رحمة للعالمين

من صور الاعتداء على الجناب المحمدي في الأندلس

في غمرة التظافر والتآزر الذي نشهده من بعض الموتورين على صعود البديل الإسلامي في العالم الغربي، ومحاولاتهم صدّه بشتى السبل وأنواع المكر، وصنوف الكذب والتضليل، نشهد المجاهرة بالبغضاء الشنيعة بالتعرض للجناب المحمدي.

من المعلوم أنهم يرمون بهذه الأفعال البشعة تلبيد السماء التي يستظل بها الجميع حتى تمُطر حمُمها على المسلمين المسالمين في أوروبا، والذين أتبثوا على مر الأيام أنهم مواطنون صالحون مفلحون في مدّ غيرهم بالنبل والعمل والإتقان، والغاية الخفية لهؤلاء الموتورين من العلمانيين أو المتدينين وقف الأسلمة  الصاعدة، بوضع السدود أمامها وتأخيرها إلى حين.

ولفهم الخلفيات والأغوار النفسية البعيدة  لمثل هذه الأفعال، فإنه يحسن بنا استعادة التاريخ، فالتاريخ درس قائم قاهر بسننه ونتائجه، في استعادة أخبار فعل  شنيع قريب من هذا الذي حصل في هذه الأيام، وكان ذلك بالأندلس، حيث كانت هناك حركة منظمة لاستهداف الرموز الإسلامية في رد فعل عنيف من متطرفي الكاثوليكية الذين هالتهم حركة الأسلمة والتعريب التي انخرط فيها الشباب الإسباني المنبهرين بالتقدم الحضاري الإسلامي، فكانوا يقلدون المسلمين في ألبستهم وقصات شعورهم،  بل ويقرضون الشعر بالعربية، ونتيجة لذلك كان بعض القسس والرهبان يدخلون المساجد وقاعات المحاكم ليسبوا النبي  عليه الصلاة والسلام علنا في نقض فادح لعقد الذمة القاضي باحترام رموز المسلمين، مما جعل القضاة يوقعون بهم الحكم المعروف من قتل منتقص الجناب المحمدي مسلما كان أو ذميا، وهو ما جرت به الفتوى المالكية في الغرب الإسلامي.

يؤكد المستشرقون أن التحول إلى الإسلام من قبل السكان الأصلاء كان كبيرا حتى أن مدنا خلت من النصارى، وهي مسألة حيرت الباحثين حيث يقول أحدهم:” لقد كان اعتناق أغلب سكان الأندلس الإسلام خلال فترة تربو على ثلاثة قرون إحدى أكثر المسائل إثارة للاهتمام لدى دارسي التاريخ الأندلسي، فإسبانيا كانت بلادا مسيحية عند الفتح الإسلامي، غير أنه بحلول القرن الخامس الهجري أصبحت بلادا إسلامية بأغلبيته الساحقة، ولا تذكر المراجع المتوفرة عنه المسيحيين إلا بشكل مبعثر.” (1)

أُطلق على هؤلاء المهتدين اسم المستعربين أو المسالمة أو المولدين والذين بلغوا شأوا بعيدا في الحياة الاجتماعية والسياسية، وقد أخذوا قيم الحضارة العربية وأسهموا فيها علما وأدبيا حتى أن التباهي فيهم كان بإتقان الآداب العربية والتنافس في الملابس الإسلامية، مما جعل اللغة الرومانية القديمة تضمحل أمام العربية (2)، وهذا ما جعل غلاة الكنيسة في إسبانيا ومن وراء ظهرهم فرنسا، ومن خلفهم الفاتيكان يتميزون غيظا لهذا الانقلاب لصالح المسلمين، والذي جعل الأندلس أغنى بلد في أوروبا (3).

