شريعة

قضاء رمضان لمن مات بسبب مرض كورونا

Feature image

من القضايا التي تفرض نفسها والتي صاحبت انتشار وباء فيروس “كورونا” ما يتعلق بمسألة صوم من أصيب بهذا الفيروس، فماذا يجب على المريض إذا أفطر أياما من رمضان ثم شفاه الله، وماذا عن من أصيب بهذا الفيروس فأفطر ولكن مات في أثناء الشهر فهل يصوم عنه وليه، أو يطعم عنه، أم ليس عليه شيء؟

والجواب عن ذلك هو أن المريض إذا أدركه شهر الصيام لا يخلو حاله من أمرين:

الأول: إما أن يكون مرضه لازماً مستمراَ – مرضا مزمنا- لا يرجى زواله كالسرطان فلا يلزمه الصوم؛ لأنه ليس له حال يرجى فيها أن يقدر عليه، ولكن يُطعم عن صيام كل يوم مسكيناً.

الثاني: أن يكون المرض طارئا ويُرجى منه الشفاء، فإذا كان الصوم مضرا بالمريض ففي هذه الحالة يحرم عليه الصوم، ومتى أفطر المريض فإنه يقضي عدد الأيام التي أفطرها إذا شفاه الله، فإن مات قبل معافاته سقط عنه القضاء؛ لأن فرضه أن يصوم عدة من أيام أخر ولم يدركها.

وعليه فمريض “كورونا” إذا أفطر أياما من رمضان ثم شفاه الله فإنه يقضي الأيام التي أفطرها بعد انقضاء شهر رمضان، أما من مات بهذا الفيروس في رمضان فهذا قد برئت ذمته ولا يجب على وليه صيام ولا إطعام، وهذا رأي فقهاء المذاهب الأربعة، ولولا خلاف طاووس وقتادة لكان الأمر إجماعا.

وقد فصل العلامة العلامة ابن العثيمين –رحمه الله- القول في المسألة فقال[1]:

من أفطر رمضان لمرض ثم مات قبل التمكن من القضاء، فالمسألة ليس فيها بحمد الله إشكال: لا من جهة النصوص والاثار، ولا من جهة كلام أهل العلم.

أما النصوص فقد قال الله تعالى: {وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ اللهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} فجعل الله تعالى الواجب عليه عدة من أيام أخر، فإذا مات قبل إدراكها فقد مات قبل زمن الوجوب، فكان كمن مات قبل دخول شهر رمضان، لا يجب أن يطعم عنه لرمضان المقبل ولو مات قبله بيسير.

وأيضاً فإن هذا المريض مادام في مرضه لا يجب عليه أن يصوم، فإذا مات قبل برئه فقد مات قبل أن يجب عليه الصوم، فلا يجب أن يطعم عنه، لأن الإطعام بدل عن الصيام، فإذا لم يجب الصيام لم يجب بدله. هذا تقرير دلالة القرآن على أنه إذا لم يتمكن من الصيام فلا شيء عليه.

وأما السنة فقد قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «من مات وعليه صيام صام عنه وليُّه» متفق عليه من حديث عائشة رضي الله عنه

فمنطوق الحديث ظاهر، ومفهومه أن من مات ولا صيام عليه لم يُصَم عنه، وقد علمتَ مما سبق أن المريض إذا استمر به المرضُ لم يجب عليه الصوم أداء ولا قضاء في حال استمرار مرضه.

وأما الا”ثار فقد روى أبو داود[2]  عن ابن عباس رضي الله عنهما: “إذا مرض الرجل في رمضان ثم مات ولم يَصُم أطعم عنه ولم يكن عليه قضاء، وإن كان عليه نذر قضى عنه وليه”. وفيه عنعنة سفيان، وعلى تقدير سلامته فإن قوله: (ولم يَصُم) يدل على أنه كان يتمكن من الصوم، وإلا لم يكن في ذكره فائدة؛ لأن من أفطر لمرض قد عُلِم أنه لم يصم. هذا وفي نسخة: (ولم يصح) لكن ذكر صاحب بذل المجهود أنها غير صحيحة. وعلى هذا فيكون المراد من أثر ابن عباس هذا بيان الفرق بين صيام رمضان وصيام النذر، بأن الثاني يقضى عنه دون الأول.

