يتناول هذا المقال مفهوم العدالة في منظور الاقتصاد الإسلامي، ويعيد بناءه ضمن إطار يجمع بين التأصيل الشرعي والتحليل الاقتصادي والتطبيق المؤسسي. فالعدالة الاقتصادية في الإسلام لا تُختزل في التسوية الحسابية بين الأفراد، ولا في إعادة توزيع الدخل بعد نشوء الاختلالات فحسب؛ إذ تبدأ من عدالة إتاحة الموارد والفرص، وتمتد إلى عدالة الإنتاج والتبادل والأجر والتعاقد، ثم إلى التوزيع وإعادة التوزيع والضمان المعيشي وحماية المال العام وحقوق الأجيال القادمة. ويقرر المقال أن العدل هو الأصل الحاكم، وأن المساواة إحدى أدواته عندما تتساوى المراكز والظروف، بينما يقتضي العدل مراعاة الفروق المؤثرة عندما تختلف الالتزامات والحاجات والاستحقاقات. ويناقش المقال مفهوم «الكفاية المعتبرة» ويعرض أيضًا أهم الآليات الشرعية والمؤسسية لتحقيق العدالة، وفي مقدمتها العمل والكسب المشروع، والزكاة، والوقف، والميراث، والنفقات الواجبة، والسياسة المالية العادلة، ومنع الربا والاحتكار والغش وأكل أموال الناس بالباطل وذلك باستقراء الأصول الشرعية والقواعد الفقهية وتحليل تطبيقاتها الاقتصادية والمؤسسية.

مقدمة

حظي مفهوم العدالة باهتمام واسع في الفقه والفكر والاقتصاد؛ لأنه يتصل مباشرةً باستقرار المجتمع، وصيانة الحقوق، وحسن توزيع المنافع والأعباء. ويرجع أصل العدالة إلى «العَدْل»، وهو الاستقامة والإنصاف ووضع الأمور في مواضعها، مع إعطاء كل صاحب حق حقه من غير بخس ولا محاباة.1 وقد جعل القرآن إقامة العدل مقصدًا عامًا في الحكم والمعاملة، فقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾ [النحل: 90]، وقال: ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ [النساء: 58]، وأمر بالعدل حتى مع الخصومة فقال: ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: 8].

وتنبع أهمية دراسة العدالة الاقتصادية من أن النشاط الاقتصادي يشمل إنتاج السلع والخدمات إلى تحديد من يملك الموارد، ومن يستطيع الدخول إلى السوق، وكيف تتوزع الدخول والثروات، ومن يتحمل المخاطر والأعباء، وما الحد الأدنى الذي يضمن للإنسان حياة كريمة. وإذا تركت هذه المسائل من غير ضوابط أخلاقية وقانونية ومؤسسية، أمكن أن تتحول الحرية الاقتصادية إلى استغلال، والملكية إلى احتكار، والنمو إلى تركز للثروة، والمنافسة إلى إقصاء للفئات الأضعف.

تتمثل الإشكالية التي يتطرق لها المقال في بيان الكيفية التي ينظم بها الاقتصاد الإسلامي العلاقة بين عدالة الفرص والإنتاج والتبادل والتوزيع والضمان المعيشي، ومدى قابلية هذه المبادئ للتحول إلى مؤسسات وسياسات معاصرة قابلة للقياس. ويهدف المقال إلى تأصيل مفهوم العدالة الاقتصادية، وتحديد أدواتها الشرعية، وبيان متطلبات تطبيقها المؤسسي.

مفهوم العدالة الاقتصادية وحدودها

يعتبر العدل أوسع من المساواة، ولو تفحصنا معنى المساواة فهي التسوية بين طرفين أو أكثر، أما العدل فيعني إعطاء كل طرف ما يستحقه وفق مركزه وحاجته والتزامه. ولهذا تكون المساواة عادلة عندما تتساوى الظروف والمراكز القانونية، وتصبح التسوية ظلما عندما تهمل فروقا مؤثرة.

