شريعة

كتاب “تأويل مختلف الحديث”

Feature image

يعد أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة من النجوم التي علت أفق العالم الإسلامي في القرن الثالث الهجري علما وعملا وقدوة، سلك مسلك الإمام أحمد وابن الرهوية في الأخذ بالحديث على طريقة السلف، وله بصمات مباركة تذكر وتشكر في الدفاع عن القرآن الكريم والسنة النبوية، وكانت مؤلفاته شاهدة على إمامته في العربية واللغة والأخبار وأيام الناس وعلى مساهمته مميزة في الفقه والتفسير رحمه الله تعالى

إن المقصود في تعريف مختلف الحديث أنه يطلق على وجود التعارض الظاهري بين حديثين فأكثر، ولكن لم يتفق هذا التعريف مع واقع الكتاب، وإنما جاء وفق معنى مشكل الحديث، ذلك أن حقيقة مشكل الحديث أن يستوعب التعارض الظاهري بين الحديث المقبول ودليل آخر كآية قرآنية أو إجماع أو قياس وغيرها، والكتاب “تأويل مختلف الحديث” جاء على هذا النمط.

تأسست فكرة الكتاب على ثلاثة أهداف رئيسة:

 1- خط الدفاع عن السنة النبوية

 2- التنويه بمكانة أصحاب الحديث

 3- دحض الإدعاءات المروجة حول الحديث النبوي بالتناقض والاختلاف.

النظرة العامة عن الكتاب

ومتأمل الكتاب يجده على مراحل ثلاث:

المرحلة الأولى: هي أشبه ما تكون بمشكلة البحث وتوصيفها، فإن المؤلف مهد للكتاب بمقدمة ضافية محكمة، أشار فيها إلى مطاعن أصحاب الكلام المناهضين لأهل الحديث، وإسهابهم في الكتب بذمهم ورميهم بحمل الكذب ورواية المتناقض حتى وقع الاختلاف وكثرت النحل، ثم أردف ذلك بملحة عن بعض الفرق الإسلامية ومخالفيهم وما تعلقوا بها من الأحاديث لنصرة مذاهبهم، وذكر أن خصوم أصحاب الحديث بلغوا من الحط الشديد عليهم حتى نسبوهم إلى الافتراء على الله تعالى في رواية أحاديث التشبيه، ورواية كل سخافة تبعث على الإسلام الطاعنين، كما أنهم اتهموا المحدثين بالانسياق وراء التقليد الأعمى في الجرح والتوثيق مع كل البعد عن فقه الحديث، بل تجاسروا وشنوا هجوما عنيفا على بعض الصحابة كأبي هريرة وأبي بكر وعمر وعثمان وعلي وغيرهم، ثم فند المؤلف مزاعم أصحاب الكلام تفنيدا منهجيا منطقيا، وزيف دعاواهم وآراءهم رأيا رأيا، وأظهر من خلال ذلك خبث مذاهبهم وأباطل فرقهم المتشعبة، ثم ذكر المؤلف أحوال أصحاب الرأي وعدم انضباط مذهبهم في الحديث.

المرحلة الثانية: في الانتصار للمحدثين ومنهجهم، والكتاب في عمومه مرجع مهم في توضيح مكانة أهل الحديث، وجميل مسلكهم في الاعتقاد والعبادة والأخلاق والمعاملة والعلم والتماس الحق من وجهته ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا، ولذا نبه المؤلف في بعض مواضع الكتاب على خطورة مجانبة طريقة أصحاب الحديث قائلا: ” ولو أردنا -رحمك الله- أن ننتقل عن أصحاب الحديث ونرغب عنهم، إلى أصحاب الكلام ونرغب فيهم، لخرجنا من اجتماع إلى تشتت، وعن نظام إلى تفرق، وعن أنس إلى وحشة، وعن اتفاق إلى اختلاف”[1]

المرحلة الثالثة: في الجواب عن الأحاديث التي ادعوا عليها التناقض، وهذا هو المقصد الأساسي لتأليف الكتاب، يقول المؤلف: “ونحن لم نرد في هذا الكتاب أن نَرُدَّ على الزنادقة والمكذبين بآيات الله عز وجل ورسله، وإنما كان غرضنا: الرد على من ادَّعى على الحديث التناقض والاختلاف، واستحالة المعنى من المنتسبين إلى المسلمين”[2]

وهذه الأحاديث المنتقدة تناهز ثلاث مائة حديثا، وهي على ضربين: أحدهما – وهو الأكثر – شامل للأحاديث التى ادعي عليها التناقض والتعارض، والآخر مشتمل على الأحاديث التى زعموا فيها المخالفة للكتاب والنظر وحجة العقل والإجماع والقياس.

وغالب هذه الأحاديث داخلة في القضايا العقدية ثم الفقهية ثم المسائل المتفرقة، وإن الخصوم نسجوا حولها الإدعاءت ذريعة لزعزعة السنة النبوية في النفوس، إلا أن المؤلف ناقش تلك الدعاوى مناقشة راقية، وناظر أصحابها مناظرة علمية مدققا ببيان فساد مزاعمهم بما يزيل كل توهم وتخيل باطل حول الأحاديث.

منهج الكتاب

خلاصة منهج المؤلف في الكتاب: هو أن يستهل نقده بعرض شبهات المخالفين وبيان حججهم بالوضوح والأمانة، ثم يقوم بالرد عليها إما عن طريق الجمع أو احتمال النسخ أو الكشف عن الخطأ في الرواية، وقد استمد منهج رده من النقل والعقل في دحض المطاعن والمثالب، حيث استند إلى الشواهد القرآنية والحديثية في الكشف عن زيغ المناهضين للحديث ورواته، وكما أنه أبطل شبههم بشواهد من اللغة والشعر والأدب والنظر والتجربة ونحوها، بل ينقل أحيانا من التوراة والإنجيل لاعتضاد الحجج.  

