عادة ما يشكل الرد على أسئلة الأبناء (الصغار) مشكلة كبيرة لدى الآباء والأمهات، خاصة عندما تتعلق الأسئلة بأمور معقدة، ويصعب إيصالها للأبناء. فدائما ما يسألون مثلا عن ذات الله وكيف خلقنا؟ ولماذا؟ وأين يسكن الله؟وماذا يعني الإنسان؟ وماذا بعد الجنة والنار؟ فكيف نرد عليهم ردا يشفي حيرتهم؟

الحقيقة أن مسألة الرد على أسئلة الأبناء تفتح بابا تربويا وقضية مهمة حول دور الأسئلة في البناء النفسي والتربوي والاجتماعي في حياة الأبناء.

لذا علينا أن نضع هذه الاعتبارات في أذهاننا عند تعاملنا مع أسئلة أحبابنا:

1- أبرز الاحتياجات النفسية للأبناء؛ والتي تحتاج لمن يشبعها سواء في البيت أو في المدرسة: ويعتبر أهمها حب المعرفة وإجابة كل أسئلتهم.
ثم (الحب – تقدير واحترام الذات – اللعب والترويح – الأمان والاستقرار – الدعم الإيجابي – الانتماء الأسري والاجتماعي – الحرية – التوجيه وبيان الخطأ من الصواب).

2- اهتمام المربين بدور الأسئلة: لقد أدرك عكرمة تلميذ ابن عباس رضي الله عنهم أهمية الأسئلة فحرك تلاميذه ليستثيرهم: (ما لكم لا تسألونني… أأفلستم؟؟؟).

الأسئلة هي مصدر التطور؛ لهذا يقول أينشتاين: “إن أهم شيء هو ألا تتوقف عن طرح الأسئلة”، وقال أنتوني روبنز رائد التنمية البشرية: (إن الأسئلة تمثل شعاع الليزر للوعي الإنساني؛ حاول توظيف قوة هذا الشعاع لتفتيت أية عقبات أو تحديات تواجهك).

3- القواعد الـ 9 الذهبية لفن التعامل مع أسئلة الأبناء والحوار معهم:

القواعد الذهبية لفن الرد على أسئلة الأبناء

القاعدة الأولى: أفَرغتَ أيها الحبيب؟
ونعني بها ممارسة مهارة الاستماع الجيد للأبناء، والصبر على تفريغ ما في جعبتهم؛ فتشعرهم باحترامك لرأيهم! ولنتذكر دوما رده صلى الله عليه وسلم؛ بعد أن انتهى عتبة بن ربيعة من عرض مداخلته الحوارية: “أفرغت يا أبا الوليد؟!”.

القاعدة الثانية: أتقن مهارات الاتصال
وكما يقول المثل الصيني: ما أسمعه أنساه، وما أراه أتذكره، وما أجربه أفهمه.
لذا كان من المهم أن تكون إجاباتنا قائمة على البساطة واليسر، وأن تزينها الرسوم التوضيحية التي تثبت المعلومة في الذهن، وأن نجيد مهارات الاتصال الفعال معهم؛ لنوصل لهم الإجابة والمعلومة بطريقة مقبولة ومحبوبة وراسخة.

القاعدة الثالثة: انزع الفتيل
لا تطلق صواريخ الغضب المباشرة حيال أسئلة ابنك خاصة المحرجة، وتعامل بهدوء ورويّة، فلا يكون الموجه لرد أفعالك؛ هو الغضب والانفعال، والتصرف بموجبه لا بموجب العدالة.

القاعدة الرابعة: أطفئ المرجل
لا تحاور ابنك وأنت متأثر من تصرف لحظي منه، بل استقبل ما يقوله حتى إن كنت تغتاظ منه بداخلك، فأطفئ المرجل من الغليان أو ارفع غطاءه حتى لا ينفجر.

القاعدة الخامسة: قل يا بُني ولا تحَقّرْ نفسكَ
أتح الفرصة لابنك، وشجعه على طرح الأسئلة وعلى إبداء رأيه، وازرع فيه الثقة؛ كي يكون جريئا في الحق واثقا بنفسه.
وتدبر ما جاء في هذا الموقف التربوي الراقي من عمر مع ابن عباس رضي الله عنهما؛ عندما قال عمر رضي الله عنه يوما لأصحاب النبي: فيم ترون هذه الآية نزلت؟ قالوا: الله أعلم، فغضب عمر فقال: قولوا نعلم أو لا نعلم، فقال ابن عباس: في نفسي منها شيء يا أمير المؤمنين. قال عمر: يا ابن أخي قل ولا تحقر نفسك.

القاعدة السادسة: كن المستشار المؤتمن
من المعروف أن الوالدين وبقية أفراد الأسرة هم أهم المصادر في تكوين وصياغة وبناء المخزون المعرفي، والرصيد القيمي في حياة الأبناء؛ لذا على المجيب أن يكون أمينا وصريحا وصحيحا في توصيل المعلومة، وفي الإجابة على السائل، وأن يحفظ سر من وثق به وسأله.

القاعدة السابعة: بسِّط إجاباتك ولا تفتنهم
علينا أن نقدم المعلومة الصحيحة الموثوقة؛ بشرط مهم وهو أن تكون بسيطة وواضحة، وأن تراعي العمر العقلي للأبناء، وأن تكون على مستوى تفكيرهم وتقبلهم، وقد تكون الإجابة ذات تأثير أخطر كما جاء في الحديث “ما أنت بمحدث قوما حديثا لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة”. [رواه مسلم].

