فكر

قطر ومكافحة الاتجار بالتراث والممتلكات الثقافية

Feature image

تعتبر مسألة الإتجار غير المشروع بالمواد التراثية والممتلكات الثقافيّة جريمة يعاقب عليها القانون الدولي ، مثلها مثل مسألة الاتجار بالبشر والمخدرات وغيرها. ويتعين على جميع الدول في العالم مكافحتها من خلال توحيد جهود الأطراف الفاعلة وتعزيز التدابير الوقائيّة، في إطار تنفيذ اتفاقيّة اليونسكو لعام 1970 بشأن الوسائل التي تستخدم لحظر ومنع استيراد وتصدير ونقل ملكية الممتلكات الثقافيّة. ‫

ولا تكتفي الدول الموقعة على هذه الاتفاقية على تنفيذها فقط، بل تسعى لتوسيع عملها للمساعدة في تطوير السياسات الوطنية والتصدي لعمليات النهب والإتجار في حالات الطوارئ والنزاعات، ومتابعة تنفيذ القرارات التي يتخذها مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة بهذا الشأن. وعادة ما يتطرق الخبراء إلى مجموعة من القضايا من بينها التعاون والتعليم والأمن والأخلاقيات، ويتبادلون الخبرات في مجالات عملهم بشأن قضايا السرقة التي تتعرض لها المتاحف والمجموعات العامة والخاصة والمواقع الأثرية، فضلا عن بيع القطع المهربة والمشكوك بمصدرها في سوق الفن أو عبر شبكة الانترنت، بالإضافة إلى تحديد القطع المسروقة وضمان استرجاعها.

تهديد متواصل للتراث العربي الاسلامي

ويواجه التراث العربي الإسلامي تحديات تتفاقم تهديداتها من حين لآخر، وأخطرها الاحتلال والحروب المدمرة التي تتعرض لها عدد من البلدان الإسلامية، وفي مقدمتها ما الحرب في فلسطين، والتي توجهها خلفيات دينية عنصرية ومزاعم تاريخية باطلة، تنتهك القانونَ الدولي، وتضرب القيم الإنسانية النبيلة وتنتهك مبادئ القانون الدولي، التي منها حماية التراث الثقافي والحضاري الإنساني، وأيضا ما يحدث في سوريا وليبيا والعراق ومالي وماينمار وغيرها.

وأمام هذا الوضع، يدعو الخبراء إلى ضرورة أن يكون للأمة الإسلامية مبادرة هادفة، تحفظ تراثها وتحافظ على هويتها، وتعيد لشخصيتها الحضارية اعتبارها، فضلا عن مبادرات “الإيسيسكو”( منظمة العالم اﻹسلامي للتربية و العلوم و الثقافة)، إدراكا منها للمسؤولية الملقاة على عاتقها في إطار اختصاصاتها لتعزيز جهودها في هذا المجال، على غرار ما يتعلق بإنشاء “لجنة التراث الإسلامي”، التي تتولى الإشراف على معالجة قضايا التراث الثقافي الإسلامي، المادي وغير المادي، والتراث الطبيعي.

ومن أهم أدوار هذه اللجنة ومهماتها: المحافظة على المعالم والممتلكات والأعيان الثقافية في الدول الأعضاء العربية والإسلامية، ترميما وصيانة وحفظا، والمساعدة العاجلة لحماية المواقع الأثرية في زمن الكوارث الطبيعية والحروب، وتقديم الدعم القانوني والتقني لاسترجاع الممتلكات الثقافية المسروقة من دول العالم الإسلامي في المرحلة الاستعمارية، ومكافحة الاتجار غير المشروع في الممتلكات الثقافية، وحماية التراث الثقافي المادي وغير المادي والنهوض به، وتقديم الدعم الفني للدول الأعضاء من أجل تعزيز تشريعاتها وسياساتها الثقافية في مجال حماية التراث، ومن أجل جرد التراث الثقافي، من خلال تكثيف التدريب وبناء القدرات في مجال الصيانة والترميم والحفاظ على التراث الثقافي، واستخدام التقنيات الحديثة للجرد والتوثيق، ووضع قائمة للتراث الإسلامي، وإعداد تقارير عن وضعية التراث الإسلامي في مختلف بلدان العالم الإسلامي، لحمايته من الأخطار التي تتهدده، ودعم الدول الأعضاء من أجل تسجيل مواقعها الأثرية على قائمة التراث العالمي، والتنسيق بين الدول الأعضاء في اجتماعات اللجان الحكومية واللجان التقنية التابعة لليونسكو ولجنة التراث العالمي، لتوحيد المواقف بشأن التراث الثقافي الإسلامي والتأثير في قراراتها بشأنه.

