أمثال القرآن في بيان توحيد الرحمن

نسخ من القرآن على المكتب

أنزل الله تعالى القرآن من اللوح المحفوظ إلى روح محمد ﷺ بلسان عربي مبين، واحتل القرآن مكانة مرموقة بين سائر الكتب بفضل اختياره العبارات الجزلة والألفاظ الأخاذة، حتى عجز معاندو القرآن عن الإتيان بمثله في حلاوة ألفاظه وطلاوة تعبيره منذ نزول الوحي، رغم أنه ليس من كتب الأدب ولا ديوان أبيات البرايا ولكنه آيات إلهية ومعجزة عظيمة للنبي. والقرآن منبع أصلي يرشد الإنسان إلى صراط مستقيم في ضوء الآيات النيرة، واتخذ الله أساليب مختلفة لبيان رسالته العظيمة، ومنها الإتيان بالأمثال الجذابة يعتبر منها أولو الألباب ويتحرر العقل بها من غوائل الجهل وينساق إلى معاقل العلم، وهو ما يشير إليه قوله تعالى: (وَلَقَدۡ ضَرَبۡنَا لِلنَّاسِ فِی هَـٰذَا ٱلۡقُرۡءَانِ مِن كُلِّ مَثَلࣲ لَّعَلَّهُمۡ یَتَذَكَّرُونَ){سورة الزمر-27}، وقال في آية أخرى: (وَتِلۡكَ ٱلۡأَمۡثَـٰلُ نَضۡرِبُهَا لِلنَّاسِۖ وَمَا یَعۡقِلُهَاۤ إِلَّا ٱلۡعَـٰلِمُونَ){سورة العنكبوت-43}.

أحصى العلامة ابن القيم جميع الأمثال التي جاء بها القرآن وعدها ثلاثة وأربعين، أما كلمة المثل فتحمل على معان عديدة أهمها ثلاثة:

الأول: كما عرفه الراغب،”يطلق لفظ المثل على وصف الشيء: (لَیۡسَ كَمِثۡلِهِۦ شَیۡءࣱ) {سورة الشورى: 11} أي ليس كصفته صفة.

والثاني: استخدم في معنى النظير

والثالث: عبارة عن قول في شيء يشبه قولا في شيء آخر، بينهما مشابهة ليبين أحدهما الآخر ويصوره”. وإن للمثل خصائص لا تجتمع في غيره كتوضيح المعاني الخفية وبيان الغيوب، وقد ذهب الزمخشرى إلى أن “التمثيل إنما يصار إليه لكشف المعانى، وإدناء المتوهم من الشاهد” وقال السيوطى: ’ومن ثم كان الغرض من المثل تشبيه الخفي بالجلي والغائب بالشاهد‘.

إن جذور الرسالة النبوية راسخة في توحيد الله تعالى، وقد أرسل الله الرسل من أجل دعوة الناس إلى وحدانيته وألوهيته، وكل من يخوض في الآيات القرآنية يجد تبيان التوحيد بضرب الأمثال المختلفة، ومن أعظمها قول الله تعالى: (مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) {سورة العنكبوت: 41}، دحض الله بكل شدة من يتخذ من دون الله إلها ومعبودا وشبّهه بالعنكبوت التي اتخذت بيتا، وكل من يمعن النظر إلى الآية السابقة يظهر له أسرارها اللغوية وحكمها البالغة.

أولها: أن المثل يشير إلى ضعف حالة المشركين، حيث قال الزمخشري: ’فإن كان المتمثل له عظيما كان المتمثل به مثله، وإن كان حقيرا كان المتمثل به كذلك‘، ولا يخفى على أحد أن بيت العنكبوت ضعيف هشٌّ، فهذا التشبيه يثبت ضعف الآلهة التي يعبدها المشركون. فسر صاحب الكشاف هذا التشبيه حيث يقول: ’وقد صح أن أوهن البيوت بيت العنكبوت، فقد تبين أن دينهم أوهن الأديان لو كانوا يعلمون‘.

