في الأجواء المعتمة وحين يضيق القلب تتسرب السلبية للنفوس حتى تهلكها، وللخروج من هذا المأزق نتذكر قول القائل: “لأن توقد شمعة خير من أن تلعن الظلام”، سيبقى الظلام كما هو ولو بقي اللاعنون يلعنونه إلى الأبد صباحاً ومساءً، لذا ما علينا إلا أن نوقد شمعة مهما كانت صغيرة؛ نحرك بها الهمة، ونضيء الطريق، وندعو غيرنا أن يساهم بما يستطيع.
أولاً: شمعة العمل والإتقان في الإسلام
وأول الشموع التي ينبغي أن نوقدها شمعة العمل استجابة لقوله تعالى: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [التوبة: 105].
اعملوا ما يناسب قدراتكم العقلية والنفسية والجسدية عملاً تقدمونه لله تعالى الذي يعلم ما في النفوس من خير وشر ومن نية طيبة تبتغي مرضاة الله تعالى أو خبيثة تسعى لرضا الناس، عندما تعملون لابد أن يكون عملكم في غاية الجودة والإتقان، لأن الله تعالى سيطلع على أعمالكم.
ثانياً: الاستمرار في العمل حتى آخر لحظات الحياة
والعمل الذي يطلبه الله تعالى من خلقه موزع على مدار اليوم وموزع كذلك على مدار العمر؛ عمر الإنسان وعمر البشرية كلها. قال رَسُول اللَّهِ ﷺ: “إِنْ قَامَتِ السَّاعَةُ وَفِي يَدِ أَحَدِكُمْ فَسِيلَةً، فَإِنِ اسْتَطَاعَ أَنْ لَا يَقُومَ حَتَّى يَغْرِسَهَا فَلْيَغْرِسْهَا” [1].
ومعروف أن النخلة الصغيرة تأخذ مدة طويلة لكي تثمر، فلماذا يؤمر المسلم بغرس نخلة قد لا يكفي عمره لإدراك ثمرها؟! قال العلماء في شرح هذا الحديث: أراد النبي -ﷺ- بقيام الساعة ظهور علاماتها، وبين ظهور العلامات وانتهاء الحياة مدة من الزمن قد ينتفع بالنخلة من له رزق فيها، ومقصوده ﷺ الحث على العمل مهما توقف الناس عن العمل انشغالاً بأي ظرف ولو كان هذا الظرف اقتراب نهاية الحياة.
أجور وغايات غرس النبات
في غرس النبات أجور عظيمة؛ فالنبات كائن يسبح بحمد الله تعالى، ومصفاة تنقي الجو من الملوثات، ومنظر يريح النفوس، وإذا أثمر وأكل منه الناس فلمن غرسه أجر بقدر من يأكل منه إنسان أو طير أو بهيمة، وإذا استظل به الناس كان ذلك في ميزان من زرعه، بل إذا يبس ومات وتحول إلى حطب ووقود كان لمن زرعه أجر إذا نوى بهذه الزراعة التقرب إلى الله، كل هذه الأجور العظيمة ترتبط بالنوايا الصالحة التي كانت مع العمل.
ثالثاً: ما هي غرستك؟ (تساؤلات إيجابية)
وعلينا أن نسأل أنفسنا ما هي النخلة التي أغرسها لكي أجد ثمرتها في الدنيا والآخرة؟
- هل أزرع زرعة تٌسبِّح؟ أو أتعلم كلمة طيبة أعلمها لغيري؟
- هل أقدم نصيحة خرجت من تجربة حقيقة لينتفع بها شخص أو أشخاص وينفعوا بها غيرهم؟
- هل أكف أذاي عن الناس إذا نزغت نفسي وحركني الشيطان والهوى لكي استعمل ما وهبني الله من قوة في ظلم الآخرين؟
- هل هي نشر روح المودة في أُسر قد تقطعت أرحامها؟ هل هو رأب الصدع وجمع المتنازعين؟
- هل أتبرع بشيء من وقتي أونس الغريب وأرشده إلى مكان لا يعرف طريقه أو أكشف له عن مصادر الرزق وأعلمه كيف يحصل على ما يريد من مسكن وطعام وتعليم إلى غير ذلك من ضروريات الحياة وأعينه بقدر طاقتي؟ هل أعلم الناس مما تعلمت من العلوم والخبرات؟
رابعاً: قيمة العمل بعد التقاعد واستثمار الخبرات
كم من الموظفين من يخرج للتقاعد وقد اكتسب خبرة ما قد تكون عميقة ومعرفة شاملة بالمجال الذي يعمل فيه لا يكلف نفسه أن ينقل هذه الخبرة لزملائه الأصغر منه، ولا يدونها حتى يستفيد من بعده، ولا يكلف نفسه بالذهاب لموقع عمله زيارة ودية لا يريد شيئاً أكثر من تقديم المساعدة لمن يحتاج إليها.