القاعدة الثامنة: التزم بالضوابط الأخلاقية والشرعية
هناك ضوابط شرعية للخوض في طرح الأسئلة وإجاباتها، وأنه صلى الله عليه وسلم قد نبهنا أن طرح الأسئلة ليس له حدود إلا التفكر في الذات الإلهية، فأمرنا بالتفكر في خلق الله عز وجل وآياته، ولا نتفكر في ذات الله تعالى فنهلك: “تفكروا في آلاء الله، ولا تتفكروا في الله”، [معجم الطبراني عن ابن عمر رضي الله عنهما].

القاعدة التاسعة: فجر الروح الاستكشافية، وبث روح الاستقلالية
وحتى نجيب على أسئلة أبنائنا بمهارة؛ علينا أن نبث فيهم روح البحث واستكشاف الإجابات أو استكمالها باعتمادهم على ذاتهم، وبهذا نشجع فيهم الروح الاستكشافية.
ونحبب إلى نفوسهم قيمة الاستقلال الذاتي والإيجابي.

الخطوات الذكية لذلك هي:

  • أظهر الاحترام لأي جهد يبذله، لا تقل هذا سؤال بسيط أو هذا أمر هين؛ بل قل هذا سؤال جميل وذكي، ويمكننا الوصول لإجابته معا عن طريق:
  • لا تطرح أسئلة معاكسة كثيرة، فلا تقل: أين كنت؟ وماذا صنعت؟ ومع من تحدثت؟ من أين أتيت بهذا السؤال؟ بل قل: أراك محاورا جيدا و…
  • لا تتعجل الإجابة على أسئلته، فلا تبادر بإجابة ما يطرحونه على الفور؛ ولكن قل هذا سؤال هام، ماذا تظن أنت؟
  • شجعه على البحث عن مراجع ومصادر خارج بيته وخارج أسرته، وأرشده لبعض أماكن البحث سواء لدى أشخاص أو مكتبات.
  • ازرع الأمل والثقة في محاولاته، فقل مثلا أراك طامحا في إنجاز عملٍ جيد غير مسبوق وأنت له أهل، فسؤالك يفهمني ذلك.

وبالنسبة للأسئلة التي يطرحها الصغار مثلا فيمكن مثلا إخبارهم عند السؤال عن الجن: هم خلق من خلق الله، خلقهم من نار، وهم غير الملائكة الذين خلقهم الله من نور، كما خلقنا نحن من طين، وهم مثلنا فيهم المؤمن مثل الجن في سورة الجن، ومنهم الكافر.

وعندما طفل ما مثلا إنه يكره سورة الجن فيمكن أن نقول له: حبيبي إذا أرسل والدك أو جدك رسالة أو خطابا فهل يحق لك أن تهملها أو تكرهها؟! فما بالك بالقرآن الكريم رسالة ربنا سبحانه وتعالى الذي يحبنا ولا يرضى لنا أن ندخل النار، ولله المثل الأعلى؟ فهل يحق لنا أن نكره القرآن الكريم رسالته الحبيبة إلينا التي أرسلها لنا لينجينا من النار وليدخلنا الجنة إن التزمنا بها وأحببناها وطبقناها وحفظناها؟!

ولدي إن حب الرسالة هي عنوان حبنا لمن أرسلها، وقيمة الرسالة من قيمة من أرسلها، ويمكن أيضا أن نروي له من السورة قصة الجن الذين استمعوا للقرآن وكيف آمنوا بالرسول صلى الله عليه وسلم بطريقة مبسطة تحببه في السورة.

أما بالنسبة لسؤالهم عن معنى الله عز وجل فيمكن أن نخبرهم أنه هو خالق كل شيء، وليس كمثله شيء، وإذا سألوا عن ذات الله فنقول لهم: أصدقائي وأحبابي إذا كنا نحب الحبيب صلى الله عليه وسلم؛ فعلينا أن نطيع أوامره ومنها أنه أمرنا أن نتفكر في خلق الله وفي نعمه الكثيرة وفي أعمالنا في الدنيا وفي مصيرنا بعد الممات، ولا نتفكر في ذات الله حتى لا نهلك بأشياء فوق عقولنا ومستوى تفكيرنا، لأنه سبحانه وصف نفسه بأنه ليس كمثله شيء وهو السميع البصير.

أما عن معنى الإنسان؟ فهو أكرم وأعلى خلق الله، خلقه من طين وصوره فأحسن صوره، وفضله على كثير من خلقه، وسخر له الكون، ورزقه من الطيبات وابتلاه بالخير والشر لعله ينجح في اختبار الحياة الدنيا؛ فيطيعه سبحانه ويتعبده؛ فيشكر الله على نعمه، ويصبر على ابتلاءاته وهمومه الدنيوية، ويستغفر من ذنوبه، فإذا مات حاسبه على عمله بالدنيا فإن كان مؤمنا صالحا أدخله الجنة، وإن كان عاصيا كافرا أدخله النار، واستعيني في ذلك بقصة سيدنا آدم عليه السلام.

أما عن الجنة والنار وما بعدهما، فالجنة هي دار الصالحين والمؤمنين وفيها كل ما يشتهيه الإنسان، أما النار فهي دار العصاة والمذنبين، وارويِ لهم وصف الجنة والنار الذي ذكر في القرآن الكريم في مواضع عديدة.

ولنقول لهم إن الجنة والنار هما المحطة الأخيرة لخلق الله جميعا، فإذا دخل الجنة المؤمنون الموحدون المطيعون لله سبحانه في الحياة الدنيا، وإذا دخل النار الكافرون العصاة لله عز وجل في حياتهم الدنيا، واستقر كل فريق في مكانه الأخير الخالد الذي يستحقه، كان هذا هو مصيرهم الأخير والخالد بمشيئة وقدرة ورحمة الحق سبحانه خالق الجنة والنار.ولا يبقى سوى وجه ربك ذي الجلال والإكرام، نسأله حسن الخاتمة والخلود في جنته.