مع إشراقة عام هجري جديد، يقف المسلم متأملاً رحلة الزمن وما تحمله الأيام من عبر ودورس، فتعاقب الأعوام ليس مجرد انتقال من رقم إلى آخر، وإنما هو تذكير دائم بقصر الدنيا وسرعة انقضاء العمر. وقد أقسم الله تعالى بالزمن في مواضع عديدة من كتابه الكريم تنبيهًا إلى عظم شأنه، فقال سبحانه: { وَالْعَصْر * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ ﴾ (العصر : 1- 2)، وقال تعالى: { وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ} (الفجر: 1 – 2)، مما يدل على أن الزمن رأس مال الإنسان الحقيقي.

ولم يكن اعتماد المسلمين للتاريخ الهجري أمرّ عارضًا أو إجراءً إداريًا مجردًا، بل كان اختيارًا واعيًا يربط الأمة بأعظم تحول في تاريخها. فعندما أراد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب – رضي الله عنه- وضع تأريخ يجتمع عليه المسلمون، لم يجعل البداية من مولد النبي ولا من وفاته، وإنما من الهجرة النبوية، لأنها مثلت الانتقال من مرحلة الاستضعاف إلى مرحلة بناء الدولة والمجتمع والحضارة.

لقد كانت الهجرة حدثًا فارقاً في تاريخ الإسلام، فقد خرج النبي وصاحبه أبوبكر الصديق رضي الله عنه، من مكة تاركين الأهل والمال والوطن ابتغاء مرضاة الله، فخلد القرآن الكريم هذا المشهد العظيم بقوله تعالى: ﴿ إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ۖ ﴾. لقد كانت الهجرة مدرسة في الثقة بالله، والتخطيط المحكم، والصبر على الشدائد، والأخذ بالأسباب مع كمال التوكل على الله.

ومن تأمل السنة النبوية وجد أن النبي جعل من الهجرة رمزًا للتضحية والتجديد والإصلاح، فقال:” المهاجر من هجر ما نهى الله عنه. فالهجرة ليست مجرد حدث تاريخي مضى، بل هي معنى متجدد في حياة المسلم، هجرة من المعصية إلى الطاعة، ومن التقصير إلى الإحسان، ومن الفرقة إلى الاجتماع.

والتاريخ الهجري في حقيقته ليس مجرد أسماء شهور وأرقام أعوام، بل هو ذاكرة أمة كاملة. فمن خلاله ترتبط شعائر الإسلام الكبرى بحياة المسلمين، فشهر رمضان، والحج، والأشهر الحرم، والزكاة في كثير من أحكامها، كلها مرتبطة بالتقويم الهجري. ولذلك فإن المحافظة على حضوره في المجتمع، تعنى المحافظة على جزء أصيل من هوية الأمة الإسلامية.

وفي واقعنا المعاصر نجد أممًا كثيرة تعتز بتواريخها ورموزها الوطنية والثقافية، وتحرص على تعليمها لأبنائها وربط الأجيال بها. ومن باب أولى أن يعتز المسلمون بتاريخهم الهجري الذي يرتبط مباشرة بسيرة نبيهم وبنشأة حضارتهم. فكلما كتب المسلم تاريخًا هجريًا أو استحضر مناسبة من مناسباته، فإنه يستدعي في ذهنه قصة الهجرة وما تحمله من معاني الإيمان والثبات والتضحية.

ومع دخول عام هجري جديد، فإن المطلوب ليس الاكتفاء بتبادل التهاني أو استحضار الذكريات فحسب، بل أن تكون المناسبة محطة للمراجعة والتقويم. كم من عام مضى لم نستثمره كما ينبغي؟ وكم من فرصة للخير ضاعت؟ وكم من عمل صالح يمكن أن نبدأه في هذا العام الجديد؟ وقد قال النبي :” اغتنم خمسًا قبل خمس”، وذكر منها:” حياتك قبل موتك، وفراغك قبل شغلك.

إن التاريخ الهجري ليس مجرد تقويم زمني، بل هو عنوان لانتماء حضاري وذاكرة جماعية تحفظ للأمة شخصيتها واستقلالها الثقافي. وكلما تمسك المسلمون بتاريخهم واستلهموا معاني الهجرة النبوية، بقيت جذورهم راسخة في أرض الإيمان، واستطاعوا أن يجمعوا بين أصالة الماضي ومتطلبات الحاضر.

ومع مطلع هذا العام الهجري الجديد، نسأل الله أن يجعله عام خير وبركة وأمن وإيمان، وأن يفتح لنا فيه أبواب رحمته وفضله، وأن يوفقنا لطاعته وحسن عبادته، وأن يصلح أحوال المسلمين في كل مكان، ويجمع كلمتهم على الحق، ويرزقهم العزة والنصر والتمكين.