قد يمنعه من ذلك شعور زملائه وتساؤلهم لماذا أتى ألم يتقاعد ويريحنا منه؟! كل إنسان سيجد من يرحب به ومن يستثقل زيارته، لعله يطرق باب زملائه ويعلن أن هاتفه مفتوح لمن يحب أن يسأل عن شيء في العمل. وإذا كان التقاعد حقيقة لابد منها رعاية للسن وإفساحاً للشباب لكي يأخذوا نصيبهم من العمل والنجاح، فإن التزام الإنسان بالعمل كفريضة شرعية وضرورة بشرية وشيء يشعره بقيمته بين الناس وأن حياته لا زال لها معنى وأن بإمكانه العطاء.
إذا اتفقنا على هذه المعاني الضرورية فلابد للإنسان قبل أن يتقاعد بسنين أن يهيأ لنفسه عملاً يطيع به ربه ويشغل به وقته وينفع الناس ويكسب المال حتى لا تقتله الوحدة والفراغ، وربما استطاع مع رفاقه في العمل أن يؤسس شراكة تجمعهم في رحلة جديدة.
خامساً: العمل مهما بلغت من منزلة ومرتبة
فهم العلماء أن الإنسان مطلوب منه أن يعمل مهما بلغ من المرتبة عند الناس، قال عبد الله بن أحمد بن حنبل: رأى رجل مع أَبي مِحْبَرَة، فقال له: يا أَبا عبد الله، أَنت قد بلغت هذا المبلغ، وأَنت إِمامُ المسلمين. فقال: “مع المِحبرة إلى المَقْبرة” [2].
لكي يستطيع العالم أن يبقى إماماً للمسلمين لابد له من العمل على تحصيل العلم وتعليمه، ولكي يحافظ من تقدم في مجال من المجالات على سبقه للآخرين لابد من العمل الجاد حتى يبلغ كتاب العمر أجله، وبالطبع لكل مرحلة من مراحل العمر عملاً يناسبها. يكره الإسلام أن لا يكون للإنسان عمل ينتفع به في دنياه أو أخراه: “إنِّي أَكْرَهُ الرَّجُلَ أَنْ أَرَاهُ يَمْشِي سَبَهْلَلًا أَيْ: لَا فِي أَمْرِ الدُّنْيَا، وَلَا فِي أَمْرِ آخِرَةٍ [3]، فإن المسلم مسؤول عن عمره.
سادساً: للضعيف والصغير نصيب في مسيرة العمل
علمنا النبي -ﷺ- أن العمل مطلوب من الإنسان مهما كانت حالته فقال: “إِنَّمَا يَنْصُرُ اللهُ هَذِهِ الْأُمَّةَ بِضَعِيفِهَا بِدَعْوَتِهِمْ، وَصَلَاتِهِمْ، وَإِخْلَاصِهِمْ” [4].
والرزق والنصر يحتاج إلى مجهود كبير، فما الذي بأيدي الضعفاء لكي يقدموه في مسيرة التنمية؟ إنهم يملكون قلوباً صادقة في تضرعها إلى الله تعالى، وبدعاء مثل هذه القلوب تنزل بركات السماء وتخرج خيرات الأرض، إنهم يملكون حكمة وبصيرة نشأت من قربهم من الله يقدمونها منتظرين الأجر من رب العباد سبحانه، إنهم يملكون نفوساً مشرقة تشع بالخير والسكينة على ما يحيط بها من نفوس وأرواح، وبالدعاء والسكينة والحكمة يستطيع المجتمع أن يتقدم ويعمل فنعتبرهم داعمين نفسياً وقلبياً للقوى العاملة.