وقد عبّر الشيخ ابن عثيمين – رحمه الله- عن هذه الفكرة بقوله: «دين الإسلام دين العدل، وهو الجمع بين المتساويين، والتفريق بين المفترقين».2 وبذلك لا يصح جعل المساواة المطلقة غاية مستقلة عن العدل، وإنما تُقاس المساواة بمدى تحقيقها للإنصاف الشرعي ومنع التمييز غير المشروع.3

وفي المجال الاقتصادي تقتضي المساواة العادلة فتح فرص التعليم والعمل والاستثمار والتقاضي والخدمات الأساسية أمام الناس من غير تمييز بسبب العرق أو النسب أو المحسوبية، بينما يسمح العدل بتفاوت الدخول والمكافآت عندما يكون التفاوت ناشئًا عن اختلاف معتبر في العمل أو المهارة أو المخاطرة أو المسؤولية، بشرط ألا يتحول إلى استغلال أو احتكار أو حرمان للآخرين من الضروريات والفرص.

مستويات العدالة ذات الصلة بالاقتصاد

ومن الضروري التمييز بين أربعة مستويات مترابطة للعدالة الاقتصادية:

  1. عدالة الفرص والوصول: وتعني قدرة الأفراد على الوصول المنصف إلى التعليم والعمل والتمويل والأسواق والمعلومات والخدمات والبنية الأساسية.
  2. عدالة المعاملات والإجراءات: وتشمل الرضا والشفافية والوفاء بالعقود ومنع الغش والغرر والاستغلال، والمساواة أمام القضاء والجهات الرقابية.
  3.  العدالة التوزيعية: وتتعلق بتوزيع الدخل والثروة والموارد العامة والتوظيفات المالية والمنافع الاجتماعية بطريقة تحول دون الحرمان والتفاوت الفاحش غير المشروع.
  4.  العدالة التصحيحية والتعويضية: وتتصل برد الحقوق، وإزالة الضرر، وتعويض المتضرر، ومساءلة المعتدي والمتسبب في الخسارة.

ولا تعمل هذه المستويات منفصلة عن بعضها فقد يبدو توزيع الدخل عادلا في لحظة معينة، مع بقاء فرص التعليم والتمويل محتكرة، كما قد تكون إجراءات السوق منضبطة بينما تظل فئات واسعة عاجزة عن توفير حاجاتها الأساسية. لذلك تتطلب العدالة نظرة  عميقة فاحصة تشمل قواعد ما قبل التوزيع، وآليات التوزيع الأولي الناتج من العمل والملكية، ثم أدوات إعادة التوزيع والتكافل، وهو ما تؤكده الأدبيات التي تربط بنية الإنتاج وفرص المشاركة بنتائج التوزيع.4،5

 الأسس الشرعية والفكرية للعدالة الاقتصادية

تقوم الرؤية الإسلامية على وحدة القيم والعبادات والمعاملات حيث يخضع النشاط الاقتصادي لمبادئ المسؤولية الأخلاقية ومنها الأمانة والاستخلاف والمساءلة، ومن أبلغ ما يوضح هذا المعنى تقرير ابن القيم أن الشريعة عدل ورحمة ومصلحة وحكمة، وأن ما يخرج من العدل إلى الجور ومن المصلحة إلى المفسدة لا يكون من حقيقتها.6

لقد قرر علماء المقاصد أن الشريعة جاءت لجلب المصالح ودرء المفاسد، وأن حفظ المال لا يقف عند حماية الملكية المجردة، وإنما يشمل تنمية المال وصيانته من الإتلاف والفساد، وحماية حقوق المتعاملين، وتوفير ما تقوم به حياة الناس. وعبّر العز بن عبد السلام عن ذلك بأن أحكام الشريعة تدور على المصالح ودرء المفاسد،7 وبيّن الشاطبي أن التكاليف موضوعة لمصالح العباد في الدنيا والآخرة.8

