من الأمور التي خُدع بها الكثيرون لسنوات أكذوبة المساواة بشكل عام ومنها قضية المساواة بين الرجل والمرأة وقضية المساواة بين البشر، فهل توجد مساواة في الكون والخلقة، وهل المساواة أمر طبيعي أو فطري أو عقلي؟!
يخطئ الكثيرون حين يظنون أن العدل يعني المساواة، والحقيقة أن العدل هو “إعطاء كل ذي حق حقه”، بينما المساواة هي “التسوية بين شيئين”، ومحاولة التسوية بين شيئين مختلفين في الخصائص أو القدرات أو الاحتياجات، تعد ظلمًا فادحًا.
مساوئ المساواة!
المساواة تحولت من شعارٍ إنساني إلى فكرةٍ مضللة، تخالف العقل، وتناقض الفطرة، ولا يقرّها الشرع، واستخدمت كورقة ضغط وإرهاب فكري لتمرير مفاهيم غربية وغرسها في المجتمعات العربية والإسلامية لأهداف تخدم مصالح الغرب، أما العدل، فهو المبدأ المتوازن الذي يحقق الإنصاف الحقيقي، ويحفظ للناس كرامتهم، ويقيم المجتمع على أساس الحكمة والتكامل.
والفطرة التي فطر الله الناس عليها قائمة على التنوع والاختلاف، لا على التماثل التام. فالاختلاف بين البشر سنّة كونية، وبه تنتظم الحياة وتتكامل الأدوار، ولو كان الناس متماثلين تمامًا، لتعطلت مصالح كثيرة، ولما استقام أمر المجتمع.
ومحاولة فرض المساواة المطلقة بين الناس وبخاصة بين الذكر والأنثى تعني في حقيقتها إنكار الفروق الفطرية التي خلقها الله لحكمةٍ بالغة، وهو ما يؤدي إلى صراع داخلي في الفرد، واضطراب في بنية المجتمع.
والعقل السليم يُقرّ بأن الناس ليسوا سواءً في القدرات، ولا في الاستعدادات، ولا في الأدوار، فالناس يختلفون في القوة والضعف، والعلم والجهل، والمسؤوليات والواجبات، ومن غير المنطقي أن يُساوى بين المختلفين مساواةً تامة، لأن ذلك يُفضي إلى تعطيل الكفاءات، وإهدار الطاقات، ويحمل بعض الناس ما لا يطيقون، أو يحرم آخرين مما يستحقون.
والمساواة تنطوي على كثير من الظلم، ولذلك جاء الإسلام بالعدل الذي تستقيم به أمور الناس، ولم يجئ بالمساواة إلا في أصل الخلقة والكرامة الإنسانية، وأمام القضاء، وفي الثواب والعقاب، فعن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه، أن النبي ﷺ قال:”كلُّكم بنو آدمَ، وآدمُ خُلقَ من تراب”. صحيح الجامع: 4568.
التفاضل سنة كونية
الكون قائم على التفاضل بين جميع المخلوقات، والتفاضل سنة كونية نلمسها في الكثير من الأمور، ولذلك تصبح قضية المساواة بين المختلفين نوعًا من الظلم وضربًا من الجنون.
يقول الله عز وجل:{قُل لَّا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ ۚ فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} سورة المائدة: 100.
ويقول الله عز وجل:{وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَىٰ وَالْبَصِيرُ * وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ * وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ * وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَن يَشَاءُ ۖ وَمَا أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِي الْقُبُورِ} سورة فاطر: 19-22.
والتفاضل موجود بين الملائكة، يقول الله عز وجل:{مَن كَانَ عَدُوًّا لِّلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِّلْكَافِرِينَ} سورة البقرة: 98.

والتفاضل موجود بين الرسل عليهم السلام، يقول الله عز وجل:{تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۘ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اللَّهُ ۖ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ ۚ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ ۗ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِن بَعْدِهِم مِّن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَٰكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُم مَّنْ آمَنَ وَمِنْهُم مَّن كَفَرَ ۚ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ} سورة البقرة: 253.
