من القضايا التي تؤرق الإنسان من حين لآخر قضية الإدعاء بإننا لا نمتك منهجًا علميًّا أو أن الأمة عالة على الغرب في قضية المنهج، وهذا ناتج عن جهل عظيم بتراث الأمة في كافة المجالات، كما أنه ناتج عن تقليد أعمي وعدم إدارك قيمة ماعند الإنسان من معرفة، كما قال ابن خلدون في مقدمته إن الأمم المهزومة مولعة بتقليد الأمم المنتصرة في كل شيء، وتظن بذلك أنها تحقق تقدمًا.

لك أن تتأمل التراث بكافة تخصصاته وتنوعاته المختلفة لتعلم كيف أسس المسلمون لقضية المنهج بصورة دقيقة، وقبل أن نخوض في أروقة التراث، نقف عند حديث معاذ ( رضي الله عنه) عن عبدالله بن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله  لـ معاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن: ” إنك ستأتي قومًا أهل كتاب، فإذا جئتَهم فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فتُرَدُّ على فقرائهم، فإن هم أطاعوا لك بذلك فإياك وكرائمَ أموالهم، واتقِ دعوة المظلوم؛ فإنه ليس بينه وبين الله حجابٌ”. (أخرجه البخاري ومسلم)

فهذا منهج في التعامل مع البشر، منهج في العلوم السياسية، والقضاء، كيف يقضي القاضي بين الناس، منهج في ترتيب المعلومة والأولويات، من يأتي في البداية، ومن يأتي في النهاية، طريقة في التفكير ونمط سلوكي في تناول القضايا.

و عن الحارث بن عمرو ابن أخي المغيرة بن شعبة عن أناس من أهل حمص من أصحاب معاذ بن جبل: أن رسول الله لما أراد أن يبعث معاذا إلى اليمن قال: كيف تقضي إذا عرض لك قضاء؟ قال: أقضى بكتاب الله، قال فإن لم تجد في كتاب الله؟ قال فبسنة رسول الله ، قال فإن لم تجد في سنة رسول الله ولا في كتاب الله؟ قال أجتهد رأيي ولا آلو؟ فضرب رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم) صدره وقال: الحمد لله الذي وفّق رسول رسول الله لما يُرضي رسول الله. (1)

وهذا الحديث يؤكد على معاني جديدة في المنهج فوق المعاني الأولى التي أسس لها الحديث الأول، فهنا معاذ بن جبل (رضي الله عنه ) ينتقل إلى مساحة جديدة من المنهج، وهي حيز الاجتهاد، وبذل الوسع في تحري الصواب، وهذا نوع من الموضوعية التي ترتكز الدراسات الحديثة عليها، مع إنني ليست مع من يقولون إن الباحث لابد أن يكون متجردًا ولا دخل له بالبحث فهذا خطأ؛ فكل مسألة في الكون تخضع للصواب أو الخطأ أو الأجر أو الوِزر، وهكذا الإنسان لا بد أن يحدد موقفًا تجاه هذه القضايا، وإلا أصبح الإنسان غير مسؤول، وتحلل من المسؤولية، وهذا غير صحيح.

وبعد هذا التأسيس لك أن تتأمل مجموعة من التخصصات المختلفة المتعلقة بالأطروحات العلمية في تراث هذه الأمة، وعلى سبيل المثال :

كتاب ” طبقات فحول الشعراء “، وترتيب ابن سلام الحجمي له، ووضع الشعراء في طبقات معينة وفق ضوابط قررها – قد نتفق أو نختلف حوله- أليس هذا منهجا علميا ونمط تفكير أسس لنا منظومة نقدية وفكرية في تقييم الأعمال، سواء بالوصف أو التحليل والاستقراء والتتبع والنقد.

كتاب ” الرسالة ” للإمام الشافعي، وهو أو مخطوط كتب في أصول الفقه، وتناول قضايا تتعلق بكيفية بناء الأصول من حيث علم الأصول واللغة، وطريقة ترتيب وتبويب الأدلة.

أليس هذا منهجا في الاستنباط وسبر الأدلة، وطريقة الفهم للأحكام.

