في زمنٍ تُعاد فيه صياغة الهويات، وتُستَنْبَت السرديات من رحم الأيديولوجيا أكثر من تربة الواقع، تبرز الحاجة إلى قراءات نقدية تُعيد الاعتبار للمعرفة المحلية التي طواها النسيان أو حوّلها الخطاب القومي إلى أداةٍ زخرفية. ومن هذا المنظور، جاءت محاضرة الدكتور طارق الربعي، الأستاذ المساعد في الأدب المقارن بجامعة الخليج للعلوم والتكنولوجيا، ضمن سلسلة محاضرات “وحدة دراسات الخليج والجزيرة العربية” في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات.

تحت عنوان من أبناء ابن ماجد إلى أبناء السندباد: عن المعرفة البحرية المحلية في الخليج وسياقاتها الأيديولوجية، قدم الربعي (بإدارة الباحث عبد الرحمن الباكر) محاولةً جريئة لاستعادة البحر من براثن التحديث الأحادي، وإعادة تأريخه كفضاءٍ معرفيٍّ حيّ، لا مجرد أطلال تُستعاد للاستهلاك الرمزي.

القطع المعرفيّ — حين استُبدلت اللؤلؤة بالنفط

لم تكن الكويت، في خمسينيات القرن العشرين، تشهد فقط تحوّلاً اقتصادياً من اقتصاد الرزق البحري إلى اقتصاد البترول، بل كانت تمرّ بـ انفصال معرفيّ عميق. ففي اللحظة التي قُطعت فيها آخر رحلة شراعية للغوص على اللؤلؤ، كانت الدولة الناشئة تُوجّه أنظارها بحدة من الشرق نحو الغرب، مُعلِنةً وفاة عالمٍ بحريّ عريق وبدء عصرٍ حضاريّ جديد.

رجل يرتدي الزي التقليدي الإماراتي يتحدث أمام جمهور، مع وجود لافتة خلفه تحمل شعار مركز الأبحاث، في بيئة مؤتمرات حديثة.
طارق الربعي

يُشير الربعي إلى أن المشروع الثقافي الكويتي في تلك الحقبة، رغم طموحه في الانضمام إلى “المعرفة العربية”، لم يُعنَ بالمعرفة البحرية المحلية، بل اعتبرها ترفاً فولكلورياً لا يليق بدولةٍ تُعيد تشكيل ذاتها في زمن القومية والحداثة.

  • تلميع الواجهة: ركّزت المطبوعات القومية آنذاك على صور التقدم، النفط، العمران الحديث، والجامعات، كأيقونات لـ “وجه الكويت الحضاري”.
  • البحر خارج السردية: ظل البحر مستبعداً من سرديّة البناء؛ لأنه بحسب منطق الفكر القومي لم يكن “مُهيَّأً” للاندماج في المشروع القومي العابر للحدود، بل كان يمثل مرحلةً يجب تجاوزها.

المعرفة البحرية — لغة الريح، وكتب الريح

إذا كان البحر قد غاب عن الخطاب القومي الرسمي، فإنه ظلّ حيًّا في “المعرفة المحلية” المتمثلة في الدلائل البحرية والرحمانيات والروزنامات— تلك الوثائق التي كتبها النواخذة بأيديهم، وسجّلوا فيها “لغة الملح”:

  1. الرحمانيات: كُتُبٌ ملاحية تدمج تجارب البحارة الشخصية مع نصوص عريقة تعود للقرن الخامس عشر لأقطاب مثل أحمد بن ماجد وسليمان المهري. هي تجسد “لغة هجينة”؛ ليست فصحى ولا عامية، بل لغة تُناور بين التراث والضرورة التقنية.
  2. الروزنامات: دفاتر يومية تُعد مستودعاً ضخماً للمعجم البحري، تسجل مسار السفينة، حالة الطقس، وتقنيات الملاحة.
قارب خشبي تقليدي يبحر في البحر، مع مجموعة من الرجال على متنه. يظهر بعضهم وهم يعملون بينما يجلس الآخرون. المياه هادئة، والسماء واضحة. صورة تاريخية تعكس الحياة البحرية.