وروى الترمذي[3] عن ابن عمر رضي الله عنهما مرفوعاً وقال: الصحيح عن ابن عمر موقوفاً قوله: «من مات وعليه صيام شهر فليطعم عنه مكان كل يوم مسكيناً». فيقال في قوله: «وعليه صيام شهر». ما قيل في حديث عائشة المرفوع، على أن في سند حديث ابن عمر هذا أشعث بن سوار، قال عنه في التقريب: ضعيف.

وأما أثر أبي هريرة رضي الله عنه في هذا فلم أجده في أبي داود والترمذي، ولعله عند البيهقي، وليس عندي سنن البيهقي.

وأما كلام أهل العلم فقال ابن قدامة في المغني[4]: “وجملة ذلك أن من مات وعليه صيام من رمضان لم يخل من حالين:

أحدهما: أن يموت قبل إمكان الصيام: إما لضيق الوقت، أو لعذر من مرض، أو سفر، أو عجز عن الصوم، فهذا لا شيء عليه في قول أكثر أهل العلم، وحكى عن طاوس وقتادة أنهما قالا: يجب الإطعام عنه”، ثم ذكر علة ذلك وأبطلها ثم قال: “الحال الثاني: أن يموت بعد إمكان القضاء، فالواجب أن يطعم عنه لكل يوم مسكين. وهذا قول أكثر أهل العلم، روي ذلك عن عائشة وابن عباس”. وذكر من قال به ثم قال: “وقال أبو ثور: يُصام عنه، وهو قول الشافعي”، ثم استدل له بحديث عائشة الذي ذكرناه أولاً.

وقال في شرح المهذب[5]: “فرع في مذاهب العلماء فيمن مات وعليه صوم فاته بمرض، أو سفر، أو غيرهما من الأعذار، ولم يتمكن من قضائه حتى مات، ذكرنا أن مذهبنا لا شيء عليه، ولا يصام عنه، ولا يطعم عنه، بلا خلاف عندنا، وبه قال أبو حنيفة، ومالك، والجمهور، قال العبدري: وهو قول العلماء كافة إلا طاوساً وقتادة، فقالا: يجب أن يُطعَمَ عنه لكل يوم مسكين”، ثم ذكر علة ذلك وأبطلها، قال: “واحتج البيهقي وغيره من أصحابنا لمذهبنا بحديث أبي هريرة عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم» رواه البخاري ومسلم.

ثم ذكر حال من تمكن من قضائه وذكر الخلاف هل يُصَامُ عنه أو يُطْعَم، وقال: قال ابن عباس وابن عمر وعائشة ومالك وأبو حنيفة والثوري يطعم عنه، ولا يجوز الصيام عنه، وذكر عن ابن عباس أيضاً التفريق بين النذر وصيام رمضان فيصام عن الأول ويطعم عن الثاني.

وقال في الفروع[6]: “وإن أخر القضاء حتى مات فإن كان لعذر فلا شيء عليه”، نص عليه وفاقاً للأئمة الثلاثة لعدم الدليل.

وفي المنتهى وشرحه[7]: “ولا شيء عليه أي من أخر القضاء لعذر إن مات نصًّا، لأنه حق لله تعالى وجب بالشرع، مات قبل إمكان فعله، فسقط إلى غير بدل كالحج”. ونحو ذلك في الإقناع وشرحه ص 325 من الجزء المذكور.

وبهذا تبين أنه لا إشكال في المسألة، وأن الصوم لا يُقضى عمن استمر عذره حتى مات، وكذلك لا يُطعم عنه إلا أن يكون مريضاً مرضاً لا يرجى زواله فيكون حينئذ كالكبير الذي لا يستطيع الصوم، فيطعم عنه؛ لأن هذا وجب عليه الإطعام في حال حياته بدلاً عن الصيام.

وليس في النفس مما قرره أهل العلم في هذا شيء، وقد علمت مما كتبنا أنه يكاد يكون إجماعاً لولا ما روي عن طاوس وقتادة.


  • [1] – مجموع فتاوى ورسائل العثمين
  • [2] – ج1 ، ص65، ط: الحلبي
  • [3] – ص 142 ج 3 ط المصرية التي عليها شرح ابن العربي
  • [4] – ص 241 ج 3 ط دار المنار
  • [5] – ص 343 ج 6 نشر مكتبة الإرشاد
  • [6] – ص 39 ج 3 ط آل ثاني
  • [7] –  ص 581 ج 1 ط مقبل

المواد المنشورة في الموقع لا تعبّر بالضرورة عن رأي إسلام أون لاين

مقالات ذات صلة