وفي كتاب ” تفسير الطبري” وهو التفسير الذي أجمعت الأمة على أنه أفضل تفسير لكتاب الله (عزوجل) وتلقته بالقبول، وطريقة ابن جرير في تفسر القرآن الكريم أليس هذا منهجا علميا ينهض على آليات معرفية متعددة كسبر الأقوال وإيراد الأدلة وغيرها من القضايا التي تخدم قراءة النص وتفك مشكلاته.

وفي كتاب أئمة الفقه الكبار ” أبي حنيفة، ومالك والشافعي وأحمد ” والأصول التي وضعت لمعالجة الأحكام العلمية وتفنيد الأدلة والتعارض والترجيح، وغير ذلك أليست هذه مناهج علمية راسخة ومتذرة في قراءة النص.

وفي كتب اللغويين أمثال ابن جني الذي أسس لبناء اللغة، وكيفية معالجة النصوص من جانب اللغة كما فعل في كتابه الفسر وهو يعالج نصوص المتنبي، حيث قال عندما سئل عن أشعاره، فقال:”اسألوا ابن جنِّي فإنه أعلم بشعري منِّي “، وصار مثلا يضرب.

وفي كتب الحديث، فالأمة الإسلامية من أوائل الأمم التي وضعت قواعد نقدية لضبط وتلقى النصوص، هذا الضبط والتلقي جعلها رائدة في مجال تلقى المعلومة وتفنيدها، وعلى تفاضلات كتب السنة بعضها على بعض، فجاء البخاري في مقدمتها وفقًا لهذه الشروط.

هذا إن كنا نبحث عن طريقة في تراثنا أو حضارتنا عن قضية ووجود منهج علمي من عدمه في طريقة الكتابة والتحليل والقراء المعرفية للنصوص.

أما مقولة إن معالجة النصوص الأدبية أو غيرها فإنها تتم من خلال المناهج الغربية، فهذا كذب وعجز كبير، حيث يقول القائل:” تعد المناهج النقدیة الغربیة مصدرًا أساسیًّا للحركة النقدیة العربیة. وبالبحث فى مدى توافق تلك المناهج مع الإنتاج الأدبى العربى یتضح أن اختلاف المنابع الحضاریة التى أنتجت تلك المناهج، یقلل من فعالیة تطبیقها على انتاج أدبى ولید بیئة اخرى، ومع ذلك وجب الإفادة من إیجابیاتها مع ضرورة عدم الإعتماد على منهج نقدى واحد. فرغم غزارة الإنتاج المنهجى الغربى إلا أنه لایوجد منهج یمكن الاعتماد علیه بشكل نهائى لتفسیر النص وتقییمه.ظهر على الساحة النقدیة العربیة مایسمى بالمنهج العربى التكاملى للتخفیف من حدة الاضطراب بین المناهج النقدیة،وتعددت المحاولات لوضع آلیات واضحة لهذا المنهج”.

المناهج الغربية المستوردة إنما هي مناهج مأخوذة عن التراث العربي في الأدب والنقد في أحسن الأحوال إذا قلنا بالتأثير والتأثر، وإذا قلنا بغير ذلك فإن الاستشراق له دور في سرقة فكر الأمة ونسبته لنفسه.

هذه نقطة المنهج ووجوده من عدمه في تراثنا أما المناهج الموجودة، فهناك مناهج داخلة بالقوة في النصوص، كالمنهج الوصفي فهو داخل في فهم النصوص وتحليلها بالقوة كما يقولون، فلا يصح في الدراسات أو الكتابات أن يقال يستخدم الباحث / أو الكاتب المنهج الوصفي فهذا تلقائيًّا داخل في الدراسة.

كذلك اعتمد الباحث/ الكاتب على المنهج الاستقرائي، فالمنهج الاستقرائي يجب أن يكون سابقًا عن العملية البحثية والتأليف والكتابة، أي استقراء المادة المبحوثة حتى يمكنه الكتابة عنها بصورة جيدة، وإلا كانت الكتابة من المصادر وغن كانت صحيحة إلا أنها لن تكون مبدعة كالكتابة الممتدة عبر القراءات العميقة.