لقد ساهم رواد مثل أحمد البشر الرومي، ربيعة بن صباح الكواري، وفالح حنظل في توثيق هذه اللغة عبر معاجم متخصصة، لكنها بقيت حبيسة الأرفف الأكاديمية، ولم تُدمج في الوعي الجمعي أو المناهج التعليمية، مما كرس إقصاء “المعرفة المحلية” لصالح “الوثيقة الاستعمارية” أو “السردية القومية”.

دراسات المحيط الهندي واستعادة الصوت المحلي

أشار الربعي إلى بروز مصطلح “المحلية” في دراسات المحيط الهندي كصنفٍ تحليلي يهدف للتحرر من المركزية الاستعمارية. إن فهم التطور التاريخي والفكري للمنطقة يجب أن ينطلق من السرديات المحلية بدل الاعتماد الكلي على الأرشيف البريطاني أو البرتغالي. ورغم أهمية هذا التوجه، يحذر المحاضر من نزعتين عند التعامل مع هذا التراث:

  • الحنين المفرط (Nostalgia): الذي يُضفي بريقاً أسطورياً على الماضي ويجعله ملاذاً من عيوب الحاضر، مما يؤدي لخلط المفاهيم.
  • التطويع الأيديولوجي: الذي يُسخّر هذه المعرفة لخدمة مشاريع سياسية، متغافلاً عن أن الروزنامات تسجل أيضاً التفاوت الاجتماعي والعنف الذي كان جزءاً من واقع تلك الحياة.

من ابن ماجد إلى السندباد — ابتكار الرمز

في الجزء الأكثر عمقاً، حلّل الربعي التمثيل الأدبي للبحر عبر تجربة الشاعر الكويتي محمد الفايز (1938–1991). يجادل الربعي بأن الفايز، الذي عاش حياة بيروقراطية ولم يركب البحر قط، استطاع “ترجمة” المعرفة البحرية بوعي حداثي وقومي.

رجل يتحدث في مؤتمر، يرتدي الزي التقليدي القطري مع عمامة، يجلس أمام طاولة تحتوي على زجاجات ماء وملاحظات، خلفه شاشة عرض.
عبد الرحمن الباكر

لقد قام الفايز باستبدال “أبناء ابن ماجد” بـ “أبناء السندباد”، ليس كتحريفٍ تاريخي، بل كـ استراتيجية ترجمة ثقافية:

  • ابن ماجد: يمثل الواقعية الملاحية، الدقة العلمية، والارتباط بالتراث الإسلامي-العربي التقليدي.
  • السندباد: رمز أسطوري (من ألف ليلة وليلة) يُمكن تطويعه في سرديّة الانفتاح، المغامرة، والعالمية.

هذه العملية تمت عبر تقاطع إطارين:

  1. الاستشراق: كما في كتاب “أبناء السندباد” (1940) للرحالة آلان فيليرز، الذي صوّر البحّارة برؤية رومانسية.
  2. الحداثة العربية: كما في نصوص حسين فوزي (سندباد معاصر) ومذكرات بحار للفايز، حيث تحول السندباد من “بحار يعيش من البحر” إلى “رمز يكتب عن البحر.

البحر كصراع على الذاكرة

لا تنتهي المحاضرة بإعادة تأريخ البحر، بل بطرح سؤالٍ وجودي حول سلطة التمثيل: من يملك الحق في رواية تاريخ الخليج؟ هل هم النواخذة والغواصون بأصواتهم المبحوحة؟ أم الخطاب القومي الذي أنتج رموزاً جديدة؟ أم الاستشراق الذي حوّل المعرفة إلى أسطورة؟

إن التمثيلات المتنازعة للبحر في الخليج ليست مجرد ترف أكاديمي، بل هي معركة مستمرة على الذاكرة التاريخية، وعلى مستقبل ثقافة منطقة تتشكل هويتها اليوم في المسافة القلقة بين الرمال والنفط، وبين الذكرى والمشروع.