 التوازن بين الفرد والمجتمع

يعترف الاقتصاد الإسلامي بدافع التملك والكسب والادخار والاستثمار، ويجعل الأصل في المعاملات الإباحة ما لم تتضمن محرمًا أو ضررًا. وفي الوقت نفسه يقيد ممارسة الحقوق بعدم الإضرار بالآخرين أو الاعتداء على المال العام أو احتكار الموارد الأساسية. وبهذا يجمع بين الحافز الفردي والمسؤولية الاجتماعية، ولا يجعل مصلحة الفرد مطلقة على حساب الجماعة، ولا يذيب الفرد وطاقاته في كيان جماعي يصادر حريته وملكيته.9

المنظور الإسلامي يرفض إطلاق الملكية الخاصة من كل قيد ، كما يرفض إلغاءها أو تحويلها إلى استثناء هامشي، وتخضع أنماط الملكية العامة والخاصة والمجموعية والمختلطة للمصلحة والضوابط الشرعية. ويجب تبعا للحاجات المعاصرة والسياسات الاقتصادية للدولة التمييز بين ملكيات: المشاعية المادية (لثروات المباحات العامة) والعامة والخاصة والمجموعية والمختلطة، حتى يأخذ كل قطاع اقتصادي تابع لهذه الملكيات دوره الضروري في النشاطات وعمليات التنمية الاقتصادية.

الكرامة الإنسانية والتكافل

الأصل الإنساني واحد، والتفاضل عند الله بالتقوى والعمل الصالح، ولا يجوز أن تكون الأعراق أو الأنساب أو الطبقات أساسًا لحرمان الإنسان من كرامته أو حقوقه الأساسية. ويؤكد حديث «الناس بنو آدم وآدم من تراب» هذا الأصل الأخلاقي العام.10 وينتقل هذا الأصل في الاقتصاد إلى حماية الضعيف، ومنع أكل أموال الناس بالباطل، وإلزام المجتمع والدولة بأشكال من التكافل عند العجز والحاجة.

وقد ربط عدد من باحثي الاقتصاد الإسلامي بين العدالة والتنمية؛ فالعدالة لا تقتصر على إعادة توزيع الدخل أو تقديم الإعانات النقدية، وإنما تشمل تنمية قدرات الإنسان، وتيسير وصوله إلى التعليم والتدريب والتمويل، وتمكينه من العمل والإنتاج والمشاركة في ثمار التنمية. ولذلك ينبغي أن تتكامل التحويلات الاجتماعية الموجهة إلى العاجزين مع سياسات تمكين القادرين على الكسب، وتوسيع فرص العمل والعمل الحر والمشروعات الصغيرة.9 وقد تناول عبد الحميد براهيمي كذلك العلاقة بين العدالة الاجتماعية والتنمية في الاقتصاد الإسلامي.11

مجالات العدالة في النشاط الاقتصادي

يبدأ تحقيق العدالة من تمكين القادر من العمل المنتج، وتوفير التدريب والمعلومات والبنية الأساسية والتمويل المشروع. فالاعتماد الدائم على التحويلات لا يكفي إذا كان الإنسان قادرًا على الكسب لكنه محروم من أدواته أو من الوصول إلى السوق. ومن ثم ينبغي أن تتجه السياسات إلى مكافحة البطالة، وتحسين المهارات، ودعم المشروعات الصغيرة، وإزالة العوائق غير المشروعة أمام دخول الأسواق.9

وتشمل عدالة العمل وضوح العقد والأجر والمهام وساعات العمل، وأداء الأجر في وقته، وتوفير السلامة، ومنع التمييز والعنف والعمل القسري واستغلال حاجة العامل. وتشمل مسؤولية العامل أيضًا عن الإتقان والأمانة وعدم إهدار موارد المنشأة. وبذلك تُبنى العلاقة على الحقوق المتبادلة لا على الصراع الدائم بين رأس المال والعمل.9

العدالة في التبادل والعقود

يقوم التبادل العادل على الرضا الحقيقي والعلم الكافي بالمبيع والثمن والمخاطر، وعلى منع الغش والتدليس والنجش والغرر الفاحش. ولا يكفي وجود توقيع شكلي على العقد إذا استُغلت حاجة أحد الطرفين أو حُجبت عنه المعلومات أو فُرضت عليه شروط مجحفة. وقد قرر الفقهاء أن الأصل في المعاملات تحقيق العدل بين المتعاقدين، وأن الشرط المناقض لمقصود الشريعة أو المتضمن لأكل المال بالباطل لا يكتسب المشروعية بمجرد الاتفاق عليه.12

