في أواخر التسعينيات من القرن الماضي، وبينما كان العالم العربي يخطو خطواته الأولى في فضاء الإنترنت، كانت هناك رؤى استشرافية تقرأ ما وراء الشاشة، وتُدرك أن المعركة القادمة هي معركة “الفكر الرقمي”. لم يكن تأسيس المنصات الإسلامية الرائدة وليد الصدفة أو مجرد مبادرات فردية، بل ثمرة لالتقاء نادر بين “الفكر الشرعي الموسوعي” و”القرار السياسي الاستراتيجي” و”الهمم الأكاديمية المنفذة”.

تُمثّل شهادة الدكتور حامد بن عبد العزيز المرواني وثيقةً أرشيفية بامتياز، تنقلنا خلف الكواليس لتروي ملحمة تأسيس موقع “إسلام أونلاين.نت” و”جمعية البلاغ الثقافية”. إنها قصة “مشروع الأمة” الذي كاد أن يجهضه روتين البيروقراطية وتعقيدات التأسيس، لولا تدخل حاسم وراعيٍ استثنائي هو المغفور له بإذن الله الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، الذي أدرك مبكراً أن “الإنترنت” ليس مجرد أداة اتصال، بل هو “جهاد العصر” الذي لا يغني عنه جهد الجيوش.

فيما يلي، نغوص في تفاصيل هذه الشهادة التاريخية، لنكتشف كيف تحولت فكرة وُلدت في أروقة الجامعة إلى منبر عالمي يقرأه الملايين، بفضل رؤية فضيلة الشيخ يوسف القرضاوي، وحسم الأمير الوالد، وعزيمة الدكتور المرواني وفريقه.

“جمعية البلاغ” و”إسلام أونلاين” .. كيف مهّد الأمير الوالد والقرضاوي طريق “جهاد العصر” الرقمي؟

يكشف الدكتور حامد بن عبد العزيز المرواني، في شهادة تاريخية مفعمة بالتفاصيل، عن الكواليس والدور المحوري الذي لعبه صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني (رحمه الله)، في تأسيس ورعاية مشروع “إسلام أونلاين.نت”، واصفًا إياه بأنه كان “الركيزة الأساسية” التي نقلت المشروع من مجرد فكرة أكاديمية متعثرة بالبيروقراطية إلى منصة عالمية رائدة لخدمة الإسلام عبر الفضاء الرقمي.

من أروقة الجامعة إلى فضاء الأمة

تعود جذور الحكاية إلى عام 1997م، عندما ولدت فكرة إطلاق أول بوابة إلكترونية كبرى لخدمة الإسلام على الإنترنت داخل أروقة جامعة قطر. في ذلك الوقت، كانت شبكة الإنترنت في مهدها بالعالم العربي، حيث كانت دولة قطر ثاني دولة عربية تدشن الخدمة عام 1996م.

ويروي الدكتور المرواني أن الفكرة عُرضت آنذاك على فضيلة الشيخ يوسف القرضاوي (رحمه الله)، الذي لم يكن على دراية سابقة بالتقنية الجديدة، لكنه استوعب أبعادها الإستراتيجية في غضون 45 دقيقة فقط من الشرح. وبحماسة بالغة، أطلق الشيخ القرضاوي نبوءته الشهيرة قائلًا:

“هذا مشروع الأمة في القرن الحادي والعشرين.. هذا المشروع يغنى عن جهود الجيوش وهو جهاد العصر بحق. فبهذا المشروع لن يبقى بيت مدر ولا وبر إلا ويدخل الله فيه هذا الدين”.

سرعان ما تبنى الشيخ القرضاوي المشروع، وحظي برعاية ومتابعة حثيثة ويومية من سمو الشيخة موزا بنت ناصر، التي رعت ودعمت مهرجانًا ضخمًا بجامعة قطر لتوفير الدعم المالي اللازم لانطلاقته.

اللقاء الثلاثي: رؤية إستراتيجية تفكك القيود

مع اتساع آفاق الرؤية، تبين للقائمين على المشروع أنه أكبر من أن يتقوقع في إطار محلي؛ بل هو مشروع يعبر عن الأمة بأسرها ويستوجب دعمها الشامل. ومن هنا، اقترح الدكتور حامد المرواني على الشيخ القرضاوي عرض الملف على أمير البلاد آنذاك، صاحب السمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني.

