رمضانُ الشهرُ الكريمُ الذي اختصَّه اللهُ وفضَّله على سائرِ شهورِ العام، وكانت أعظمُ ميزةٍ له أن أنزلَ اللهُ فيه القرآن، وخصَّه بليلةِ القدرِ التي هي خيرٌ من ألفِ شهر. ولهذا الفضلِ وهذه المكانةِ جعله اللهُ ملاذًا وبابًا مفتوحًا لكلِّ تائب، وملجأً لكلِّ عاصٍ مستغفر، وهو سفينةُ نجاةٍ تتكرَّر كلَّ عام، تحملُ كلَّ طالبٍ لرحمةِ الله، وتفرِّج الهمومَ والكُرَب، وفيه دواءٌ للقلوبِ العليلةِ المريضةِ التي تبتغي الشفاء، وتشتهي القربَ من ربِّها والوصولَ إليه.
وفي شهرِ رمضان، وفريضةِ أو ركنِ الصيام، من الفوائدِ والحِكَمِ والأسرارِ الإلهيةِ الشيءُ الكثير، ففي فرضِ الصيام أولى هذه الحِكَم، حيث كانت طريقةُ فرضه وإيجابه مرحليةً راعت النفسَ البشرية، وقد عبر عن هذا ابنُ قيمِ الجوزية رحمه الله بقوله:
“ولما كان فِطامُ النفوس عن مألوفاتها وشهواتها من أشقِّ الأمور وأصعبها، تأخَّر فرضُه – أي صيامُ رمضان – إلى وسطِ الإسلام بعد الهجرة، لما توطَّنت النفوسُ على التوحيد والصلاة، وألِفَت أوامرَ القرآن، فنُقلت إليه بالتدرُّج، وكان فرضُه في السنة الثانية للهجرة، وتوفي النبي ﷺ وقد صام تسعةَ رمضانات”
(زاد المعاد، ج2، ص29).
وطريقةُ التدرُّج في فرضِ الأحكام أو تحريمِها واحدةٌ من أهمِّ خصائص ومميِّزات الإسلام وشريعته الغرَّاء؛ فإنه لما بُعث النبي ﷺ بدينٍ كان الكثيرُ من أحكامه جديدًا على الناس، راعى الإسلامُ نفوسَهم ونفسياتهم في التحريم أو الإيجاب، ومثلُ هذا أيضًا ما ورد من التدرُّج في تحريم الخمر ونحوِه.
ومن حِكَم الصيام أيضًا أن الله جعله سبيلًا وطريقًا للتقوى، بل جعلها الغاية والهدف في فرض الصيام في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾. (البقرة – 183).
والتقوى – كما هو معروف – شاملةٌ لكلِّ ما يصدر عن العبد من قولٍ أو فعل، بحيث يكون في قوله وعمله مراقبًا لله تعالى، وفي الحديثُ النبي ﷺ:
“من لم يدع قولَ الزور والعملَ به فليس لله حاجةٌ في أن يدع طعامه وشرابه”
(صحيح البخاري، حديث رقم 1903).
وقولُ الزور في الحديث شاملٌ لكلِّ قولٍ محرَّم أو فيه إيذاء، كالكذب والغيبة والنميمة والشتيمة ونحوها، كما يدخل في العمل بقول الزور كلُّ ما حرَّمه الله من الأفعال، وفي مقدمتها الظلم الذي حرَّمه الله على نفسه وجعله بين عباده محرَّمًا، وغيرُه من الأعمال كالغش والخيانة وأخذ الأموال بغير حق، وما يؤدِّي إلى ذلك من الجهل والسفه ومجانبة الرشد والعقل في الأقوال والأفعال.