 من أمثلة أحاديث الكتاب :

  • الاعتراض: تفضيل النبي صلى الله عليه وسلم

 قالوا: حديثان متناقضان، حديث “لا تفضلوني على يونس بن متى، ولا تخايروا بين الأنبياء” وحديث: “أنا سيد ولد آدم، ولا فخر، وأنا أول من تنشق عنه الأرض، ولا فخر” قالوا: وهذا، اختلاف وتناقض.

  • الجواب على الاعتراض : قال ابن قتيبة: إنه ليس ههنا اختلاف ولا تناقض.

وإنما أراد أنه سيد ولد آدم يوم القيامة، لأنه الشافع يومئذ، والشهيد، وله لواء الحمد والحوض… وأراد بقوله: “لا تفضلوني على يونس” طريق التواضع…الخ[3]

  • الاعتراض: قالوا حديث يكذبه القرآن وحجة العقل- رؤية الرب تبارك وتعالى

قالوا: رويتم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” ترون ربكم يوم القيامة كما ترون القمر ليلة البدر، لا تضامون في رؤيته”

والله تعالى يقول: {لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار}  ويقول: {ليس كمثله شيء}.

قالوا: وليس يجوز في حجة العقل، أن يكون الخالق يشبه المخلوق، في شيء من الصفات، وقد قال موسى عليه السلام: {رب أرني أنظر إليك قال لن تراني} …الخ

  • الجواب على الاعتراض : قال ابن قتيبة: إن هذا الحديث صحيح، لا يجوز على مثله الكذب، لتتابع الروايات عن الثقات به، من وجوه كثيرة، ولو كان يجوز أن يكون مثله كذبا، جاز أن يكون كل ما نحن عليه من أمور ديننا … التي وصل إلينا علمها بالخبر، ولم يأت لها بيان في الكتاب -باطلا.

وأما قوله تعالى: {لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار} وقول موسى عليه السلام: “رب أرني أنظر إليك قال لن تراني” فليس ناقضا لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ترون ربكم يوم القيامة” لأنه أراد -جل وعز- بقوله: “لا تدركه الأبصار” في الدنيا. وقال لموسى عليه السلام: “لن تراني” يريد: في الدنيا، لأنه -جل وعز- احتجب عن جميع خلقه في الدنيا، ويتجلى لهم يوم الحساب، ويوم الجزاء والقصاص، فيراه المؤمنون كما يرون القمر في ليلة البدر ولا يختلفون فيه، كما لا يختلفون في القمر.

ولم يقع التشبيه بها على كل حالات القمر، في التدوير، والمسير والحدود، وغير ذلك.

وإنما وقع التشبيه بها، على أنا ننظر إليه -عز وجل- كما ننظر إلى القمر ليلة البدر لا يختلف في ذلك، كما لا يختلف في القمر.”[4]

ثم استشهد المؤلف بكلام العرب وبالمثل والشعر والنظر والإنجيل ليظهر تهافت توهم القوم حول الحديث.

أهمية الكتاب

كتاب تأويل الحديث من بواكير كتب النقد عند المسلمين، إذ هو ثانى كتاب وصلنا في هذا الصدد -بعد كتاب اختلاف الحديث للشافعي-، فالكتاب جدير بأن يطلع عليه كل من يريد أن يتزود بعلم النقد العلمي الدقيق في الدفاع عن حياض السنة وعن الإسلام بصفة عامة، لأنه مليئ بالمعاني والأفكار وتنوع الأدلة النقلية والعقلية والثقافة العلمية الفذة قلما أن يظفر بمثلها، كما أنه أماط اللثام عن حقائق بعض الفرق الإسلامية وتناول دراسة الأحاديث ذات الصلة بالمسائل العقدية والفقهية والتاريخية وغيرها لتزيف ما نسجوا حولها من الدعاوى والأوهام. 

ما يلاحظ على الكتاب

مما تقرر في علم الحديث أن مختلف الحديث أو مشكله يقع في دائرة الأحاديث المقبولة فقط، وأنه لا عبرة بمعارضة الضعيف للمقبول إلا أن المؤلف خالف هذا الشرط في بعض المواضع بإيراده للضعيف بجانب المقبول في معرض دعوى التعارض بينهما مع محاولة الإجابة عنه، ولعل ذلك يرجع إلى قدر نظره في علم الحديث، ولذا انتقده المحدثون.

وقال ابن كثير: “ابن قتيبة له فيه – أي مختلف الحديث – مجلد مفيد، وفيه ما هو غثٌّ، وذلك بحسب ما عنده من العلم”[5]

وكذا يلاحظ أن الكتاب لم يكن مرتبا ترتيبا موضوعيا المعتاد، بل مسائلها متداخلة غير متلاحقة ويحتاج إلى التنسيق بين عناصره.

وعلى كل حال فإن الكتاب يبقى كالسلاح في وجه المناهضين للحديث النبوي.


[1] تأويل مختلف الحديث ص:64
[2] المصدر السابق ص:195
[3] ينظر: المصدر السابق ص: 182 – 183
[4] ينظر: المصدر السابق 297-298
[5] ينظر: اختصار علوم الحديث ص: 174

المواد المنشورة في الموقع لا تعبّر بالضرورة عن رأي إسلام أون لاين

مقالات ذات صلة