لقد وصف الله جل وعلا كتابه فقال:{ إِنَّهُۥ لَقُرۡءَانࣱ كَرِیمࣱ } (الواقعة : 77)وقال: { قۤۚ وَٱلۡقُرۡءَانِ ٱلۡمَجِیدِ } (ق : 1). والغرض هنا الإشارة إلى جمال النظم القرآني وإعجازه، وعذوبة اللفظ، وجلال المتلو، فهو كلام الجليل سبحانه وتعالى. فالقرآن الكريم حسنٌ جميلٌ على كل حال، في تركيبه ونظمه، في روعة بيانه ولذة سماعه وأنس وانشراح قراءته. فحُسن القرآن وكماله وما احتواه من جمال وجلال وحلاوة يزيده بيانًا وروعة، حتى إنّ عقلاء الجن ليلة استمعوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي بأصحابه خارج مكة قالوا: {إنّا سمعنا قرءانًا عَجَبًا } (الجن : 1) فلم يبرحوا مجلسهم حتى آمنوا به وأثنوا عليه قائلين: { يهدي إلى الرشد فآمنا به.. } (الجن : 2).

ولما سمع البراءُ رضي الله عنه النبيَ صلى الله عليه وسلم يقرأ في صلاته:{وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ } (التين : 1) . قال: ما سمعت أحدًا أَحسن صوتًا وقراءةً منه”.(1) وصدق البراء. ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم، دعا إلى تحسين تلاوة القرآن، فقال مرغّبًا في ذلك: ” زيّنوا القرآن بأصواتكم”.(2)

وأثنى صلى الله عليه وسلم ذات مرة على أبي موسى رضي الله عنه، ووقف يستمع إليه وهو يقرأ القرآن، فقال صلى الله عليه وسلم: “لقد أوتيت مزمارًا من مزامير آل داوود”(3).

ومن جمال القرآن أن جمع الحسن والبلاغة للكلمة والآية، فاكتمل جماله بلاغةً وبيانًا ومعنىً. فالقرآن حسنٌ على كل حال: إن قلت في حسن نظمه فهو أجمل من الجواهر – وهذا تقريب وتمثيل لا مقارنة- وإن قلت في معانيه فهو الكمال كله، وإن قلت في هدايته وبيانه فهو النور المبين والصراط المستقيم. حتى قال رأس مشركي قريش: “والله إن له لحلاوة وإن عليه لطلاوة وإن أعلاه لمثمر وإن أسفله لمغدق، وإنه ليعلو ولا يعلى عليه وإنه ليحطم ماتحته”.

والقرآن كله حافل بالجلال والكمال والجمال . وللتمثيل على ذلك استعرض بعض الآيات الكريمة:

  • رتّل هذه الآية التي قال الله تعالى فيها: { خُذِ ٱلۡعَفۡوَ وَأۡمُرۡ بِٱلۡعُرۡفِ وَأَعۡرِضۡ عَنِ ٱلۡجَـٰهِلِینَ } (الأعراف : 199) وانظر ما فيها من الحِكم والإحكام ، فهي ثلاث جُمل، كل جملة منها غاية في البيان وآية في الكمال:
  • {خذ العفو} كلمتان انتظمتا مبدأ الإحسان أخذًا وعطاءً، والمسامحة عن التقصير، وقبول اعتذار المسيء والصفح عنه.
  • { وأمر بالعرف} الحث على مكارم الأخلاق والترغيب فيها بكلمتين فحسب.
  • {وأعرض عن الجاهلين} الأمر بالبعد عن أصحاب الجهل، وعدم الدخول معهم في خصام وجدال، والحذر من مخالطتهم أو الانشغال بهم.

فكم شعبة من شُعب الإيمان ياترى انتظمتها هذه الآية الموجزة العظيمة.. ؟!

  • وقال سبحانه: { وَهُوَ ٱلَّذِی جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّیۡلَ لِبَاسࣰا وَٱلنَّوۡمَ سُبَاتࣰا وَجَعَلَ ٱلنَّهَارَ نُشُورࣰا } (الفرقان : 47)

تقسيم بديع لأوقات اليوم ومظاهره، وامتنان الله جل وعلا بجعل هذه الأوقات في غاية الصلاح والنفع للإنسان، فالليل ستر يستكنّ فيه ، والنوم راحة يأوي إليها، من السعي في النهار والكدح فيه .

  • وقوله تعالى: { لَّا یَسۡـَٔمُ ٱلۡإِنسَـٰنُ مِن دُعَاۤءِ ٱلۡخَیۡرِ وَإِن مَّسَّهُ ٱلشَّرُّ فَیَـُٔوسࣱ قَنُوطࣱ } (فصلت : 49).

جمال أخّاذٌ في الصياغة، ووصف بديع لحالة الإنسان النفسية حيال الشر والخير.. نفي السأم عند طلب الخير يدل على الدأب والمداومة على طلب الخير وحب النفس له، هذا في الجانب الذي تشتهيه وتحبه.. واليأس والقنوط حين يصيبها ما تكره، فقد طبعت على البخل والطمع، يقول جل وعلا: { إِنَّ ٱلۡإِنسَـٰنَ خُلِقَ هَلُوعًا • إِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ جَزُوعࣰا • وَإِذَا مَسَّهُ ٱلۡخَیۡرُ مَنُوعًا} (المعارج :19 -21 ) فالإنسان يتجاذبه غرضان: الإعراض عند الرخاء، واليأس في حال الشدة، كما يقول سبحانه: { وَإِذَاۤ أَنۡعَمۡنَا عَلَى ٱلۡإِنسَـٰنِ أَعۡرَضَ وَنَـَٔا بِجَانِبِهِۦ وَإِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ كَانَ یَـُٔوسࣰا } (الإسراء : 83).

