لم تعد التقنية مجرد وسيلة ترفيه، بل أصبحت عالما كاملا نعيش فيه، حتى صار الهاتف الصغير الذي في أيدينا يأخذنا بعيدا عن أنفسنا، وعن أسرنا، وعن واقعنا، فكم من شاب يقضي ساعات طويلة على الشاشات، ولا يجد دقائق لنفسه! وكم من فتاة تتابع كل شيء، إلا حياتها الحقيقية! وهنا يظهر سؤال مهم: هل نملك التقنية أم هي التي تملكنا؟
إن التوازن لا يعني أن تترك التقنية، ولا أن تغرق فيها، بل أن تستخدمها بوعي وهدف، قال الله تعالى: ﴿ ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين ﴾ [الأنعام: 141]، والإسراف لا يكون في المال فقط، بل في الوقت، والانتباه، والطاقة.
أيها الشاب، إن التقنية سلاح ذو حدين، قد تقربك من الله ومن العلم الشرعي، أو تبعدك عنهما وعن نفسك، وقد تربطك بالناس، أو تعزلك عنهم، هذا خالد شاب بدأ باستخدام هاتفه لمتابعة محتوى مفيد، ثم تحول تدريجيا إلى الترفيه المفرط، حتى أصبح يقضي ست ساعات يوميا دون فائدة! يقول عن نفسه: “لم أشعر كيف سرقت أيامي!”.
يا أخي، إن كثرة تصفح الشاشات يؤدي إلى: تشتت الذهن، وضعف التركيز، ومقارنة النفس بالآخرين، وشعور دائم بعدم الرضا؛ لأنك ترى حياة مثالية على الشاشة، فتشعر أن حياتك ناقصة، رغم أنها طبيعية وجميلة، والتقنية لها أثر كبير في التوازن الأسري، فكم من بيت يجتمع أفراده، لكن لكل واحد عالمه الخاص! فتجد الأب والأم والأبناء في نفس الغرفة، لكن كل منهم غارق في هاتفه، هذا ليس اجتماعا، بل تفكك صامت.
أيها الشاب المبارك، أصبحت العلاقات الاجتماعية علاقات سطحية، تواصل عبر الرسائل فقط، ابتعدت فيها الأجساد والقلوب بعضها عن بعض، قال ﷺ: “تبسمك في وجه أخيك لك صدقة، وأمرك بالمعروف ونهيك عن المنكر صدقة، وإرشادك الرجل في أرض الضلال لك صدقة، وبصرك للرجل الرديء البصر لك صدقة، وإماطتك الحجر والشوك والعظم عن الطريق لك صدقة، وإفراغك من دلوك في دلو أخيك لك صدقة”؛ رواه الترمذي، فهل الابتسامة والإرشاد وإماطة الأذى عن الطريق يكون خلف الشاشة؟ هل يغني هذا عن حضورك الحقيقي؟!
أيها الشاب المبارك، إن أخطر ما تسرقه التقنية منا ديننا وعقيدتنا، وأخلاقنا وأوقاتنا، هي رأس مالك الحقيقي، اسأل نفسك: كم ساعة تقضيها يوميا على هاتفك؟ وكم منها كان مفيدا؟ وحتى تحقق التوازن في عصر التقنية عليك: أن تحدد وقتا لاستخدام الهاتف، ألغ التطبيقات غير المفيدة، واجعل لك أوقاتا بلا شاشة: مثل قبل النوم، أثناء الطعام، وقت العبادة، مع الأسرة، أن يكون استخدامك التقنية للتعلم لا للهروب، واسأل نفسك دائما: هل هذا الاستخدام يقربني من الله، ويطور ذاتي، ويحقق هدفي؟
يا أخي، لا تجعل الشاشة تختصر حياتك، ولا تسمح لها أن تسرق أجمل لحظاتك، إن التقنية نعمة، لكنها تحتاج منا إلى وعي، تذكر أن: حياتك الحقيقية خارج الشاشة، وأن علاقاتك الحقيقية تحتاج إلى حضورك، وأن قلبك يحتاج إلى هدوء لا إلى ضجيج، فالتوازن في زمن التقنية ليس خيارا بل صار ضرورة.