قطر تقود العملية في المنطقة

وضمن هذا الإطار، تقود قطر حاليا الحوار حول مكافحة الاتجار غير الشرعي بالمواد التراثية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. حيث نظمت مكتبة قطر الوطنية هذا الأسبوع ندوة إلكترونية شارك فيها عدد من الخبراء في العالم لمناقشة الجهود المبذولة لمكافحة التهريب والاتجار غير الشرعي بالمخطوطات والمواد التراثية من الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وذلك في إطار دورها كمركز الاتحاد الدولي لجمعيات ومؤسسات المكتبات الإقليمي لصيانة مواد المكتبات والمحافظة عليها في الدول العربية ومنطقة الشرق الأوسط.

وشارك في هذه الندوة الدكتورة حمدة السليطي، الأمين العام للجنة الوطنية القطرية للتربية والثقافة والعلوم، وستيفان إيبيغ، مدير مركز الإفلا الإقليمي لصيانة مواد المكتبات والمحافظة عليها في مكتبة قطر الوطنية. وقال إيپيغ أن “التراث الوثائقي بصفة خاصة مُهدّد بأخطار الاتجار غير الشرعي والتهريب، إذ لا توجد تشريعات وطنية كافية تكفل له الحماية المماثلة على غرار المواد الأثرية الأخرى، وهو أسهل في النقل والتهريب غير القانوني. وعلى مدار سنوات عديدة، شهدت المكتبات والمراكز الأرشيفية طفرة في معدلات تهريب المخطوطات والمواد التراثية والاتجار غير الشرعي بها. وقد تفشت هذه الظاهرة في العالم العربي ومنطقة الشرق الأوسط بصفة خاصة نظرًا لعدد الدول التي تعاني الفاقة والصراعات والاضطرابات السياسية”.

وكان إيبيغ شارك في الاجتماع السنوي لمنظمة الجمارك العالمية في العاصمة البلجيكية، بروكسل، حيث عرض أنشطة مركز الإفلا الإقليمي بالمكتبة وجهوده في مكافحة تهريب المخطوطات والكتب والمواد الأرشيفية في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.

وقالت الدكتورة رجاء بن سلامة، المدير العام للمكتبة الوطنية التونسية ان المكتبات “تضطلع بدور حيوي ومهم للغاية في الحفاظ على التراث الوثائقي والكنوز المنسية وترميمها. وتنهض المكتبات بهذا الدور بفضل قدرتها الفريدة على الانخراط في شبكات تعاونية تضم الجهات والمؤسسات المعنية وتعزيز الوعي بالقيمة الثقافية الفريدة التي لا تقدر بثمن للمواد التراثية القديمة، ثم إتاحتها للجميع من خلال الرقمنة والنشر، وصون القطع الأصلية والحفاظ عليها.”

وتهدف مكتبة قطر الوطنية في إطار دورها كمركز إقليمي لصيانة المواد التراثية والمحافظة عليها منذ عام 2015 إلى إنشاء شبكة مهنية لتقديم المساعدة في تبادل المعرفة والخبرات الناجحة التي تخدم جهود الحفاظ على التراث الوثائقي في جميع دول المنطقة.

كما تضطلع مكتبة قطر بمسؤولية الحفاظ على التراث الوطني لدولة قطر من خلال جمع التراث والتاريخ المكتوب الخاص بالدولة والمحافظة عليه وإتاحته للجميع. وتُوفر المكتبة فرصا متكافئة لجميع روادها للوصول إلى كافة المعلومات والخدمات التي توفرها، وتهدف إلى تمكين سكان دولة قطر من التأثير بشكل إيجابي في المجتمع عبر توفير بيئة استثنائية للتعلم والاكتشاف.

