في رحاب الثقافة العربية، تبرز شخصيات لا تكتفي بعبور الزمن، بل تترك بصمات عميقة تشكل وعي الأجيال وتضيء دروب الفكر. من بين هذه القامات الشامخة، يقف الأديب والناقد السعودي الدكتور سعيد السريحي (1953-2026) ، الذي غادر دنيانا بعد مسيرة حافلة بالعطاء الفكري والنقدي، تاركًا إرثًا ثقافيًا وأدبيًا يُعد منارة للأجيال القادمة.
لم يكن السريحي مجرد ناقد أو كاتب، بل كان صوتًا جريئًا ومفكرًا مستنيرًا، ارتبط اسمه بالحراك الثقافي السعودي منذ سبعينيات القرن الماضي، وبرز كمدافع شرس عن الحداثة والتجديد، ومساءلة المسلمات الفكرية. لقد شكل مشروعه النقدي إضافة نوعية للمكتبة العربية، حيث تجاوز السطح إلى العمق، باحثًا في التحولات الفكرية والاجتماعية التي يعبر عنها الأدب، ومقدمًا قراءات تحليلية عميقة للنصوص. هذه المادة تستعرض جوانب من حياة هذا الأديب الفذ، مسيرته التعليمية والمهنية، أبرز أفكاره ومؤلفاته، ومكانته في المشهد الثقافي السعودي والعربي.
في الحادي عشر من فبراير عام 2026، انطوت صفحة من أكثر الصفحات ثراءً وجدلاً في تاريخ الثقافة السعودية والعربية المعاصرة، برحيل الأديب والناقد الدكتور سعيد السريحي عن عمر ناهز 73 عاماً. لم يكن السريحي مجرد ناقد أدبي يفكك النصوص في غرف مغلقة، بل كان “مشروعاً تنويرياً” يمشي على قدمين، وصوتاً جسوراً قاد معارك الحداثة في الثمانينيات بصلابة المفكر ورقة الأديب. غادر السريحي عالمنا تاركاً وراءه إرثاً لا يقتصر على الكتب والمؤلفات، بل يمتد ليكون منهجاً في القراءة، وأسلوباً في مساءلة المسلمات، وإيماناً مطلقاً بأن الكتابة الحقيقية هي تلك التي تجرؤ على الخروج “خارج الأقواس”.
النشأة والجذور: من أزقة “الرويس” إلى رحاب “أم القرى”
وُلد سعيد مصلح السريحي في عام 1373هـ (1953م) في حي “الرويس” بمدينة جدة، هذا الحي الذي لم يكن بالنسبة له مجرد مكان ولادة، بل كان مختبراً اجتماعياً وثقافياً شكّل وجدانه الأول، وهو ما خلّده لاحقاً في كتابه السيري “الرويس”. تلقى تعليمه الابتدائي والمتوسط والثانوي في مدارس جدة، حيث بدأت تتشكل ملامح شغفه باللغة العربية وآدابها.

انتقل السريحي إلى مكة المكرمة ليكمل مسيرته الأكاديمية في جامعة أم القرى، حيث نال درجة البكالوريوس من كلية الشريعة، ثم تخصص في اللغة العربية وحصل على الماجستير والدكتوراه. خلال هذه المرحلة، بدأت تتبدى ملامح “المتمرد المثقف”؛ فكانت أطروحته للدكتوراه “نقد النقد” وما صاحبها من لغط أكاديمي شهير في ذلك الوقت، أولى إرهاصات الصدام بين عقل يتوق للتجديد وبين مؤسسات تخشى التغيير. عمل في سلك التعليم لمدة عشرين عاماً، قضى منها 18 عاماً أستاذاً في جامعة أم القرى، حيث تتلمذت على يديه أجيال من المثقفين الذين استقوا منه روح النقد قبل أدواته.
