التفكير الناقد هو جزء أساسي من التعلم والتطور الفكري. يساعد التفكير الناقد الأفراد على تحليل وتقييم المعلومات بشكل منهجي ومنطقي، مما يساهم في اتخاذ قرارات مستنيرة وفهم عميق للمواضيع. فما هو التفكير الناقد؟ وماهو تصنيفه؟ وماهي أهم المهارات المرتبطة به؟ وهل هناك طرق معينة لبلوغ مستوى التفكير النقدي.

ترجع أولى المحاولات الموثقة للتفكير النقديّ إلى تعاليم سقراط التي سجلها أفلاطون. فقد شدد سقراط على أن الحقيقة لا يمكن بلوغها بالاعتماد على هؤلاء الموجودين في “السلطة” ولديهم المعرفة والبصيرة. ووضح أن هؤلاء ذوي السلطة والمكانة العالية ربما يكونون حائرين وغير عقلانيّين. كما أنه أسس لأهميّة طرح الأسئلة العميقة والتي تنفذ إلى التفكير قبل قبول أي فكرة باعتبارها مؤهلة لأن نعتقد بها.

التفكير النقدي و”التساؤل السقراطيّ”

وشدد سقراط على أهمية السعي لبلوغ الأدلة والفحص الدقيق للاستدلالات والافتراضات، وتحليل المفاهيم الأساسيّة واللحاق بالتداعيات ليس لما يُقال فقط بل لما يُفعل أيضًا. يُسمى منهجه في التساؤل الآن بـ “التساؤل السقراطيّ” ومعروف في خطط تعليم التفكير النقديّ. وفي طريقته في التساؤل يشدد سقراط على الاحتياج للتفكير بوضوح، وعلى أهمية التماسك المنطقيّ. ويطالب سقراط الناس أن تكشف مواطن اللا عقلانيّة في تفكيرهم، وعندما يفتقرون إلى المعرفة الموثوقة. كما يؤكد أن حيازة المرء للسلطة لا تعني موثوقيّة أحكامه أو معرفته.

ويؤسس سقراط الطريقة الصحيحة لمسائلة العقائد، والتحقيق في الافتراضات والاعتماد على الدليل والمنطق السليم. سجَّل أفلاطون تعاليم سقراط، ومارس التفكير النقديّ. كما عدَّل أرسطو والشكوكيّون اليونانيّون تعاليم سقراط مستخدمين التفكير النسقيّ وطرح الأسئلة لمعرفة الطبيعة الحقيقيّة للواقع بمعزل عن الطريقة التي تبدو بها الأشياء في الظاهر.

يضع سقراط مجموعة من التقاليد للتفكير النقدي، لمسائلة العقائد الشائعة والتفسيرات تأمليًا، والتفريق بين العقائد السليمة منطقيًا عن تلك التي تفتقر للدليل أو الأسس العقلانيّة، والتي رغمًا عن ذلك تبدو للأنانيّة الفطريّة صحيحة، التي تخدم مصالحنا المحدودة أو تسبب لنا الراحة.

ماهو التفكير الناقد؟

حاول العديد من الباحثين تقديم تعريف واضح للتفكير الناقد، إلا أنهم وجدوا بأن هذا المصطلح يعد من المفاهيم الغامضة نسبيا التي تتردد دائما، بحيث يصعب تعريفها بشكل محدد، فهنالك تباين بين علماء النفس في تحديد التفكير الناقد نظرا لأطرهم الفلسفية ونظرياتهم وثقافتهم في النظر إلى التفكير الناقد.

وعموما يمكن تعريف التفكير الناقد بأنه القدرة على تقييم وتحليل المعلومات والأفكار بشكل منطقي ومنهجي، بغض النظر عن مصدرها. إنه يتضمن النظر بعمق في الموضوعات، وفحص الأدلة المقدمة، واستنتاج النتائج بناءً على تقييم دقيق. ويعزز التفكير الناقد القدرة على تطوير وجهات نظر مستنيرة واتخاذ قرارات موضوعية.

وتُعرّف موسوعة ويكيبيديا التفكير الناقد (بالإنجليزية: critical thinking)‏ بأنه “التحليل الموضوعيّ للحقائق لصياغة حُكم”. وللتفكير الناقد العديد من التعريفات تتفق جميعها في أنه تحليل عقلانيّ شكوكيّ غير متحيّز، أو هو تقييم الأدلة والحقائق. والتفكير النقديّ هو عملية موجهة ومنظّمة ومتابَعة ذاتيًا وتصحح نفسها بنفسها. وهو يفترض التوافق بشأن معايير معينة والاستخدام اليقظ لها. كما يتضمن التواصل الفعّال والقدرة على حل المشكلات، والالتزام بالتغلب على الأنانيّة الفطريّة والأعراف المجتمعيّة.