وثانيها، أن بيت العنكبوت يؤذي الآخرين لأنه فخ لاصطياد الفرائس وهذا تمثيل يمثل به عاقبة المشركين المؤلمة بعد بعثهم وحسابهم يوم القيامة، وقال الإمام الرازى: ’فإن العنكبوت لو دام في زاوية مدة لا يخرج منها، فإذا نسج على نفسه واتخذ بيتا يتبعه صاحب الملك بتنظيف البيت منه والمسح بالمسوح الخشنة المؤذية لجسم العنكبوت، فكذلك العابد بسبب العبادة ينبغي أن يستحق الثواب، فإن لم يستحقه فلا أقل من أن لا يستحق بسببها العذاب، والكافر يستحق بسبب العبادة العذاب‘.

وثالثها، أن البيت لا يكون بيتا حتى تنضم إليه الخصائص المادية والمعنوية المختصة به، ومنها السكينة والطمأنينة وأن يقي صاحبَه من شدة البرد والحر ويصونه من أذى المخلوقات، قال الله تعالى: (وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنۢ بُیُوتِكُمۡ سَكَنࣰا وَجَعَلَ لَكُم مِّن جُلُودِ ٱلۡأَنۡعَـٰمِ بُیُوتࣰا تَسۡتَخِفُّونَهَا یَوۡمَ ظَعۡنِكُمۡ وَیَوۡمَ إِقَامَتِكُمۡ وَمِنۡ أَصۡوَافِهَا وَأَوۡبَارِهَا وَأَشۡعَارِهَاۤ أَثَـٰثࣰا وَمَتَـٰعًا إِلَىٰ حِینࣲ) {سورة النحل: 80}، وأما بيت العنكبوت فخارج من صفات البيت المذكورة في الآية فهذا رمز الاضطراب والفوضى، لأن أنثى العنكبوت تغتذى ذكرها بعد التلقيح، وأما أولادها فتهرب من الأم بعد فقسها من خشية فتك الأم، كذلك قلب المشركين بعد انحرافه عن الهدى، يفتقد لهم الأمن والسلامة ويتحيرون في الأرض بدون الهدوء، ولا ينتفعون بالأصنام التي يعبدونها في حياتهم الدنيوية.

وقد بين الله ذلك بمثل وقال: (لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ){الرعد: 14}، وضرب الله هذا المثل لتذميم حالتهم وتحقير اعتقادتهم حتى يخرجوا من نِيرِ جهالتهم، قد ذهب السيوطي قائلا: ’وتأتي أمثال القرآن مشتملة على بيان تفاوت الأجر، وعلى المدح والذم وعلى الثواب والعقاب وعلى تفخيم الأمر أو تحقيره، وعلى تحقيق أمر أو إبطاله‘.

ومن ثم، أخبر الله بضعف أوثان المشركين وآلهتهم، لقد حقق أن دين المشركين لا يزرع شيئا يستفيدون منه وإنما كلامهم سدى وإيمانهم دون جدوى.

ورابعها: البيت مبدأ من المبادئ الأساسية لحياة الإنسان، ولا يمكن المعيشة ماديا بدون البيت ولا معنويا بدون اعتقاد صحيح خال عن كل عيب ونقص، واتخذ المشركون ماديا آلهة من دون الله لأن يكونوا قوّامين على الآخرين ويصلوا إلى مكان عال ذي عزة في المجتمع بين الشعوب والقبائل، فالحقيقة مغايرة لما ظنوا به، قال الله تعالى: (وَٱتَّخَذُوا۟ مِن دُونِ ٱللَّهِ ءَالِهَةࣰ لِّیَكُونُوا۟ لَهُمۡ عِزࣰّا) (كَلَّاۚ سَیَكۡفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمۡ وَیَكُونُونَ عَلَیۡهِمۡ ضِدًّا) {سورة مريم: 81،82}.وقد حاول العلماء أن يكشتفوا أسرار المثل وحكمه ولكن هذه المحاولات كلها إلا غيض من فيض أمام بلاغة الله تعالى.


المراجع العامة
الإتقان في علوم القرآن، للسيوطي
تفسير الكشاف، للزمخشري
مفاتيح الغيب، الإمام الرازي
المفردات في غريب القرآن، الراغب الأصفهاني
إعلام الموقعين، ابن القيم الجوزي
أمثال القرآن، ابن القيم الجوزي
أدب الدين والدينا، الإمام الماوردي

المواد المنشورة في الموقع لا تعبّر بالضرورة عن رأي إسلام أون لاين

أحدث المقالات