وفي الآيات التاليات من الجمال مايعجز الواصفون عن إدراك بعضه، ولا يملك الناظر والمتأمل إلا قول الله أكبر!

فاقرأ وتدبّر وستجد أفضل مما قلته لك، { تَبَارَكَ ٱلَّذِي جَعَلَ فِي ٱلسَّمَآءِ بُرُوجٗا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَٰجٗا وَقَمَرٗا مُّنِيرٗا *وَهُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ ٱلَّيۡلَ وَٱلنَّهَارَ خِلۡفَةٗ لِّمَنۡ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوۡ أَرَادَ شُكُورٗا * وَعِبَادُ ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلَّذِينَ يَمۡشُونَ عَلَى ٱلۡأَرۡضِ هَوۡنٗا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ ٱلۡجَٰهِلُونَ قَالُواْ سَلَٰمٗا * وَٱلَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمۡ سُجَّدٗا وَقِيَٰمٗا *وَٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا ٱصۡرِفۡ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَۖ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا * إِنَّهَا سَآءَتۡ مُسۡتَقَرّٗا وَمُقَامٗا * وَٱلَّذِينَ إِذَآ أَنفَقُواْ لَمۡ يُسۡرِفُواْ وَلَمۡ يَقۡتُرُواْ وَكَانَ بَيۡنَ ذَٰلِكَ قَوَامٗا * وَٱلَّذِينَ لَا يَدۡعُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَٰهًا ءَاخَرَ وَلَا يَقۡتُلُونَ ٱلنَّفۡسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلَّا بِٱلۡحَقِّ وَلَا يَزۡنُونَۚ وَمَن يَفۡعَلۡ ذَٰلِكَ يَلۡقَ أَثَامٗا * يُضَٰعَفۡ لَهُ ٱلۡعَذَابُ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ وَيَخۡلُدۡ فِيهِۦ مُهَانًا * إِلَّا مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ عَمَلٗا صَٰلِحٗا فَأُوْلَٰٓئِكَ يُبَدِّلُ ٱللَّهُ سَيِّـَٔاتِهِمۡ حَسَنَٰتٖۗ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورٗا رَّحِيمٗا * وَمَن تَابَ وَعَمِلَ صَٰلِحٗا فَإِنَّهُۥ يَتُوبُ إِلَى ٱللَّهِ مَتَابٗا * وَٱلَّذِينَ لَا يَشۡهَدُونَ ٱلزُّورَ وَإِذَا مَرُّواْ بِٱللَّغۡوِ مَرُّواْ كِرَامٗا * وَٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُواْ بِـَٔايَٰتِ رَبِّهِمۡ لَمۡ يَخِرُّواْ عَلَيۡهَا صُمّٗا وَعُمۡيَانٗا *وَٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبۡ لَنَا مِنۡ أَزۡوَٰجِنَا وَذُرِّيَّٰتِنَا قُرَّةَ أَعۡيُنٖ وَٱجۡعَلۡنَا لِلۡمُتَّقِينَ إِمَامًا *أُوْلَٰٓئِكَ يُجۡزَوۡنَ ٱلۡغُرۡفَةَ بِمَا صَبَرُواْ وَيُلَقَّوۡنَ فِيهَا تَحِيَّةٗ وَسَلَٰمًا * خَٰلِدِينَ فِيهَاۚ حَسُنَتۡ مُسۡتَقَرّٗا وَمُقَامٗا * قُلۡ مَا يَعۡبَؤُاْ بِكُمۡ رَبِّي لَوۡلَا دُعَآؤُكُمۡۖ فَقَدۡ كَذَّبۡتُمۡ فَسَوۡفَ يَكُونُ لِزَامَۢا } (الفرقان 61 – 77)، ففي هذا إشارة تدل على المقصود. والعجز عن وصف هذا الجمال، ظاهر، فليس ثمّ إلا التسليم والإجلال.

ولن يوفي أحدٌ القرآن حقه من الإشادة بجماله والتنويه بحسنه و كماله، يقول الله تعالى : { الۤرۚ كِتَـٰبٌ أُحۡكِمَتۡ ءَایَـٰتُهُۥ ثُمَّ فُصِّلَتۡ مِن لَّدُنۡ حَكِیمٍ خَبِیرٍ } (هود : 1)ويقول سبحانه: { كِتَـٰبٌ أَنزَلۡنَـٰهُ إِلَیۡكَ مُبَـٰرَكࣱ لِّیَدَّبَّرُوۤا۟ ءَایَـٰتِهِۦ وَلِیَتَذَكَّرَ أُو۟لُوا۟ ٱلۡأَلۡبَـٰبِ } (ص: 29)، ويقول عز وجل: { هَـٰذَا بَیَانࣱ لِّلنَّاسِ وَهُدࣰى وَمَوۡعِظَةࣱ لِّلۡمُتَّقِینَ } (آل عمران: 138).

قال أبو أسامة زيد الأنصاري في هذا المعنى:

هُوَ القُرْآنُ خَيْرُ الكُتْبِ قَدْرًا وَأَفْضَلُهَا وَأَحْسَنُهَا نِظَامَا وَأَيْسَرُهَا وَأَوْسَعُهَا عُلُومًا وَأَبْلَغُهَا وَأَفْصَحُهَا كَلَامَا.

هذا وليس جمال القرآن محصورًا في بيانه وحسن نظمه ، بل جمع مع ذلك صدق أخباره، وبلاغة مواعظه، وعظيم نفعه في هدايته وقصصه، وكثرة علومه وفوائده، وكفايته وعدله في أحكامه وشرعه.

فـ {تبارك الذي نزّل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرًا}.