أزمة الدكتوراه: صراع الفكر مع التشدد
تُعد قضية منع سعيد السريحي من نيل درجة الدكتوراه من أبرز المحطات التي كشفت عن جرأته الفكرية ومواجهته للتيارات المتشددة. فبعد أن مُنحت له درجة الدكتوراه من كلية اللغة العربية بجامعة أم القرى عام 1408هـ، حُجبت عنه لاحقًا بقرار إداري. كانت أطروحته بعنوان “التجديد في اللغة الشعرية عند المحدثين في العصر العباسي” ، وهي دراسة نقدية عميقة تناولت أزمة شعر المحدثين وموقف النقد القديم تجاه تجربتهم الشعرية. هذه الأزمة لم تكن مجرد خلاف أكاديمي، بل كانت صراعًا فكريًا بين رؤية منفتحة تدعو إلى التجديد والحداثة، وتيار محافظ يرى في ذلك خروجًا عن المألوف. ورغم حجب الدرجة، إلا أن هذه القضية زادت من مكانة السريحي كرمز للمفكر المستنير الذي لا يخشى مساءلة المسلمات والدفاع عن حرية الفكر والإبداع.
المشروع النقدي: الحداثة كضرورة معرفية
يُعتبر سعيد السريحي أحد الأعمدة الأربعة التي قام عليها صرح الحداثة في المملكة العربية السعودية (إلى جانب الغذامي والثبيتي والصيخان). تميز مشروعه النقدي بالانتقال من “نقد النص” إلى “نقد الخطاب”. لم يكتفِ السريحي بتحليل القصيدة أو الرواية، بل كان يبحث عن “الأركيولوجيا” (الحفر المعرفي) الكامنة خلف السلوك الثقافي والاجتماعي.

في كتابه العمدة “شعر أبي تمام بين النقد القديم ورؤية النقد الجديد”، قدّم السريحي قراءة ثورية لواحد من أصعب شعراء التراث، محاولاً جسر الهوة بين الأصالة والمعاصرة. كان يرى أن الحداثة ليست استيراداً لنمط غربي، بل هي استعادة لروح التجريب والابتكار التي ميزت العصور الذهبية للأدب العربي. لقد دافع السريحي عن حق الأديب في التجريب، وعن حق الناقد في التفكيك والتحليل بعيداً عن الوصاية الأيديولوجية أو الأحكام المسبقة.
الصحافة الثقافية
بموازاة مسيرته الأكاديمية والنقدية، كان السريحي “صحفياً من طراز رفيع”. ارتبط اسمه بعدة صحف ومجلات ثقافية من بينها صحيفة “عكاظ” السعودية لأكثر من ثلاثة عقود، تدرج فيها من متعاون إلى مشرف على الأقسام الثقافية، ثم الشؤون المحلية والدولية، وصولاً إلى منصب مساعد رئيس التحرير ونائبه المكلف.
كانت زاويته اليومية “ولكم الرأي” نافذة تنويرية بامتياز، استطاع من خلالها تبسيط المفاهيم الفكرية المعقدة وتقديمها للقارئ العادي دون إخلال بعمقها. اتسمت كتاباته الصحفية بالدقة اللغوية الفائقة والقدرة على التقاط المفارقات المجتمعية. لم يكن السريحي يكتب لملء الفراغ، بل كان يمارس “النقد الاجتماعي” في أبهى صوره، متناولاً قضايا الهوية، والتطرف، والتحولات الكبرى التي شهدها المجتمع السعودي.
مؤلفاته: مكتبة نقدية وإبداعية خالدة
ترك الراحل خلفه مكتبة ثرية تعكس تنوع اهتماماته بين النقد القديم، والنقد الحديث، والسيرة، والدراسات الثقافية، ومن أبرزها:
- شعر أبي تمام بين النقد القديم ورؤية النقد الجديد: وهو مرجع أساسي في فهم التحول في الذائقة النقدية العربية.
- الكتابة خارج الأقواس (دراسات في الشعر والسرد): وفيه يبلور رؤيته للحرية الإبداعية.
- تقليب الحطب على النار (دراسات في السرد): قراءات عميقة في الرواية والقصة.