يقدم لنا أحد المتعصبين النصارى صورة عن الانبهار الحضاري للمسيحيين بالحياة الإسلامية أيام الخليفة عبد الرحمن الناصر الأموي بقوله:” أليس صحيحا أن الشباب النصارى، الأطهار والفصحاء المتميزين كل التميز بأدبهم وطريقة مشيهم والمتربين تربية دنيوية قد باتوا اليوم شديدي الحماسة للغة العربية، وتهافتوا على كتب العرب، يقرأونها بنهم مستجد، ويتجادلون فيها بحرارة قصوى، ويجمعونها بكل حرص ناشرين عقائدها بلغة ثرية ودقيقة، غير مقصرين في إطرائها في الوقت الذي جهلوا فيه المحاسن الكنيسة، وازدروا أنها الكنيسة المنسابة من السماء كازدرائهم بالأمور الرذيلة التافهة. هذا هو الشقاء بعينه: جهلت النصارى قانونها، ونسي اللاتين لغتهم حتى غدا من الصعب أن تجدوا واحدا بين ألف من النصارى يجيد كتابة رسالة قصيرة باللاتينية إلى أخيه، بينما تلقون حشودا لا عدّ لها من المتفننين في عرض أبهة البلاغة العربية إلى درجة أنهم راحوا يطرّزون رسائلهم الرقيقة بمقطوعات من الشعر البليغ بلباقة فاخرة”(4).

هذا النص يدل دلالة واضحة على أزمة الكنيسة مع أبنائها المستعربين أو المهتدين للإسلام، وتبعا لذلك فإن ردة الفعل كانت غريبة، وغرابتها متأتية من تشعّب مسالك الرد والطعن في الإسلام ونبيه محمد صلى الله عليه وسلم خاصة، حيث كان الرد استفزازيا فيما عرف بحركة الشهداء المسيحيين، وتسمى بحركة الانتحاريين الذين كانوا يقومون بسب النبي صلى الله عليه وسلم علنا أمام الأشهاد وفي دور القضاء لاستفزاز مشاعر المسلمين، وتحريك الفتن بين الساكنة الأندلسية، ومن باب تأجيج الحمية لدى بقايا النصارى في إسبانيا.

لم تكن هذه الحركة المناقضة لعقد الذمة القاضي باحترام مشاعر وشعائر المسلمين حركة عفوية، وإنما كانت بتحريض الكنائس القابعة خلف خطوط الاحتراب الإسلامي المسيحي في الشمال، وكانت ترديدا للنواح الذي يملأ جنبات وردهات الكنائس المهزومة أمام المساجد، وإعلانا عن إفلاس النصرانية أمام المد الإسلامي الكاسح.

سجل المؤرخون حوادث عديدة لحركة الانتحاريين، حيث عمد “ألفارو القرطبي وصديقه أيولوخيو إلى الدفع بحركة التهجم على النبي (صلى الله عليه وسلم) أمام القضاء القرطبي سنة (854م)، ومن ذلك ما سُجل ضد أحد الرهبان المسمى إسحق الذي دخل دار القضاء، وادعى أنه يريد أن يتعلم أحكام الإسلام منها، فلما شرح له القاضي المسلم ردّ عليه بعنف وشدة قائلا: “لقد كذب عليكم ذلك الشرير، الذي ملأ الخبث قلبه، وقاد كثيرين من الناس إلى التهلكة، وقضى عليهم بالتردي في نار جهنم يوم الدين، وقدم إليكم كأسا من النبيذ البارد ليُدخل المرض إلى نفوسكم بهذه الشعوذة الشيطانية التي احترفها فملكت عليه مشاعره، وسوف يكفر عن خطيئته بما يحل به من اللعنة الأبدية، ولم لا تخلّصون أنفسكم من أمثال هذه المخاطر بفضل ما وهبكم الله من مزية الفهم والإدراك، ولماذا لا تلتمسون النجاة الأبدية برفض هذه الوصمة التي تشوب عقائدكم الوبائية بالرجوع إلى إنجيل دين المسيح.”(5) .