وتزداد أهمية هذه المبادئ في العقود المالية المعاصرة التي تتسم بالتعقيد الفني وعدم تكافؤ المعلومات. وهنا يظهر دور الإفصاح، وحماية المستهلك، والرقابة الشرعية والقانونية، ومنع الرسوم الخفية والتضليل التسويقي، وتيسير آليات الشكوى وتسوية النزاعات.

العدالة في التوزيع وإعادة التوزيع

يتولد التوزيع الأولي للدخل من العمل والملكية والاستثمار والمبادلة، ولذلك لا يمكن إصلاح اختلاله بالصدقات وحدها. فمتى كانت الأسواق محتكرة، أو الأجور مجحفة، أو فرص التعليم والتمويل محصورة، فإن إعادة التوزيع تعالج النتائج من غير إزالة أسبابها. ولهذا تجمع الرؤية الإسلامية بين إصلاح قواعد الإنتاج والسوق وبين أدوات إعادة التوزيع.

وتقرر الآية، في سياق توزيع الفيء، مبدأ منع انحصار المال المتداول في فئة الأغنياء، قال تعالى: ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾ [الحشر: 7]. ويُستأنس بهذا المبدأ في بناء سياسات تحد من تركز الثروة واحتكار المنافع العامة، من غير أن يفيد ذلك إلغاء الملكية أو التفاوت المشروع. وقد تناولت الأدبيات الاقتصادية الإسلامية العلاقة الوثيقة بين التوزيع وإعادة التوزيع، ودور الزكاة والميراث والخدمات العامة في الحد من تركز الثروة.5

 العدالة بين الأجيال

تشمل العدالة الاقتصادية الأحياء والأجيال القادمة، ولا تنحصر آثارها في لحظة زمنية واحدة. ومن مقتضياتها المحافظة على الموارد والمال العام، وتجنب السياسات التي تستنزف أصول المجتمع أو تنقل أعباء غير مبررة إلى الأجيال القادمة، بما ينسجم مع مقاصد حفظ المال والعمران، وقواعد منع الضرر والإفساد في الأرض، وتوجيه السياسات الاقتصادية نحو الاستدامة. وقد أشار شابرا إلى أبعاد التنمية المستدامة في ضوء مقاصد الشريعة، ودور البيئة المؤسسية والاجتماعية المُمكِّنة، ورفاه الإنسان والتضامن الاجتماعي في تحقيق العدالة بين الأجيال.13

مفهوم الكفاية المعتبرة

تعد «الكفاية المعتبرة» من أهم المفاهيم التي تربط الفقه بالسياسة الاجتماعية. والمقصود بها توفير القدر الذي يكفي الفرد ومن تلزمه نفقته في الحاجات الأساسية المناسبة، لا مجرد إبقائه عند حد البقاء البيولوجي. والكفاية ليست رقمًا ثابتًا لكل الأزمنة والبلدان؛ إذ يراعى فيها عدد أفراد الأسرة، والأسعار، والسكن، والصحة، والتعليم، ووسائل الانتقال اللازمة، وطبيعة العمل، ومستوى المعيشة المعتاد من غير إسراف.

وقد استعمل الفقهاء مفهوم الكفاية في تحديد الغنى المانع من الزكاة وفي مقدار ما يعطى للفقير. ويذكر ابن قدامة في كتاب الزكاة أن من لا يجد قدر كفايته يكون من أهل الزكاة ولو امتلك بعض المال، وأن العبرة بقدر ما يكفيه ويكفي من يعول.14 وأبرزت الدراسات الحديثة للحاجات الأساسية أن تحديد الكفاية قضية توزيعية وتنموية في آن واحد؛ لأنها تؤثر في الصحة والتعليم والإنتاجية والاستقرار الاجتماعي.15

مستويات التدخل لتحقيق الكفاية

يتدرج الضمان المعيشي في المنظور الإسلامي عبر دوائر متكاملة:

• مسؤولية الفرد القادر عن العمل والكسب المشروع وتطوير مهاراته.

