تعد سورة النصر من السور التي جمعت بين البشارة الظاهرة والإشارة العميقة؛ فهي سورة تحمل في ألفاظها وعدًا، وفي معانيها تنبيهًا، وفي ختامها توديعًا نبيلاً لرسول الله ﷺ.ففي هذه السورة الكريمة: بشارةٌ، وأمرٌ للنبي ﷺ عند تحققها، وإشارةٌ خفية تنبّه إلى ما يترتّب عليها.
وقد بيّن الشيخ عبد الرحمن السعدي رحمه الله في تفسيره ” تيسير الكريم الرحمن ” أن سورة النصر جاءت مبشِّرةً بنصر الله، وفتح مكة، ودخول النّاس في دين الله أفواجًا، كما أنّها تتضمّن توجيهًا إلهيًا للنّبي ﷺ بعد تحقق النّصر، يتمثّل في الحمد، والتسبيح، والاستغفار شكرًا لله تعالى، مع ما تحمله من إيماءة دقيقة إلى قرب انتهاء أجله الشريف، والاستعداد للقاء الرب جلّ وعلا.
تفصيل دلالات الآيات
1- البشارة في قوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ (النّصر: 1), وهي بشارة عظيمة للنّبي ﷺ بتمكين الله له، وفتح مكة، وعلوّ راية الإسلام بعد سنوات من الصبر والجهاد.
2- الإشارة وفي قوله تعالى: ﴿وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا﴾(النّصر: 2), وهي إشارة إلى التحوّل الكبير في مسار الدعوة، حيث يدخل النّاس في الإسلام جماعاتٍ بعد أن كانوا خصومًا وأعداء.
3- قرب المنيّة ودوام الظفر ثم قال سبحانه:﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ (النّصر: 3). وتتضمّن هذه الآية إشارتين عظيمتين:
- إشارة قرب المنيّة إذ جرت سنّة الله أن تُختم الأعمال الصالحة بالاستغفار، فجاء الأمر بالتسبيح والاستغفار إيذانًا بقرب انتقال النبي ﷺ، وكأن السورة تهيئة روحية للقاء الله.
- إشارة دوام الظفر فالظفر لا يُحفظ بالقوة وحدها، بل بالشكر والرجوع إلى الله، مصداقًا لقوله تعالى: ﴿لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ (ابراهيم: 7).
ولهذا كان النبي ﷺ يُكثر في أواخر حياته من قول : “سبحانك اللهم وبحمدك، اللهم اغفر لي” (صحيح البخاري: 4968), تأويلًا وامتثالًا لمعاني هذه السورة الكريمة.
سورة النّصر مع قلّ عدد الآيات إلا أنّ ما اختزنته من معان لا ينقض, فجمعت بين فرح الفتح وهيبة الوداع، وتغرس في الوعي الإيماني أن الشكر والتسبيح والاستغفار هو طريق الثبات بعد التمكين، وسرّ بقاء الرسالة بعد اكتمالها.
