رحمة للعالمين

لماذا الدفاع عن النبي صلى االله عليه وسلم؟

Feature image

طرح مثل هذا السؤال على الشخص المسلم قد لا يتجه ألبته، وذلك أن السؤال كهذا من البدهيات لدى كل مسلم بل من صميم الإيمان، فإنه لن يكتمل إيمان المسلم بدون تعظيم الرسول صلى االله عليه وسلم وتوقيره والذب عنه بكل ما يملك حتى نفسه الذي بين جنبيه.

وقال عز وجل آمرا: {لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ} [الفتح: 9] “فأبان أن حق رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمته أن يكون معززا موقرا مهيبا”[1]

 بيد أن الإجابة عن هذا السؤال من باب التذكير وتنبيه الغـافلين المنهمكـين في همـوم الحيـاة الدنيويـة في وقت تفنن فيه الكفار في العدوان على مقام رسـول الله صـلى االله عليـه وسـلم بـشتى الطرق صـراحا وتلميحـا، وأصـبح مطلبـا ضـروريا متحتمـا علـى كـل مـسلم في أيـة بقعـة وجـد أن يـدافع عـن عـرض النـبي صـلى الله عليـه وسـلم وينـصر سـنته مـا اسـتطاع إليـه سـبيلا، ولـيس هذا الأمـر مـن النوافـل أو مـن هـوامش الاهتمامـات؛ وإنمـا هـو إيمـان وتوحيـد وطاعـة، ولـذا نقـول – تذكيرا وتنبيها في الجواب المختصر- ندافع عن نبينا وحبيبنا صلوات االله وسلامه عليه لأسباب:

١- النبي صلى الله عليه وسلم منـاط الاتبـاع وسـبيل نجاة الـدنيا والآخـرة، فـلا هـدى إلا فيمـا جاء به، فلن يبقى في الحياة من لذة يتلذذ بها مسلم إذا نيل من هذا المناط، وهو لا يذاد عن حياضـه ولا يتحـرك سـكونه، أو لـيس هـذا خلـلا حقيقـيا في العقيـدة الإيمانيـة؟ ولـذا أدب النـبي صـلى االله عليـه وسـلم أصــحابه- والأمـة تابعـة لهـم- ألا يقــدموا أي شـيء مـن حطـام الــدنيا عليـه، حينمـا قـال لـه عمـر – والنبي صـلّى اللّـه عليـه وسـلّم آخـذ بيـده – : يـا رسـول الله! لأنـت أحـب إلي مـن كـل شـيء إلا مـن نفـسي، فقـال النـبي صـلى االله عليـه وسـلم: ” لا والـذي نفـسي بيده حتى أكون أحب إليك من نفسك ” فقال له عمـر رضـي الله عنـه: فإنـه الآن والله لأنـت أحب إلي من نفسي، فقال النبي صلى االله عليه وسلم:” الآن يا عمر” [2].

قال الخطابي: ” فمعناه أن تصدق في حبي حتى تفنى نفسك في طاعتي، وتؤثر رضاي على هواك، وإن كان فيه هلاكك “.[3]

 وكما أخبر النبي صلى االله عيه وسـلم أن حقيقـة حـلاوة الإيمـان في محبـة الله تعـالى ومحبتـه صـلى الله عليـه وسـلم فقـال:” ثـلاث مـن كـن فيـه وجـد حـلاوة الإيمـان: أن يكـون الله ورسـوله أحـب  إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار” “[4]. فهذه الخصال الثلاثة كما ترى تتعلق بالقلب والروح، وبها يصلح القلب ويتقوى ومن ثم صلاح الجسد فتستقيم الحياة الطيبة.

٢-  لأن الـدفاع عنـه صـلى االله عليـه وسـلم عنـوان محبتـه الاختياريـة الـشرطية لكمـال الإيمـان، ولـذا يقـول صـلى االله عليـه وسـلم “لايـؤمن أحـدكم حــتى أكـون أحـب إليـه مـن ولـده ووالـده والنـاس أجمعـين[5]”  فالـدفاع عنـه صـلى االله عليـه وسـلم أعظـم مـن الـدفاع عـن الـنفس والنـسل والمـال والعـرض، ومقـدم علـى تلـك الـضروريات، وإنـه مـستقر لـدى العقـلاء جميعا أن صيانة دعامـة شـيء مـن التعـرض للتلـف والحرص على ذلك أولى مـن بقيـة مكوناتـه، وكيـف يكـون الأمر إذا كانت الدعامة من دعائم الإيمان والإسـلام؟ وعليـه فالـدفاع عـن النـبي صـلى االله عليـه وسلم أصل عظيم من أصول الدين، وعبادة وقربة عظيمة جليلة نتقرب إلى االله عز وجل.

يقول تعالى محذرا: {قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} [التوبة: 24]

فهذه الآية الكريمة تنبه بأن إيثار هذه الأمور على الدفاع عن الله ورسوله قد يؤدى إلى نزول العقوبة والعذاب.

3- لأنـه صـلى االله عليـه وسـلم كـان رؤوفـا رحيمـا رفيقـا وشـفيقا علـى الأمـة، وهـو القائـل عليـه الصلاة والـسلام – موضـحا لمبالغـة شـفقته علـى أمتـه -:” مثلـي كمثـل رجـل اسـتوقد نـارا فلمـا أضاءت ما حولها جعل الفراش وهذه الدواب التي في النار يقعـن فيهـا وجعـل يحجـزهن ويغلبنـه فيـتقحمن فيهـا قـال فـذلكم مثلـي ومـثلكم أنـا آخـذ بحجـزكم عـن النـار هلـم عـن النـار فتغلبـوني تقحمـون فيـه” [6].

ولقـد فـزع أهـل المدينـة عنـدما سمعـوا الـصوت المـدوي في غلـس الـصباح الباكر وخرجــوا منــزعجين خائفين، فرأوه صــلى الله عليــه وســلم عائدا مــن مكــان الــصوت علــى فــرس عــرى وسيفه في رقبته، وهو يقول لهم: “لن تراعوا”[7].

وكـان يقـول:” لـولا أن أشـق علـى أمـتي ..”[8] وكثير ما يرد مثل هذا الشعور والشفقة منه في القول والعمل، ولقـد أوذي عليـه الـصلاة والـسلام وحوصر وضيق عليـه أشـد التـضييق مـن أجـل أن يبلـغ الـدين الحنيـف، بـل ضـحى بكـل مـا يملـك علـى هـذا السبيل كي يخرج الناس من الظلمات إلى النور، وينقـذهم مـن الجاهليـة العميـاء إلى نـور الهدايـة الإلـهية، ولذا كان الدفاع عنه صلى االله عليه وسلم من باب المكافأة والوفاء- وإن لم نستطيع وصــوله- في مقابــل مــا صــنع للأمــة وما قــام بــه صــلى الله عليــه وســلم مــن الخــدمات الجليلــة، وأعظمها تحرير عقول البشر من عبادة المخلوق إلى عبادة الخالق وحده، فإنه لشرف عظيم وهنيئا مريئاً لمن نذر حياته في الدفاع عن حرمة النبي صلى الله عليه وسـلم وسـنته وكل ما يتصل به.

{إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللهُ} [التوبة: 40]


[1] شعب الإيمان 3/96
[2] رواه البخاري (6632)
[3] المنهاج في شرح صحيح مسلم للنووي 2/15
[4] متفق عليه
[5] متفق عليه
[6] متفق عليه
[7] رواه البخاري (6033)
[8] متفق عليه

المواد المنشورة في الموقع لا تعبّر بالضرورة عن رأي إسلام أون لاين

مقالات ذات صلة