• مسؤولية الأسرة والنفقات الواجبة بحسب أحكام القرابة والزوجية.

• التكافل التطوعي من الصدقات والهبات والقرض الحسن والتعاون المجتمعي.

• الزكاة حق مالي واجب لمصارف محددة، وليست إحسانًا اختياريًّا.

• الوقف والمؤسسات الأهلية التي تمول التعليم والصحة والسكن والخدمات العامة.

• مسؤولية الدولة وبيت المال عن العاجزين وعن الخدمات العامة والسياسات التي تحمي فرص العمل والمعيشة.

ويعتبر كتاب «الأموال» لأبي عبيد من المصادر التراثية المهمة في بيان موارد الدولة ومصارفها والفيء والخراج والصدقات وحقوق الرعية في المال العام.16 وناقشت دراسات الضمان الاجتماعي الإسلامي دور الزكاة والنفقات والخدمات العامة في إعادة التوزيع رأسيًّا لمصلحة الأشد حاجة وأفقيًّا بين الأسر والحالات المختلفة.17

من الإعانة إلى التمكين

تختلف حاجات المستحقين؛ فمنهم من يعجز عجزًا دائمًا ويحتاج إلى دخل دوري، ومنهم من يستطيع العمل إذا توافرت له أداة مهنة أو رأس مال صغير أو تدريب. ولهذا ينبغي أن تميز مؤسسات الزكاة بين الإغاثة الفورية والتمكين الإنتاجي، وأن تبني قراراتها على دراسة حالة الأسرة وجدوى المشروع والمتابعة، مع عدم تأخير الغذاء والعلاج والسكن العاجل بحجة الاستثمار.

وقد عالج يوسف القرضاوي18 ورفيق يونس المصري19 هذه المسألة في بحوث الزكاة، وأكدا إمكان إعطاء الفقير ما يخرجه من الحاجة بحسب حاله، مع مراعاة الخلاف الفقهي وضوابط التمليك والمصلحة. وأجاز مجمع الفقه الإسلامي الدولي من حيث المبدأ توظيف أموال الزكاة في مشروعات تنتهي إلى تمليك المستحقين أو تتبع الجهة الشرعية، بشرط تلبية الحاجات الفورية وتوفير ضمانات الحد من الخسارة.20

أدوات تحقيق العدالة الاقتصادية

  1. الزكاة : الزكاة أداة عبادة وتطهير وتكافل وإعادة توزيع. وهي لا تقف عند التحويل النقدي؛ إذ يمكن أن تسهم في سداد الديون المشروعة، وعلاج الفقراء، ودعم ابن السبيل، وتمكين القادرين على الكسب وفق الضوابط. ولكي تؤدي دورها تحتاج إلى حصر دقيق للأموال الزكوية والمستحقين، وحوكمة مؤسسية، وتنسيق بين الجهات، ومنع الازدواجية، وقياس أثر الصرف على خروج الأسرة من دائرة الحاجة.

وقد دعا قرار مجمع الفقه الإسلامي الدولي بشأن تفعيل دور الزكاة إلى تنظيم جمعها وصرفها والاستفادة من الاجتهادات الفقهية في مكافحة الفقر، وأجاز إقامة مشروعات إنتاجية أو خدمية وفق الضوابط المقررة.21 وتمثل هذه القرارات اجتهادًا فقهيًّا جماعيًّا مؤسسيًّا معتبرًا، لكنها لا تُوصف بالإجماع الفقهي الشامل إلا إذا تحقق الإجماع بشروطه.