- حجاب العادة (أركيولوجيا الكرم من الخطاب إلى التجربة): دراسة أنثروبولوجية ثقافية فريدة لمفهوم الكرم في العقل العربي.
- غواية الاسم (سيرة القهوة وخطاب التحريم): يتتبع فيه التحولات الاجتماعية والدينية من خلال تاريخ القهوة.
- إيديولوجيا الصحراء (آفاق التجديد وسؤال الهوية المعلقة): بحث في جدلية المكان والهوية والقصيدة.
- الرويس: سيرة ذاتية ومكانية لحي جدة القديم، وهي عمل يمزج بين الحنين والتوثيق السوسيولوجي.
- عتبات التهجي: قراءة في تجربة الشاعر الراحل محمد الثبيتي.
الحضور الدولي والتحكيم
لم ينحصر تأثير السريحي داخل الحدود المحلية، بل كان سفيراً للثقافة السعودية في المحافل الدولية. حاضر في معهد العالم العربي بباريس، والجمعية العربية السويسرية في زيورخ، وفي معظم العواصم العربية من بغداد إلى الرباط. كما كان عضواً فاعلاً في لجان تحكيم كبرى الجوائز الأدبية العربية، مثل جائزة الطيب صالح (السودان)، وجائزة بلند الحيدري (المغرب)، وجائزة محمد الثبيتي، مما يعكس الثقة العربية الكبيرة في ذائقته النقدية ونزاهته العلمية.
سعيد السريحي شاعراً: “لكِ النور”
رغم غلبة صفة الناقد والمفكر عليه، إلا أن السريحي كان يمتلك روحاً شاعرة، تجلت في قصائده التي ضمه ديوان “لكِ النور” (الذي أصدره رفيقه صالح بوقري). كانت لغته الشعرية امتداداً لفكره الحداثي، حيث تتكثف العبارة وتتحول الصور إلى تساؤلات وجودية. هذا البعد الجمالي في شخصيته هو ما جعل نثره النقدي يتمتع بجاذبية خاصة، لدرجة أن البعض كان يقرأ دراساته النقدية بوصفها نصوصاً أدبية ممتعة.
الإرث الذي لا يغيب
رحل سعيد السريحي في وقت تعيش فيه المملكة العربية السعودية نهضة ثقافية واجتماعية كبرى، كان هو أحد الممهدين الأوائل لطريقها بصبره ومثابرته ودفاعه المستميت عن قيم “التنوير”. لم تكن حياته سهلة، بل كانت مليئة بالأشواك والمعارك، لكنه خرج منها جميعاً منتصراً بفكر ناصع وضمير مثقف لم يبع يوماً قلمه.

سيبقى سعيد السريحي في ذاكرة الأجيال القادمة لا بوصفه أكاديمياً أو صحفياً فحسب، بل بوصفه “المثقف العضوي” الذي لم ينفصل يوماً عن هموم مجتمعه، و”الناقد الرائي” الذي استشرف آفاق المستقبل من خلال استنطاق كنوز الماضي. لقد عاش “خارج الأقواس” ومات خارجها، لكن ذكره سيظل محاطاً بتقدير ومحبة كل من آمن بأن الكلمة هي أمانة، وأن الفكر هو جوهر الوجود.
برحيل الدكتور سعيد السريحي، تكون الساحة الثقافية السعودية والعربية قد فقدت قامة فكرية ونقدية فذة، تركت إرثًا غنيًا من المؤلفات والأفكار التي ستظل تضيء دروب المعرفة للأجيال القادمة. لقد كان السريحي صوتًا للحداثة والتجديد، ومدافعًا عن حرية الفكر والإبداع، ومساءلاً للخطابات السائدة.
ستبقى ذكراه خالدة في قلوب محبيه وطلابه، وستظل أعماله مرجعًا لا غنى عنه لكل من يسعى إلى فهم أعمق للمشهد الثقافي العربي وتحولاته.
رحم الله سعيد السريحي، الفارس الذي ترجل عن جواده، تاركاً خلفه صهيلاً من الأفكار لا يتوقف عن الرنين في ردهات الثقافة العربية.