آلاف الجرائم والسرقات بحق التراث

وعلى الصعيد الدولي، فإن مسألة حماية التراث الثقافي تتم عن طريق تعزيز التعاون بين الأجهزة الدولية المختصىة وفي مقدمتها منظمة “الإنتربول”، حيث اجتمع السنة الماضية خبراء دوليون في مجال التجارة غير المشروعة بالممتلكات الثقافية لتعزيز التعاون بين الأجهزة على الصعيدين الوطني والدولي.

وفي ظل معاناة جميع المناطق من هذه الجريمة عبر الوطنية الخطيرة التي يشكلها الاتجار غير المشروع بالممتلكات الثقافية، حيث أنه ما من بلد في منأى عن سرقة الممتلكات الثقافية وتجارتها، التقى أكثر من 90 خبيرا وطنيا ودوليا من 23 بلدا في أوروبا والشرق الأوسط و الولايات المتحدة، وحضره ممثلون عن مجلس الاتحاد الأوروبي، ويوروبول، والمركز الدولي لدراسة صون الممتلكات الثقافية وترميمها، ومنظمة الأمن والتعاون في أوروبا، واليونسكو، وفريق التحقيق التابع للأمم المتحدة لتعزيز المساءلة عن الجرائم التي ارتكبها داعش (يونيتاد)، ومكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة، ومنظمة الجمارك العالمية وفريق الرصد التابع لمجلس الأمن الدولي.

وقد شدد الاجتماع على أهمية التصدي لنهب الممتلكات الثقافية المستمر في مناطق الأزمات، وبحث المشاركون انخراط جماعات مختلفة في نهب هذه الممتلكات وتهريبها. وقدم خبراء من دول عربية وإسلامية على غرار سوريا والعراق واليمن معلومات محدثة عن جرائم التراث الثقافي في بلدانهم.

وخلال الاجتماع الذي جرى بألمانيا، عرض ضباط من الإنتربول أحدث البيانات التي جمعتها وحدة الأعمال الفنية في المنظمة بشأن الجرائم المرتكبة في عام 2018. وأبلغ الإنتربول عن أكثر من 5008 جريمة، وسرقة حوالي 91000 من الممتلكات الثقافية، وضبط زهاء 223000 قطعة.

وتشكل قاعدة بيانات الإنتربول للأعمال الفنية المسروقة الأداة الأبرز للتصدي للاتجار بالملكية الثقافية. وتتضمن قاعدة البيانات هذه الأوصاف والصور لأكثر من 50 ألف غرض، وهي القاعدة الوحيدة على المستوى الدولي التي ترد فيها المعلومات الشرطية المثبتة عن الأغراض الفنية المسروقة والمفقودة.

من “أور” سيدنا إبراهيم إلى حدائق بابل

وفي العشرين سنة الأخيرة زاد حجم قضايا القطع الأثرية المصادرة من الجهات الأمنية في منطقة الشرق الأوسط، حيث تعرضت مواقع التراث الثقافي الستة المعتمدة في سوريا إلى الخطر بشكل كبير منذ عام 2016، مما يمثل خسارة فادحة لتراث وتاريخ المنطقة الطويل والغني. وتم تدمير مواقع أثرية في مدينة “تدمر” يزيد عمرها على ألفي عام، وترددت أنباء عن بيع قطع منها في السوق السوداء لصالح ضباط نافذين.

وتضررت مواقع أثرية قديمة ونُهبت مثل العاصمة الرومانية القديمة بصرى، والآشورية تل شيخ حمد (دور كاتليمو)، وإيبلا التي ازدهرت في منتصف الألفية الثالثة قبل الميلاد، ومواقع مملكة ماري من العصر البرونزي، وكنيسة دورا أوروبوس موطن أفضل كنيس في العالم القديم الذي تم الحفاظ عليه، ومجمع قلعة الحصن من القرون الوسطى، والمدن القديمة في شمال غرب سوريا بين حلب وإدلب. وخلال الحرب، كانت الآثار في مرمى الغارات التي تشنها طائرات سورية وروسية وهجمات تنظيم الدولة على حد سواء.

ويعد العراق من أكثر البلدان التي تعرضت آثارها للسرقة والتخريب والتدمير منذ الاحتلال الأميركي في التاسع من أبريل/نيسان 2003. حيث أدى فتح القوات الأميركية أبواب المتحف الوطني العراقي في بغداد يوم 9 أبريل/نيسان 2003، لتمكن لصوص من سرقة عشرات الآلاف من القطع الأثرية.