وربما يتم تعريف التفكير الناقد بأنه “المقدرة على التحقق من الافتراضات، الأفكار، هل هي حقيقية، أو تحمل جزء من الحقيقة، أو أنها غير حقيقية”، وقد يتم تعريفة بأنه “تفكير تأملي معقول يركز على ما يعتقد به الفرد أو يقوم بأدائه”، وهو فحص وتقويم الحلول المعروضة من أجل إصدار حكم حول قيمة الشيء.

ويأتي التفكير الناقد في قمة هرم بلوم، وهو أرقى أنواع التفكير، ويكون من وجهة نظر بلوم القدرة على عملية إصدار حكم وفق معايير محددة.

تصنيف التفكير الناقد

التفكير الناقد أو التفكير النقدي يأتي في قمة هرم تصنيف الأهداف التعليمية والذي يعرف باسم تصنيف بلوم وهو وفق هذا التصنيف أرقى أنواع التفكير. وتصنيف بلوم هو تصنيف لمستويات الأهداف الدراسية التي يضعها المدرسون لطلابهم. وأول من صنف هذه الأهداف كان عالم علم النفس التربوي في جامعة شيكاغو بنيامين بلوم عام 1956م.

ووفق هذا التصنيف تم تقسيم الأهداف التعليمية إلى ثلاث نطاقات كما يلي:

  1. النطاق الإدراكي
  2. النطاق السلوكي
  3. والنطاق الحركي النفسي

وهذا التصنيف هو هيكلي أو هرمي، بمعنى أن تعّلم معرفة في مستوى أعلى يعتمد على اكتساب معرفة أو مهارة في مستوى أدنى منها. وكان هدف بلوم من طرح هذا التصنيف تشجيع المدرسين على التركيز على النطاقات الثلاثة من أجل خلق نظام تعليمي شمولي.

ويمكن تصنيف التفكير الناقد إلى عدة أنواع:

التحليلي: ينطوي على تفكيك المشكلة أو الموضوع إلى أجزائه المكونة، واستنتاج العلاقات بينها.

التقييمي: ينطوي على تقييم معتقدات أو أفكار معينة باستخدام معايير محددة، وتقديم رأي مستنير بناءً على ذلك.

الإبداعي: يتضمن إيجاد حلول جديدة أو أفكار مبتكرة لمشكلة معينة، والتفكير خارج الصندوق.

التفكير النقدي اللغوي: يتعلق بتحليل وتقييم الخطابات والكلمات من حيث المعنى والمنطق.

خطوات التفكير الناقد

يمكن تحديد الخطوات التي يمكن أن يسير بها المتعلم لكي تحقق لديه مهارات التفكير الناقد على النحو التالي:

  • جمع سلسلة من الدراسات والأبحاث والمعلومات والوقائع المتصلة بموضوع الدراسة.
  • استعراض الآراء المختلفة المتصلة بالموضوع.
  • مناقشة الآراء المختلفة لتحديد الصحيح منها وغير الصحيح.
  • تمييز نواحي القوة ونواحي الضعف في الآراء المتعارضة.
  • تقييم الآراء بطريقة موضوعية بعيدة عن التحيز والذاتية.
  • البرهنة وتقديم الحجة على صحة الرأي الذي تتم الموافقة عليه.
  • الرجوع إلى مزيد من المعلومات إذا ما استدعى البرهان والحجة ذلك.

ويتطلب هذا النوع من التفكير القدرات التالية:

  • الدقة في ملاحظة الوقائع والأحداث.
  • تقييم موضوعي للموضوعات والقضايا.
  • توفر الموضوعية لدى الفرد والبعد عن العوامل الشخصية.

وحتى يمكن تنمية هذا النوع من التفكير، فإن ذلك يتطلب مراعاة عدد من العوامل المتصلة، وهي:

  • النقد العلمي، وعدم الانقياد للآراء الشائعة التي يتناقله الناس.
  • البعد عن النظر إلى الأمور من وجهة النظر الخاصة والتعصب لها.
  • البعد عن أخذ وجهات النظر المتطرفة.
  • عدم القفز إلى النتائج.
  • التمسك بالمعاني الموضوعية، وعدم الانقياد لمعان عاطفية.