بل إن الصغار في البيوت يمكنهم العمل على نشر الإيجابية في حياتنا، وذلك بفطرتهم التي تحب المرح والابتسام، ولا يزالون يمرحون على سجيتهم حتى يُدخلوا السرور على الأسرة، فلا أسعد من أب أو أم – كلاهما مثقل بهموم الحياة وأعباء العمل – يرى ابتسامة صغيرة من قلب نقي.
وإذا ما استثمرنا هذه الروح الإيجابية وطلبنا منهم أن يقابلوا من يأتي مثقلاً بالأفكار السلبية بكلمة طيبة وابتسامة رقيقة ومحاولة إخراجه من سجن الاكتئاب والقلق سنكون قد قدمنا الكثير من العمل الإيجابي، إن تربية الأبناء على رعاية مشاعر الآخرين ومحاولة نقلهم من السلبية والهموم إلى الإيجابية والاستبشار يجعل منهم قرة عين حقيقة ويجعل لهم دوراً يدركونه منذ الصغر وقيمة يستشعرونها كلما ساهموا في التخفيف عنا وعن الآخرين.
سابعاً: كل الأعمال مهمة.. لا تحقرن من المعروف شيئاً
ليس هناك عمل صغير فكل عمل مهما كان تعظمه النية الصالحة الصادقة، وتمده بوقود يدفعه للأعلى، وقد حثنا النبي -ﷺ- على العمل، فقال: “لَا تَحْقِرَنَّ مِنَ الْمَعْرُوفِ شَيْئًا، وَلَوْ أَنْ تَلْقَى أَخَاكَ بِوَجْهٍ طَلْقٍ” [5].
لا تنظر إلى عمل ما أنه صغير فتترك القيام به، كل عمل مهما بدا لك صغيراً لا قيمة له سيوضع في ميزان حسناتك، والنجاة من النار والفوز بالجنة مرهون بثقل هذ الميزان، وثقله يكون من حسنة إلى جوار حسنة. وقد ترى بعض أعمالك محدودة التأثير أو لا تأثير لها بالمرة بينما هي عند من تقدمها له عظيمة النفع كثيرة الفائدة.
انظر إلى نصف تمرة تقدمه لشخص أصيب بانخفاض في مستوى السكر في الدم، ما الذي تمثله له هذه القطعة الصغيرة؟ تمثل له إنقاذاً من آثار انخفاض السكر، وتمثل لمن يقدمها درعاً يحتمي به من النار: “اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ” [6]. فإن القليل إلى القليل كثير ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: 7].
ثامناً: الوعي قبل السعي والتعاون المشترك
وهذا العمل لابد أن يسبقه الوعي:
قَدِّرْ لرِجْلِكَ قبلَ الخَطْوِ مَوْقِعَها … فمَنْ عَلا زَلَقاً عَن غِرَّةٍ زَلِجَا [7]
وحتى يخرج العمل في أفضل صورة لابد من التعاون بين أصحاب التخصصات المتنوعة، وجمع الجهود المتفرقة وتنظيم هذه الجهود حتى لا نجد الخير يتحرك في اتجاه واحد ولشخص واحد أو لأشخاص محدودين، ويسد باباً واحداً من أبواب الشر ونترك العشرات تدخل منها رياح الفساد. التعاون يحسن من رؤيتنا للواقع ويرفع من أدائنا ويقلل أوقات انتظار المحتاجين ويجعلنا نطرق آفاقاً لا يستطيع الواحد أو الاثنان أن يسيروا فيها.
الإيجابية في حياة المسلم ليست مشاعر تذهب وتأتي بل مطلوب منه أن يجعلها حقيقة على الأرض لا تزلزلها الرياح، مرتبطة بحسن ظنه بالله تعالى وحسن الظن يجعله يتوجه لربه وينطلق للعمل، كلما كانت الأجواء مظلمة كان للشمعة الصغيرة تأثير كبير.
