خلق الإنسان والجان قضية إيمانية وعلمية كبرى، يوضحها القرآن الكريم بدقة متناهية.
يقول عز و جل في محكم التنزيل: (خَلَقَ ٱلۡإِنسَٰنَ مِن صَلۡصَٰلٖ كَٱلۡفَخَّارِ (14) وَخَلَقَ ٱلۡجَآنَّ مِن مَّارِجٖ مِّن نَّارٖ (15) فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ(16) ).
إن الله عز و جل يريح البشر من مغبة البحث في أصل الإنسان و كيفية خلقه، و يعرفهم بأن الإنسان الأول هو آدم عليه السلام خلق من صلصال كالفخار، أي من مادة طينية تركت حتى تخمرت تخمراً شديداً ثم تركت حتى جفت جفافاً شديداً أيضاً فأصبحت تحدث صلصلة كصلصلة الفخار إذا قمت بالدق عليه، و أطلق لفظ الصلصال فيما بعد على ذلك النوع من الطين المتخمر القابل للتشكيل و منه تصنع المنتجات الفخارية المختلفة.
الفرق بين الطين والفخار في مادة خلق آدم
وذلك الطين المتخمر لا تصدر منه هذه الصلصلة الشبيهة بصوت الجرس إلا بعد الاحتراق أو التجفيف الشديد لفترة طويلة، و من المعروف أن الطين الذي منه خلق آدم عليه السلام قد خضع للتجفيف وليس الاحتراق، و نجد في الحديث الضعيف تفصيلاً لمراحل خلق آدم عليه السلام في قوله: ( إن الله خلق آدم من تراب، ثم جعله طينًا ثم تركه، حتى إذا كان حمأ مسنونا خلقه الله، وصوره، ثم تركه حتى إذا كان صلصالًا كالفخار)[1].
و المادة التي تنتج من جراء تجفيف الطين و تحدث الصلصلة التي كصوت الجرس مشابهة للفخار و ليست هي في ذاتها فخاراً، لأن الفخار يتعرض للاحتراق بينما لم يتم حرق الطين الذي خلق منه آدم عليه السلام، و لذا نجد أن الإنسان لا يطيق النار و إنما قد يطيق الشمس و الهواء و بعض العطش لأنه خضع للتجفيف بهذه العناصر في مراحل خلقه الأولى و الله عز و جل أعلى و أعلم.
الرد على نظرية داروين والحقائق العلمية
و القرآن إذ يعرض هذه القضية في السورة المباركة فإنه يرد على داروين و أشباهه الذين أتعبوا عقولهم و عقول غيرهم في قضية حسمها القرآن منذ زمن بعيد، و تتطابق معها الحقائق العلمية حيث أثبت العلم الحديث أنه بتحليل الخلايا البشرية وجد أن مكوناتها الأساسية هي نفس المكونات الأساسية لمادة الطين.
كيف خُلق الجان؟ وما هو المارج من نار؟
ويستطرد المولى عز و جل بعد ذلك في بيان كيفية خلق الجن وهم الثقل الثاني من الثقلين الموجه إليهما الخطاب الرباني في السورة المباركة، ويبين المولى عز و جل أنه خلق الجان من مارج من نار، فما هو المارج؟
المارج: الشعلة الساطعة ذات اللهب الشديد المختلطة بسواد دخان النار. وقيل: الخِلط أو اللهب الأصفر والأخضر الذي يعلو النار إذا أوقدت، وفي بعض المعاجم أن كلمة مرج بمعنى اختلط، وعلى ذلك فعبارة ( مارج من نار ) تعني خليط من النيران المشتعلة ذات اللهب الشديد، وتعني كذلك قبس من النار إذا اشتدت لهيباً والله أعلم.
و يقول تعالى ( وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ ) [الحجر: 27]، وقيل السموم الحارّة التي تقتل، ويقصد بالجان هنا أبوهم وكبيرهم إبليس لعنه الله، وأعاذنا الله منه، وكان اللعين هذا بالنسبة للجان كآدم عليه السلام بالنسبة للبشر، ومنه توالى النسل فكثر الجن أحفاد إبليس لعنه الله فمنهم من آمن ومنهم من كفر والعياذ بالله منهم ومن كفرهم و شرهم، ولذا كان الجن قادراً على التشكل والتغير كطبيعة ما خلق منه، و نحن نرى النار من حولنا بعضها يشعل للطبخ وبعضها للإضاءة و غير ذلك، وهذه النار النافعة الضعيفة أما الجان فقد خلق من أشد النار و العياذ بالله.
كيف يعذب الجن بالنار وهم خُلقوا منها؟
ويتسائل البعض قائلاً: إذا كان الجان قد خلق من النار فكيف يعذب بالنار من كفر منهم؟ والرد على ذلك نفترض كمثال توضيحي أن إنساناً قد دفن حياً في مقبرة أو لحد من الطين، و كلما مات اختناقاً ومقاومة للطين عادت إليه الروح مرة أخرى ليكافح الطين، أيكون الإنسان في تلك الحالة معذباً أم لا؟ بالطبع يكون في عذاب شديد بالرغم من أنه مخلوق من الطين، فما بالك لو كانت درجة حرارة هذا الطين مرتفعة أو خلط بمواد حارقة فكيف يكون العذاب؟
بدون شك يزيد العذاب ويشتد في تلك الحالات، وكذلك الجن فإنهم يعذبون بالنار على الرغم من أن الله عز وجل خلقهم من لهيبها أعاذنا الله منها ومن لهيبها.
الحكمة من مادة الخلق في سورة الرحمن
وبعد تذكيره عز وجل من خلال الآيتين الكريمتين بمادة خلق الإنسان ومادة خلق الجان، وأنه عز و جل خلقهما من عناصر طبيعية محتقرة وليست بالنادرة و لا الثمينة، وهي الطين الجاف المشابه للصلصال ولهيب النار المختلط بسوادها، وأنه وهبهما الحياة من العدم ليؤمنا به عز وجل ويشكراه على آلائه وأنعمه العظيمة المتعددة وألا يتكبرا على الخلائق أو يتجبرا و يظلما، يسألهما الله عز وجل نفس تساؤله السابق (فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ)، و هو استفهام معجز، وبه يأمر عز وجل بالتسليم لمشيئته والانقياد لمراده والعرفان بأنعمه وآلائه.
إن الله عز و جل خلق الثقلين وهو العليم بحالهم اكثر مما يعلمون هم أنفسهم عن أنفسهم، وهو أقدر عليهم من كل قادر، وهو المنعم عليهم بشتى النعم وبصفة خاصة نعمة الخلق ومنحة الحياة، ثم كلفهم بما يطيقون ورفع عنهم المشقة والعنت والحرج، و يطلب منهم فقط العرفان بنعمه وآلائه وآياته ونسبتها إليه هو وليس إلى غيره.