ومن الحِكَم أيضًا أن الصيام يعزِّز في نفس المؤمن رقابته لله، وتحكُّمَه بذاته، وإخلاصَه العملَ لوجه الله سبحانه؛ فعبادةُ الصيام عبادةٌ جماعية، لكنها خفيَّة في الوقت ذاته، إذ يمكن للصائم أن يُفطر دون أن يحسَّ به أو يشعرَ به أحد، لكنه يحتمل تبعات الصيام من الجوع والعطش والبعد عن الشهوات المباحة له في غير الصيام، مرضاةً لله سبحانه وتعالى، ولهذا يقول عليه الصلاة والسلام في الحديث القدسي عن فضل الصيام: “كلُّ عملِ ابنِ آدم له إلا الصوم، فإنه لي وأنا أجزي به، ولَخُلوفُ فمِ الصائم أطيبُ عند الله من ريحِ المسك “(صحيح البخاري، حديث رقم 1904).
ورمضانُ يأتي في كلِّ عام بمثابة محطةٍ إيمانيةٍ يتزوَّد منها المؤمن قوةَ العزيمة والصبر والإخلاص، ومنه يتعوَّد المؤمنون على ترك المحبوبات المألوفة في غيره حبًّا في الله عز وجل وتقربًا منه، كما أن فيه تعويدًا على تحمُّل المشاق والتعب، وقد نُقل عن الإمام الغزالي قوله بأن الصوم نصفُ الصبر.
وهو محطةٌ يغيِّر فيها المرءُ من نفسه، حيث يكون البعدُ عن العادات أولى خطوات التغيير، ورمضان يعلِّمنا ذلك من خلال التغيير الذي يُحدثه في الأوقات والعبادات والعادات، والصيام يعلمنا أيضا أن العادات ليست أمرًا واجبًا أو لازمًا، بل هي أشياء فرضها المرء على نفسه، ويمكن للمرء الخلاصُ منها إذا امتلك العزيمةَ والإرادةَ والتصميم.
وفي الصيام ورمضان مدرسةٌ يتعلَّم منها المسلمون الحفاظَ على أوقاتهم ودقةَ مواعيدهم؛ فوقتُ الإفطار محدَّدٌ بدقة، ووقتُ الإمساك كذلك، وفي هذا قال ﷺ لأصحابه: “إذا أذَّن بلال فلا تُمسكوا، وإذا أذَّن ابنُ أمِّ مكتوم فأمسكوا” (صحيح مسلم حديث رقم 1092).
وقد كان معلوما لديهم أن بلالًا رضي الله عنه يؤذِّن للأذان الأول، بينما يؤذِّن ابنُ أمِّ مكتوم لصلاة الفجر، والفرق بينهما – كما ورد في كتب السنة – أن ينزل هذا ويصعد هذا، كما أن الأكلَ والشربَ قبل موعد الإفطار، ولو ببضعَ دقائق، يُبطل الصيام، وفي هذا دلالةٌ على أن مواعيد الإمساك والإفطار والالتزام بها أمرٌ عظيم، وأن مخالفتها قد تُقرِّب الإنسان من سخط الله.
وخلاصة القول أن شهر رمضان موسم للعبادة لا ينقضي بانقضاء أيامه، بل ينبغي أن يجعله المسلم درسا ايمانيا يلازمه طيلة أيامه، يعيد من خلاله التوازن في الروح والأخلاق، بل ويجعل منه منبها يخرجه من غفلته، ويقوِّي في نفسه معنى مراقبة الله وتقواه والبعد عن مواطن الزلل والشبهات والشهوات تحقيقا لغاية الصيام التي من أجلها كتبه الله، ويظل الصيام واحدة من أهم الوسائل لإصلاح قلب المؤمن واستقامة سلوكه، وعونا له في مجاهدة نفسه في رمضان وما بعد رمضان، وهنيئا لمن أدرك مقاصد الصيام، وأحسن استثمار هذه المحطة الإيمانية، وخرج منها بقلبٍ أنقى، وعزيمةٍ أصلب، وصلةٍ بالله أوثق وأقوى، فذلك هو الفوز الذي أراده الله لعباده من هذه الفريضة العظيمة.