2. الوقف والتمويل الاجتماعي: يكمل الوقف الزكاة؛ فالزكاة حق دوري لمصارف محددة، بينما يسمح الوقف بحبس أصل منتج وتخصيص ريعه للتعليم والصحة والسكن والمقال العلمي والإغاثة. ويحقق الوقف الاستثماري استدامة التمويل إذا أُدير بكفاءة وحفظ أصله وخضع لإفصاح ومحاسبة. ويمكن للمؤسسات المعاصرة تطوير صناديق وقفية متخصصة، 22 وربطها بمؤشرات الأثر الاجتماعي؛ لأجل تحويل الأهداف المجتمعية المجردة إلى نتائج ملموسة.

وتشمل أدوات التمويل الاجتماعي كذلك الصدقات والقرض الحسن والوصايا والهبات وصناديق التكافل. وينبغي تنسيق هذه الأدوات بحيث تمول الاحتياجات التي لا تغطيها الزكاة أو لا تتناسب مع قيود مصارفها، بدل تحميل الزكاة جميع أعباء السياسة الاجتماعية.

3. الميراث والنفقات الواجبة: يسهم نظام الميراث في إعادة توزيع جزء من الثروة بين عدد من الورثة، ويحد في الأحوال المعتادة من بقائها محصورة في يد وارث واحد، مع السماح بالوصية في حدودها الشرعية. وتؤدي النفقات الواجبة أيضًا دورًا في تحميل الأسرة مسؤوليتها قبل انتقال العبء كاملًا إلى المجتمع والدولة. وهذه الأدوات تعالج التوزيع داخل الأجيال وبينها، لكنها تحتاج إلى إنفاذ قضائي ومنع التحايل وحرمان النساء أو الصغار من حقوقهم.5

4. منع الربا والاحتكار والغش: يمنع الاقتصاد الإسلامي وسائل الكسب التي تنفصل عن تحمل المسؤولية أو تقوم على الظلم وأكل المال بالباطل. وتحريم الربا لا يعني تحريم العائد على الاستثمار، وإنما يوجه التمويل نحو البيع والإجارة والمشاركة والمضاربة وغيرها من العقود التي ترتبط بأصل أو منفعة أو مخاطرة مشروعة. ويحرم أيضًا الاحتكار والتواطؤ والغش والتدليس، ويجيز تدخل السلطة لمنع الضرر وضبط السوق وحماية المنافسة.9

ولا تتحقق العدالة بمجرد تسمية المنتج «إسلاميًّا»؛ فالعبرة بحقيقة العقد وآثاره وتوزيع المخاطر والتكاليف، لا بصورته اللفظية. فإذا نقلت صيغة ما جميع المخاطر إلى الطرف الأضعف، أو أخفت كلفتها الحقيقية، أو اتخذت حيلة للوصول إلى نتيجة محرمة، تعين مراجعتها في ضوء المقاصد والعدالة التعاقدية.

5. السياسة المالية والخدمات العامة: تتحمل الدولة مسؤولية إدارة المال العام بكفاءة، وتوجيه الإنفاق إلى الأولويات، وتوفير التعليم والصحة والبنية الأساسية والأمن والقضاء والرقابة. ويجب أن تكون التوظيفات المالية والرسوم عند الحاجة إليها وفق الاجتهاد الفقهي وأنظمته القانونية واضحة وعادلة ومتدرجة بحسب القدرة، وألا تُستخدم لتمويل الإسراف والفساد. وينبغي أيضًا تقييم أثر الموازنة على الفقر والبطالة وتوزيع الدخل جغرافيًّا واجتماعيًّا.9،22

وتحتاج العدالة إلى توازن بين الدعم العام والتحويلات الموجهة؛ فالدعم غير المنضبط قد يستفيد منه الغني أكثر من الفقير، بينما قد تستبعد الاختبارات الصارمة بعض المحتاجين. والأصل تصميم منظومة تجمع بين خدمات عامة جيدة، ودعم موجّه، وتأمين اجتماعي، وبرامج تمكين، مع مراجعة دورية للنتائج.

القواعد الفقهية الداعمة للعدالة الاقتصادية

تُسهم القواعد الفقهية في تحويل المبادئ العامة إلى ضوابط عملية، ومن أهمها:

• «لا ضرر ولا ضرار» و«الضرر يزال»: وهما أساس منع الممارسات التي تضر بالأفراد أو السوق أو البيئة، وتبرير الرقابة والتعويض وإزالة آثار الاعتداء.