مهارات التفكير الناقد

تعرف المهارة بأنها الأداء السهل الدقيق لمجموعة من الاجراءات والخطوات والعمليات القائمة على الفهم والتدريب لما يتعلمه الفرد عقليا أو حركيا مع توفير الوقت والجهد لتحقيق الأهداف المنشودة .

ومهارة التفكير الناقد عبارة عن عمليات عقلية محددة نمارسها ونستخدمها عن قصد في معالجة المعلومات والبيانات لتحقيق اهداف تربوية  متنوعة تترواح بين تذكر المعلومات ووصف الاشياء وتدوين الملاحظات الى التنبؤ بالامور وتصنيف الأشياء.

وهذه بعض مهارات التفكير الناقد:

  • التمييز بين الحقائق التي يمكن اثباتها او التحقق من صحتها وبين الادعاءات او المزاعم الذاتية او القيمية .           
  • التمييز بين المعلومات والادعاءات والاسباب ذات العلاقة بالموضوع وتلك التي تقحم على الموضوع ولا ترتبط به
  • تحديد المصداقية مصدر المعلومات .                                                            
  • تحديد الدقة الحقيقة للخبر او الرواية                                                              
  • التعرف على الادعاءات او البراهين والحجج الغامضة                                          
  • التعرف على الافتراضات غير الظاهرة او المتضمنة في النص                               
  • تحري التحيز او التحامل .                                                                        
  • التعرف على المغالطات المنطقية                                                                  
  • التعرف على اوجه التناقض او عدم الاتساق في مسار عملية الاستدلال من المقدمات او الوقائع 
  • تحديد درجة قوة البرهان او الادعاء                                                              

وينطوي التفكير الناقد على مجموعة من المهارات التي يمكن تعلمها والتدرب عليها وإجادتها، وقد كانت هناك محاولات عدة لتحديد هذة  المهارات وهي :

 مهارات التحليل: القدرة على تحليل المعلومات وتفكيكها إلى أجزائها المكونة لفهمها بشكل أعمق.

مهارات التقييم: القدرة على تقييم الأدلة والمعلومات واستنتاج النتائج بناءً على معايير محددة.

مهارات الاستنتاج: القدرة على استخلاص نتائج واستنتاجات من المعلومات المتاحة.

مهارات  الاستنباط: القدرة الفرد على تحديد بعض النتائج المرتبة على المقدمات أو المعلومات السابقة لها .

مهاراتالافتراضات أو المسلمات: القدرة على التميز بين درجة صدق معلومات محددة أو عدم صدقها، التمييز بين الحقيقة والراي والغرض من المعلومات المعطاة.

مهارات التصفية: القدرة على التمييز بين المعلومات الهامة والغير هامة.

مهارات تقويم الحجج: القدرة على تقويم الفكرة وقبولها او رفضها والتمييز المصادر الاساسية والثانوية , والحجج القوية والضعيفة.                                                                                          

مهارات النقد: القدرة على تقديم آراء نقدية مبنية على أدلة قوية.

مهارات الاستدلال: القدرة على استخدام المنطق في توجيه الحجج والاستدلال بشكل فعال.                   

أهمية التفكير الناقد

يعتبر الكثير من المفكرين أن الهدف من تعليم التفكير الناقد هو تطوير قدرة المتعلمين على الموضوعية والالتزام بالوضوح والدقة.

وتكمن أهمية التفكير الناقد فيما يلي:

  • يحسن من  قدرة المعلمين في مجال التدريس                                                   
  • يحسن من تحصيل الطلبة في المواد الدراسية المختلفة                                        
  • يشجع الطلبة على ممارسة مجموعة كبيرة من مهارات التفكير مثل حل المشكلات
  • يشجع على إيجاد بيئة صفية مريحة تتسم بحرية الحوار والمناقشة الهادفة                  
  • ينمي قدرة الطالب على التعلم الذاتي بالبحث والتقصي عن المعرفة الواضحة
  • اكساب المتعلمين القدرة على اتخاذ القرارات                                                  
  • اكساب المتعلمين مهارة الحوار والمرونة والميل إلى المناقشة وتوليد الأفكار                 
  • اكساب المتعلمين القدرة على النقد الموضوعي                                                  
  • اكساب المتعلمين القدرة على الملاحظة الدقيقة لما يدور حولهم                                                                                   

الخلاصة

إن التفكير الناقد هو عملية أساسية لتطوير فهمنا للعالم واتخاذ قرارات مناسبة، وذلك من خلال تطوير مهارات التحليل والتقييم والاستنتاج، حيث يمكننا أن نصبح مفكرين أكثر فعالية ومستنيرين في مواجهة التحديات واستيعاب المعرفة.