رجل يرتدي الزي التقليدي العربي يتحدث في حدث رسمي، مع وجود ميكروفون أمامه. تظهر خلفه شعارات مؤسسية على شاشة.
الدكتورإبراهيم الأنصاري رئيس مجلس إدارة جمعية البلاغ الثقافية

لم يستغرق ترتيب اللقاء سوى يومين فقط. وفي اجتماع ثلاثي ضم سمو الأمير الوالد والشيخ القرضاوي والدكتور المرواني، طُرحت فكرة وعالمية المشروع. وهنا تجلت الرؤية الإدارية والإستراتيجية الثاقبة للأمير الوالد (رحمه الله)، حيث شخص العقبة الرئيسية التي قد تعوق التمويل والدعم الخارجي قائلًا:

“الناس لن تتبرع لكم طالما أنتم تتبعون جامعة قطر؛ لأنها مؤسسة حكومية. لا بد من أن يخرج المشروع من تحت عباءة الجامعة، ونؤسس له جمعية أهلية تنهض به”.

تحدي البيروقراطية وقرار الحسم الأميري

واجه المقترح تحديًا تنظيميًا، إذ كانت إجراءات تأسيس الجمعيات الأهلية في قطر حينها معقدة وتستغرق وقتًا طويلًا. وأمام المخاوف التي أبداها الدكتور حامد المرواني من تعطل المشروع، حسم الأمير الوالد الأمر قائلًا: “أحضر لي أسماء 20 عضوًا يرغبون في التأسيس، وأنا أتولى الباقي”، معلنًا عن قرار استثنائي بانتداب الدكتور المرواني وفريقه تفرغًا كاملًا للعمل في المشروع مع استمرار صرف رواتبهم من جامعة قطر.

ورغم استيفاء الشروط وتوقيع 40 عضوًا مؤسسًا على النظام الأساسي لما سُمي لاحقًا بـ “جمعية البلاغ الثقافية لخدمة الإسلام على الإنترنت”، إلا أن المعاملة اصطدمت بالبيروقراطية حيث أحيل الملف إلى مكتب المستشار القانوني في الجهة المختصة بإصدار التراخيص في ذلك الوقت وأُبلغنا أنَّ المراجعة قد تستغرق عامًا كاملًا نظرًا لكثرة الملفات المتراكمة.

عندما علم الشيخ القرضاوي بالأمر، اتصل هاتفيا بسمو الأمير الوالد ونقل له موقف الجهة الرسمية فأبدى غضبًا شديدًا من هذا التعطيل البيروقراطي ووجه بسرعة الإنجاز. ولم تمضِ 24 ساعة على هذا الاتصال حتى تسلم الدكتور المرواني ملف إشهار الجمعية رسميًا، تلاه صدور قرار أميري بانتدابه رفقة عشر زميلات من الفريق التأسيسي لمدة ثماني سنوات قابلة للتمديد.

أثر باقٍ وتاريخ يُكتب

شكل هذا التحول التنظيمي علامة فارقة في مسيرة “إسلام أونلاين”؛ إذ حرر المشروع تمامًا من القيود البيروقراطية الحكومية، وأعطى المرونة والشفافية اللازمتين لتدفق الدعم المالي من داخل قطر وخارجها، ليكون هذا الدعم الإستراتيجي حجر الزاوية في نجاح المنصة ووصولها إلى ملايين المتابعين حول العالم.

ويختتم الدكتور حامد المرواني شهادته بالدعاء والامتنان لصاحب السمو الأمير الوالد رحمه الله، مؤكدًا أن هذا الدعم النوعي سيظل محفورًا في ذاكرة العمل الإسلامي الرقمي، وجاريًا في ميزان حسناته كأحد أبرز رعاة “جهاد العصر” التقني.

تغمد الله الأمير الوالد بواسع رحمته، وجعل ما قدمه للإسلام والمسلمين في ميزان حسناته، ورحم الله العلامة الشيخ يوسف القرضاوي، وجزاه عن الأمة الإسلامية خير الجزاء لما قدمه من جهود في خدمة الإسلام والثقافة الإسلامية.