• «الأمور بمقاصدها» و«العبرة في العقود للمقاصد والمعاني»: فلا يُكتفى بالأسماء والصيغ إذا خالفت الحقيقة الاقتصادية المقصد الشرعي.12

• «الغرم بالغنم»: فمن يطلب العائد يتحمل ما يناسبه من المخاطرة والمسؤولية، ولا ينفرد بالربح مع إلقاء جميع الخسائر على غيره.12

• «المباشر ضامن وإن لم يتعمد»: وهي أصل في ضمان ما يتلفه الإنسان بمباشرته ولو لم يقصد الإتلاف. وتقرر قاعدة «لا يجوز لأحد أن يأخذ مال أحد بلا سبب شرعي» حرمة الاستيلاء على أموال الآخرين، وقد استُدل لها بحديث: «على اليد ما أخذت حتى تردَّه». وتؤسس القاعدتان للمسؤولية عن المال العام والخاص، ورد الحقوق، والتعويض عن التعدي أو التقصير.12

• «الأصل في المعاملات الإباحة»: وهو ما يفتح باب الابتكار الاقتصادي، بشرط خلو المعاملة من الربا والغرر والظلم والضرر.

• «التصرف على الرعية منوط بالمصلحة»: وهي قاعدة تضبط قرارات السلطة في المال العام والتنظيم الاقتصادي، وتلزمها بتحقيق منفعة عامة حقيقية لا منفعة فئة خاصة.

وينبغي تطبيق هذه القواعد تطبيقًا متوازنا فلا تتحول قاعدة المصلحة إلى ذريعة لتجاوز النصوص والحقوق، ولا تتحول الاحتياطات إلى تعطيل للابتكار والمعاملات النافعة. ويتطلب ذلك اجتهادًا يجمع بين معرفة الحكم الشرعي وفهم الواقع الاقتصادي والآثار المتوقعة.

معوقات تحقيق العدالة الاقتصادية

لا يكفي وجود النصوص والمبادئ إذا غابت المؤسسات أو ساء التنفيذ. ومن أبرز معوقات تحقيق العدالة الاقتصادية:

• الفساد والمحسوبية وتضارب المصالح والاستيلاء على المال العام.

• احتكار الأسواق والموارد والمعلومات، وضعف المنافسة وحماية المستهلك.

• عدم تكافؤ فرص التعليم والعمل والتمويل بين المناطق والفئات.

• ضعف نظم الزكاة والوقف، وتشتت البيانات، وغياب قياس الأثر والمتابعة.

• السياسات الاقتصادية غير الكفؤة التي تزيد البطالة والتضخم والمديونية من غير عائد تنموي.

• ضعف القضاء والرقابة، وبطء استرداد الحقوق، وارتفاع تكلفة التقاضي.

• الخلط بين العدالة والتسوية المطلقة، أو بين العدالة والنمو وحده، أو بين المقاصد والشعارات العامة غير القابلة للقياس.

وتؤدي هذه المعوقات إلى تآكل الثقة، وهروب الاستثمار المنتج، وانتشار الاقتصاد غير الرسمي، وتزايد الاعتماد على الإعانات، واتساع الفجوة بين القانون والتطبيق.

 النموذج التاريخي وحدود الاستفادة منه

قدمت التجربة النبوية وتجارب الخلفاء الراشدين نماذج مهمة في حماية المال العام، وتوزيع الفيء والصدقات، ومراقبة الأسواق، وإغاثة المحتاج، ومساءلة الولاة. إلا أن الاستفادة العلمية منها تقتضي تجنب الادعاء بأنها ألغت كل فقر أو تفاوت في جميع الأزمنة، أو أن نقل مؤسسة تاريخية بصورتها القديمة يكفي لحل مشكلات الاقتصاد الحديث.16

القيمة الأساسية للنموذج التاريخي هي استخلاص المبادئ: أولوية الحق، وشفافية المال العام، ووصول المستحق إلى حقه، ومسؤولية السلطة، وحماية السوق من الظلم. أما الوسائل الإدارية والمالية فتتطور بحسب حجم الدولة والتكنولوجيا وطبيعة الاقتصاد، مع بقاء الضوابط الشرعية والمقاصد الحاكمة.

