمَا جادت به نفوسُهم من الإنفاق على المهاجرين بيَّن لهم رسول الله بابا من الخير يُقربهم من أجر الأنصار ، فعن أنس رضي الله عنه أن المهاجرين قالوا : “يا رسولَ الله، ذهب الأنصار بالأجر كلِّه! ما رأينا قوماً أحسن بَذلاً لكثير، ولا أحسن مواساة في قليل منهم، ولقد كفونا المؤنة، فقال : “أليس تُثنون عليهم، وتدعون لهم؟! قالوا: بلى. قال: “فذاك بذلك”[2].فعلمهم أن يكافئوا إحسان المحسن بالدعاء له ، أو بالثناء عليه وبهذا لا يفوته الأجر.

ثالثا: من أوجب الواجبات بل من أهمها وأخطرها تجاه الطواقم الطبية هو توفير كل ما يحتاجون إليه من مستلزمات طبية وأدوات تحفظهم من إصابتهم بهذا الفيروس، كما يجب توفير المعدات الطبية والدواء التي تعينهم على أداء واجبهم، وتجنب البلاد والعباد مخاطر هذا الوباء.

وهذا الواجب يجب أن تتضافر في أدائه كل الجهود –أفرادا ومؤسسات- فالمصاب أكبر من أن تستوعبه جهود المؤسسات الرسمية، وها نحن نسمع أصوات الاستغاثة تنبعث من كل مكان ، فالمصاب جلل، ويجب أن تتضافر الجهود لتجنب مخاطر هذا الوباء.

وختاما نسأل الله تعالى للعاملين في المجال الطبي أن يحفظهم وينجيهم ، وأن يجزيهم عن كل ما يقدمونه خير الجزاء، وأن يرفع عن عباده هذا البلاء.


[1] – انظر تفسير القرطبي سورة البقرة آية 52

[2] – رواه أبو داود والنسائي، واللفظ له، وصححه الألباني في صحيح الترغيب.