  كانت هذه الحوادث الطاعنة في نبي الإسلام قد تكررت بضع مرات، وحكم القضاء بإهدار دم هؤلاء المنتقصين لمقام النبي (صلى الله عليه وسلم) ، والذين كانوا يريدون نيل الاستشهاد كما يدعون، وحاول بعض مسيحيي طليطلة الانتصار لحركة هؤلاء الموتورين، إلا أن السلطة سرعان ما أخمدت الثورة، إذ أرسل الخليفة الأموي من وأد هذه الانتفاضة المهددة لأمن الدولة، كما أن الكنيسة الرسمية أدانت الحركة لما عرفت وبال وعاقبة هذا الفعل المشؤوم، وكذلك كنيسة قرطبة، إذ كان هذا الفعل من باب التشكيك في الإسلام لا دعوة للتنصر(6)، وهو فعل مناقض لتسامح المسلمين الذين لم يسمع منهم النصارى أية أذية في حق المسيح وأمة البتول، فإن فاعل ذلك يعدّ من الكافرين.

لقد استغرب كثير من الباحثين دوافع الحركات الانتحارية لدى المسيحيين، ولكن الراجح أن هذا الفعل الطاعن في النبي (صلى الله عليه وسلم) – والذي سبق الرسوم الكاريكاتورية المعاصرة في الدانمارك  وفرنسا بقرون- إنما ينمّ عن أزمة ويأس الكنيسة من وقف تنامي الانتقال إلى الإسلام، حيث أن المدبّرين والمنتحرين كانوا غالبا من سكان الأديرة المنقطعة في الجبال عن التواصل مع الحواضر التي تموج بالتعايش والحوار والجدال بين المتساكنين تحت المظلة الإسلامية، كما أن ذلك الفعل الشنيع كان متساوقا مع تنامي القومية الشعوبية الإسبانية التي أغاضها الصرح القويم للحضارة العربية الإسلامية وهو ما يدل على الأزمة المتفاقمة أدبيا واجتماعيا من انتصار الإسلام على كل الأصعدة.

والمستفاد مما سبق أن القصة قديمة، وأن الفقه الإسلامي استجاب لتلك الأفعال الشنيعة بيد قانونية قوية حماية للدين وصونا للسلم الاجتماعي، وأنه مطالب اليوم بالاستجابة للتحدي القائم مستصحبا التفريق بين حالات القوة والضعف، ومفرقا بين الوضع القانوني في دار الإسلام وغيرها، وأن يعطي الحلول البديلة المناسبة الحافظة لميراث الأنبياء، وما أكثرها في الإعلام والقضاء والمنصات الدولية والمحاكم العدلية، وتفعيل ما أمكن من الوسائل السلمية، والعمل والتعبئة بالمتاح والمباح، والله متم نوره ولو كره الكافرون.

(1) ميكيل ذي إيباليزا: المستعربون أقلية مسيحية مهمة في الأندلس الإسلامية. ضمن أعمال الحضارة الإسلامية بالأندلس، تحرير سلمى خضراء الجيوسي، ط2، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، 1999، ج1ص248.

(2) زغريد هونكه: شمس الله تسطع على الغرب، (ترجمة فؤاد حسنين علي) الجزائر، مكتبة رحاب،1986، ص398.

(3) بشتاوي عادل: الأمة الأندلسية الشهيدة، ط1، بيروت، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2000، ص69.

(4) مارغريتا لوبيز غوميز: المستعربون نقلة الحضارة الإسلامية بالأندلس. ضمن أعمال الحضارة الإسلامية بالأندلس، ج 1 ص 273.

(5) توماس أرنولد: الدعوة إلى الإسلام، ط3، مصر، دار النهضة المصرية، 1971، ص165.

(6) أحمد شحلان: التراث العبري اليهودي في الغرب الإسلامي التسامح الحق، المغرب، منشورات وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، 2006، ص24.

المواد المنشورة في الموقع لا تعبّر بالضرورة عن رأي إسلام أون لاين

مقالات ذات صلة