متطلبات التطبيق المؤسسي للعدالة الاقتصادية

هذه مجموعة من المتطلبات المؤسسية التي تعد ضرورية لتفعيل العدالة الاقتصادية على أرض الواقع، من أبرزها:

• اعتماد مقياس وطني للكفاية المعتبرة يُحدّث دوريًّا بحسب الأسعار وحجم الأسرة والمنطقة والحاجات الصحية والتعليمية.

• إنشاء قاعدة بيانات موحدة -مع حماية الخصوصية- لتنسيق الزكاة والضمان والمساعدات والوقف ومنع الازدواجية والاستبعاد.

• ربط جزء من برامج الزكاة والتمويل الاجتماعي بالتدريب وأدوات المهنة والمشروعات الصغيرة، بعد تلبية الحاجة العاجلة.

• تحسين المنافسة والإفصاح وحماية المستهلك، ومراجعة العقود الموحدة والرسوم والعمولات والشروط المجحفة.

• إدخال تحليل الأثر التوزيعي في الموازنة والسياسات؛ لقياس من يستفيد ومن يتحمل التكلفة.

• تطوير حوكمة الأوقاف، وإدارة الأصول على أساس مهني، ونشر تقارير مالية وتقارير أثر اجتماعي.

• تقوية استقلال القضاء والجهات الرقابية، وتسريع تسوية المنازعات التجارية والعمالية ورد الحقوق.

• اعتماد مؤشرات للعدالة لا تقتصر على متوسط الدخل؛ وإنما تشمل فرص العمل وجودة الخدمات والقدرة على السكن والديون وتوزيع الثروة والحراك الاجتماعي.

ويتطلب تنفيذ هذه المحاور تعاون الفقهاء والاقتصاديين والقانونيين وخبراء البيانات والإدارة. فالاجتهاد المؤسسي المعاصر لا يكتمل ببيان الحكم المجرد، ولا تكفي الكفاءة الفنية إذا انفصلت عن القيم والحقوق. وقد أبرز الدكتور عمر  شابرا9 و الدكتور رفيق يونس المصري22  – رحمهما الله – ضرورة الجمع بين الإصلاح الأخلاقي والسياسات والمؤسسات والحوافز الاقتصادية في بناء نظام أكثر عدلا وكفاءة.

الخاتمة

العدالة الاقتصادية في الإسلام نظام متكامل يبدأ من الاعتراف بكرامة الإنسان وحقه في تكافؤ الفرص وبلوغ حد الكفاية المعتبرة، وينظم الملكية والعمل والعقود والأسواق، ويمنع الظلم والاستغلال، ثم يستخدم الزكاة والوقف والميراث والنفقات والسياسة المالية لإصلاح التوزيع وحماية العاجزين.

وتبين أيضا أن مفهوم الكفاية المعتبرة يوفر أساسا فقهيا مرنا لبناء سياسات اجتماعية قابلة للتحديث، وأن الانتقال من الإعانة إلى التمكين يجب ألا يكون على حساب الحاجة العاجلة. وتبيّن كذلك أن أدوات التمويل الإسلامي لا تحقق العدالة تلقائيًّا بمجرد تسميتها، وإنما تُقاس بعدالة آثارها وشفافيتها وتوزيعها الحقيقي للمخاطر والمنافع.

وتظل المؤسسة الكفؤة والقضاء العادل والرقابة والبيانات عناصر حاسمة؛ لأن ضعف التنفيذ قد يحول الأحكام والمبادئ إلى شعارات. ومن هنا فإن تجديد الاقتصاد الإسلامي في مجال العدالة يقتضي بناء سياسات قابلة للقياس والمساءلة، تجمع بين النص والمقصد، وبين الإيمان والعمل، وبين التكافل والإنتاج.