ويقول الله عز وجل:{إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَىٰ آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ} سورة آل عمران: 33.
وهناك تفاضل بين الأوقات، يقول الله عز وجل:{وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ} سورة الفجر: 1-2.
ويقول الله عز وجل:{إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ} سورة القدر: 1-3.
ويقول الله عز وجل:{شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ ۚ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ۖ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ۗ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} سورة البقرة: 185.
والتفاضل موجود كذلك بين الأماكن، يقول الله عز وجل:{إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ} سورة آل عمرن: 96.
ويقول الله عز وجل:{سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} سورة الإسراء: 1.
التفاضل بين الناس
اقتضت حكمة الله عز وجل تفضيل بعض الناس على بعض في الكثير من الأمور، يقول الله عز وجل:{وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ ۚ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَىٰ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ ۚ أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ} سورة النحل: 71.
والتقوى هي معيار الكرامة عند الله عز وجل وفيها يتنافس المتنافسون، يقول الله عز وجل:{يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِير} سورة الحجرات: 13.
أكذوبة المساواة بين الرجل والمرأة
شعار المساواة شعار جذاب، لكنه في كثير من تطبيقاته يتحول إلى ظلمٍ مقنّع؛ إذ تُطالب المرأة بأدوار لا تتفق مع طبيعتها بحجة المساواة، ويُطالب الرجل بالتخلي عن مسؤوليات أُنيطت به بحجة المساواة أيضًا، وبهذا تُهدم منظومة المسؤولية المتوازنة التي يقوم عليها المجتمع.
والعدل الحقيقي لا يكون بجعل المختلفين سواءً، بل بمراعاة اختلافهم وإعطاء كل فرد في المجتمع ما يناسبه من حقوق وواجبات.
والعقل السليم يقر بأن الرجل والمرأة متساويان في الكرامة الإنسانية، لكنهما مختلفان في التكوين الجسدي، والاستعداد النفسي، والوظائف الفطرية. وهذا الاختلاف ليس نقصًا في أحدهما ولا تفضيلًا مطلقًا للآخر، بل هو تكاملٌ مقصود تقوم عليه الحياة البشرية.
ولذلك فإن محاولة تسوية الرجل بالمرأة تسويةً تامة في جميع الأدوار والوظائف، مع تجاهل هذه الفروق، تُعد مخالفةً للفطرة، وتحمّل كلًّا منهما ما لا يناسب طبيعته، وهو ما ينتج عنه اضطراب أسري واجتماعي بات واضحًا للعيان.

يقول الله عز وجل:{فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنثَىٰ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنثَىٰ ۖ وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} سورة آل عمرن: 36.
والقرآن الكريم أشار إلى التفاضل الحاصل بين الرجال والنساء، يقول الله عز وجل:{وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۚ لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبُوا ۖ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبْنَ ۚ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِن فَضْلِهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا} سورة النساء: 32.
نعم للعدل لا للمساواة
المساواة لا تكون إلا بين المتماثلين، أما محاولة المساواة بين المختلفين فهي أمر ضد الفطرة، وضد الطبيعية، وضد العقل، والمنطق.
والمساواة المطلقة فيها تضييع للجهود وحث على الاتكالية وعدم بذل الجهد، أما التفاضل فيفتح الباب واسعًا أمام الجميع لكي يعملوا ويجتهدوا ويطوروا من أنفسهم ومن أسلوب حياتهم.
والدعوة إلى المساواة المطلقة بين الجنسين دعوة تتجاهل الفطرة، وتعارض العقل، ولا يقرّها الشرع الحنيف، أما المنهج الصحيح، فهو العدل القائم على التكامل لا التماثل، وعلى توزيع الحقوق والواجبات وفق الحكمة الإلهية، وبهذا وحده تُصان كرامة الرجل والمرأة معًا، ويستقيم أمر الأسرة والمجتمع.