والمنهج التاريخي الذي يتتع التسلل الزمني للظاهرة عبر التاريخ، فهو يرصد مراحل زمنية للظاهرة، وهذا بخلاف دراسة الظاهرة نفسها، فهذا مهمة مناهج أخرى.

 والمنهج النقدي الذي يعتمد على نقد الموضوع المبحوث وتوجيه الحجج لضحد الأفكار التي يناقشها، فها وظيفته نقد الموجود بالبراهين وتقديم رؤية جديدة

.والمنهج التحليلي الذي يحلل النصوص وفق معطيات متعددة، لكنه يتوقف عند حد التحليل فقط.

كما يوجد المنهج التركيبي الذي يقوم على تركيب بعض الظواهر مع بعضها أو الموضوعات حتى تخدم قضية بعينها.

ثم جاءت المناهج الوافدة في قراءة وتحليل النصوص، وبخاصة النصوص الأدبية، وكانت هناك محاولة لنقل العلوم النظرية إلى ساحات العلم التجريبي، كما يحدث في التخصصات التربوية وغيرها كالاجتماع وعلم النفس.

وفي الحقيقة إنني أرى -في هذا الوقت- أن مسألة المناهج الوفداة واستقدامها واتبارها مقياسًا في قراءة النصوص هي مسألة ليست نزيهة عندي، فالنص العربي قد دخلت عليه عوامل التغريب وعوامل القطرية وأصبح نوعًا من الهجين، يصب في قالب غربي وإن كان يكتب باللغة العربية، والأمثلة على ذلك كثيرة|.

كما إنني لا أسلم بقضية نقاء المناهج الغربية الوافدة، هي تستمد شرعيتها من الأدب العربي في معظم القضايا، وليس هذا ادعاء أو تمحل، فالذي يقرأ التراث قراءة واعية يدرك ذلك في كتابات النقاد الأوائل، كما يدرك أن القضية مجرد استعمال مصطحات براقة.

فالاحتجاج على سبيل المثال موجود بصورة متكررة في كتابات العلماء المسلمين كابن العربي وغيره من فقهاء الأندلس.

وإذا أردنا أن نؤسس لهذه المسألة بصورة دقيقة فإن هذا يحتاج إلى عقد مقارنة بين منجز الأمة في تلك القضايا، وبين المنجز الغربي، ولعل الله ييسر ذلك مستقبلا.

هذا موقفي من قضية المنهج الآن حسب ما وهبني الله من معرفة وإطلاع، قد أعدل فيه أو غيره مستقبلا أو أثبت عليه على قدر ما يُمنح العبد معرفة واطلاع على ما جهله في القضايا.

نموذج تطبيقي

منهج الدراسة..

تقوم هذه الدراسة على ثلاث ركائز رئيسية: المنهج الاستقرائي، والمنهج الوصفي، والمنهج التحليلي.

  • الأولى الاستقراء: تقوم هذه الركيزة على تتبع النصوص الشعرية واستقرائها بصورة كاملة؛ بهدف الوقوف على منابعها لدى الشعراء وغايتهم من الكتابة.
  • الثانية الوصف: تقوم على وصف النص لإبراز الوسائل المستخدمة لتحديد الاتجاه فيه، يشمل الوصف اللغة وقواعد النظم والرؤية بهدف الكشف عن الفروق اللغوية والجمالية التي ميزت شعراء الدراسة عن غيرهم من شعراء الإسكندرية السابقين.
  • الثالثة: تحليل البناء الكلي للنص للكشف عن المكونات الجمالية فيه، وخصائص هذه المكونات الجمالية التي شكلتا ملمحًا خاصًا بالإسكندرية تاريخيًا وموقعًا وحضورًا في الثقافة المصرية.

كما اتبع الباحث المنهج التاريخي في محاولة لتتبع الشعر والشعراء في تلك الفترة وتطورها.


(1) قال الترمذي وليس إسناده عندي بمتصل ، قال ابن كثير: “بل هو حديث حسن مشهور، اعتمد عليه أئمة الإسلام في إثبات أصل القياس وقد ذكرت له طرقا، وشواهد في جزء مفردة” (إرشاد الفقيه إلى معرفة أدلة التنبيه 396/2)