ويبلغ عدد المواقع الأثرية في العراق أكثر من 12 ألفا، تضم آثارا تعود إلى حقب زمنية مختلفة، وتضم هذه المواقع مدينة أور السومرية القديمة التي ارتبطت بالنبي إبراهيم عليه السلام، وتوجد فيها الزقورة وهي معابد الآلهة في الأساطير السومرية.

وتقع جنوب بغداد مدينة بابل التي تضم العديد من الآثار، وأشهرها شارع الموكب وأطلال الحدائق المعلقة والقصور، وبوابة عشتار المحفوظة في متحف برلين بألمانيا، وكذلك قصر نبوخذ نصر والمسرح البابلي وغيرها.

وفي 12 أغسطس/آب 2014، دمّر القصف الإسرائيلي المسجد العمري في جباليا الذي يعتبر من أقدم مساجد غزة وأكبرها، وكان هذا المسجد الذي يعود جزء منه إلى العصر المملوكي يتألف من ثلاثة طوابق وتزيد مساحته الكلية على ثلاثة آلاف متر مربع ويتسع لأكثر من ألفي مصل.

وشكل المسجد خلال الحقب السابقة مركزا تعليميا ومقرا لإقامة المناسبات الدينية، وسبق أن تعرض لأضرار في حرب 2008-2009 وتم ترميمه، إلا أن العدوان في 2014 دمره بشكل كامل، إلى جانب تدمير 73 مسجدا بشكل كلي و205 جزئيا، وتضرر كنيستين وهدم أسوار عشر مقابر.

تدمير التراث يتفاقم تحت الماء أيضا

وهكذا، وخلال العقدين الماضيين، تفاقم في عالمنا تدمير التراث الثقافي بسبب الصراعات المسلحة من جهة، وبسبب تزايد وتيرة الجرائم الثقافية من جهة أخرى، مع ما رافق ذلك من نهب منظم للأغراض الثقافية والاتجار غير المشروع بها وبيعها، وهي التي تشكل جزءا لا يتجزأ من تراث البلد وتاريخه وهويته.

والغريب في الأمر، أن هذه الجرائم التي ترتكب ضد التراث الثقافي، لا تطال القطع وحسب، فتدمير التراث يرتبط كذلك باضطهاد الآخرين أفرادا ومجتمعات لأسباب ثقافية. ويمكن لهذه الجرائم أن تشكل مسألة أمنية تتعلق بالاستقرار، بل وجريمة حرب أيضا. وهو ما يلمح له يورغن شتوك، الأمين العام للإنتربول عندما يقول :”لا يمكننا أن نرى في حماية التراث الثقافي في حالات الصراع الحديث مجرد قضية ثقافية، بل هي ضرورة أمنية “.

ومن التراث الثقافي أيضا ما هو مغمور تحت سطح الماء، والذي يشتمل على النصب التذكارية وحطام السفن والقطع الأثرية التي مرت على وجودها تحت سطح مئات السنين. حيث تواجه هذه المواقع يوميا عددا من التحديات الخطيرة، منها النهب والاتجار والصيد واستخراج الموارد الطبيعية. وتخضع المواقع الأثرية المغمورة بالماء لأنظمة متعددة تحددها القوانين الوطنية المختلفة اختلافا شديدا في جميع أنحاء العالم.

ويحدد الخبراء أي الأغراض هي الأكثر تعرّضاً للسرقة، ويؤكدون أن معظم سرقات التراث الفني والتراثي والثقافي تقع في المنازل الخاصة، بيد أن المتاحف ودور العبادة أهداف شائعة أيضا. كما يختلف نوع الأغراض المسروقة من بلد إلى آخر، لكن اللصوص يسعون عموما إلى سرقة اللوحات الفنية والمنحوتات والتماثيل والأغراض الدينية كثيرا. ولا تعرف هذه الجرائم أية استثناءات، فمن المسروقات مثلا التحف القديمة كالقطع الأثرية والكتب والأثاث والعملات المعدنية والأسلحة والذهب والفضيات.

المواد المنشورة في الموقع لا تعبّر بالضرورة عن رأي إسلام أون لاين

مقالات ذات صلة