يُعد كتاب “الوعي الأخلاقي الشقي: تنازع الإنسي والديني في تراث الإسلام” للدكتور شفيق محمد اكريكّر إضافة نوعية للمكتبة الفكرية العربية، حيث يتناول إشكالية محورية في الفكر الإسلامي تتمثل في التوتر الدائم بين البعدين الإنسي والديني في تشكيل الوعي الأخلاقي. يسعى الكتاب، الصادر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات عام 2025، إلى تحليل هذا التنازع العميق الذي أفرز ما يسميه المؤلف “الوعي الأخلاقي الشقي”، وهو وعي حائر بين الانقياد للأمر الديني والالتزام بالخصوصية المليّة من جهة، والاهتداء بالعقل وتبني الكونية الإنسانية من جهة أخرى .

يقدم اكريكّر في هذا العمل دراسة معمقة تمتد على 424 صفحة، مقسمة إلى ثلاثة أقسام رئيسية، بالإضافة إلى ملخص تنفيذي ومقدمة واستنتاجات عامة ومراجع وفهرس. يهدف الكتاب إلى الكشف عن جذور هذا التوتر وتجلياته التاريخية والفكرية، وصولاً إلى راهنيته في السياق المعاصر، مع التركيز على مفاهيم مثل الكونية، الاستقلالية الذاتية، والطاعة، وكيف تداخلت هذه المفاهيم في صياغة الفهم الإسلامي للأخلاق .

سيرة المؤلف وخلفيته الفكرية

الدكتور شفيق محمد اكريكّر هو أستاذ الفلسفة ومناهج التدريس في المدرسة العليا للأساتذة بجامعة المولى إسماعيل في مكناس بالمغرب، وباحث زائر في جامعة فاندربيلت بالولايات المتحدة الأمريكية ضمن زمالة فولبرايت. حاصل على درجة الدكتوراه من جامعة الحسن الثاني.

رجل يبتسم ويجلس أمام طاولة في مؤتمر، يحمل كتاب بعنوان "الوعي الأنتلوجي الشفهي: تاريخ الإسلام والعلم في بلاد الإسلام" خلفه، مع رسومات توضيحية للكتاب تظهر عناصر ثقافية.

يتميز اكريكّر بخلفية أكاديمية غنية، حيث عمل مدرّسًا لمادة الفلسفة ومشرفًا تربويًّا في هذا الاختصاص، وقدم العديد من الأوراق البحثية في مؤتمرات دولية، ونشر مقالات وبحوثًا وفصولًا في كتب جماعية. تتوزّع اهتماماته البحثية بين فلسفة الأخلاق والدين، وإتيقا الاعتقاد، ونظريات الحجاج، وإدماج التفكير النقدي في المناهج، وتدريس الفلسفة للناشئة . هذه الخلفية المتنوعة تمنحه منظورًا فريدًا وعمقًا تحليليًا في معالجة القضايا الفلسفية والأخلاقية المعقدة التي يتناولها في كتابه.

هيكلية الكتاب ومفاهيمه الأساسية

يتتبع الكتاب تطور “الوعي الأخلاقي الشقي” عبر ثلاثة أقسام رئيسية:

1.تمهيد لتكوينه:

يغطي هذا القسم الفترة الممتدة من الدعوة المحمدية حتى سيطرة الشرعانية، مبرزًا كيف بدأت تتشكل ملامح هذا التوتر الأخلاقي والديني في بدايات الإسلام .

2.عقدة:

يتناول هذا القسم تجليات الوعي الأخلاقي الشقي من خلال دراسة نماذج فكرية بارزة مثل عبد الله بن المقفع، وابن أبي الدنيا، وأبي حامد الغزالي. يحلل المؤلف كيف تعاملت هذه الشخصيات مع التنازع بين القيم الإنسانية والدينية في سياقاتها الفكرية والاجتماعية .

3.حل تاريخي:

يقدم هذا القسم رؤية للحلول التاريخية التي حاولت تجاوز هذا التوتر، ممثلة في فكر المعتزلة ومحمد بن زكريا الرازي. يبرز اكريكّر كيف أن المعتزلة أكدوا على استقلالية العقل في الحكم الأخلاقي، وكيف جعل الرازي الأخلاق إتيقا إنسانية غايتها السعادة والتشبه بالله .

تتمحور المفاهيم الأساسية التي يعالجها الكتاب حول التمييز بين الأخلاقي والديني، والتوتر بين الكونية والخصوصية، والاستقلالية الذاتية والطاعة:

•الكونية (Universalism) مقابل الخصوصية المليّة:

يرى اكريكّر أن الأخلاق في جوهرها تقوم على قيم إنسانية عالمية مثل العقل، الفضيلة، السعادة، والمنفعة. في المقابل، يستند الدين إلى أوامر وتشريعات إلهية تجعل الأخلاقي جزءًا من منظومة الحياة الدينية. هذا التمييز يؤدي إلى تباين بين ما هو أخلاقي وما هو ديني؛ فالأخلاقي يطلب الكمال الإنساني، بينما الديني يطلب امتثال أوامر الله. هذا التوتر بين القيم الكونية المشتركة والخصوصية الدينية التي تميز الأمة الإسلامية عن غيرها هو أحد المحاور الرئيسية التي يتناولها الكتاب .

•الاستقلالية الذاتية (Autonomy) مقابل الطاعة (Obedience):

يبرز الكتاب أن الفلسفة ربطت الفضيلة بالعقل والاستقلالية الذاتية، بينما في التصور الديني، غالبًا ما تكون الفضيلة وسيلة لعبادة الله وتدخل في نظرية الآمرية الإلهية، مما يجعل الطاعة قيمة عليا. هذا التناقض بين قدرة الإنسان على التشريع الذاتي لنفسه والالتزام بالأوامر الدينية يشكل جوهر “الوعي الأخلاقي الشقي” .

•الوعي الأخلاقي الشقي:

يستعير المؤلف هذا المفهوم من الفلسفة الهيغلية، حيث يشير إلى الانقسام والتناقض في الوعي بين ما هو كائن وما يجب أن يكون. في سياق الكتاب، يعبر هذا المفهوم عن التجاذب داخل الروح المسلمة بين قيم إنسانية دنيوية (مثل المروءة والسعادة والفضيلة) وقيم دينية محكومة بالتقوى والطاعة. هذا التوتر يجعل الضمير المسلم في حالة انشطار دائم بين الانتماء إلى “القرية الدينية” والانفتاح على “الأفق الإنساني الكوني” .

دراسات سابقة ونقدها

يتفاعل اكريكّر مع دراسات سابقة تناولت التوتر بين الأخلاقي والديني في التراث الإسلامي، ويقدم نقدًا وتحليلاً لبعضها:

ماجد فخري:

يشير الكتاب إلى مؤلفات ماجد فخري الذي صنف المفكرين إلى ذوي أخلاقيات سمعية تعتمد النص، وآخرين ذوي أخلاقيات فلسفية تستند إلى البرهان اليوناني. يبرز اكريكّر أن فخري قد “ظلم” بعض الأعلام مثل الحسن البصري وابن أبي الدنيا في تصنيفاته .

جورج حوراني:

كز حوراني على استقلالية العقل في الحكم الأخلاقي، وعرض الصراع بين المعتزلة العقلانيين والأشاعرة الإرادويين. يلاحظ اكريكّر أن حوراني حصر اهتمامه في الأخلاقيات الكلامية التحليلية وأغفل آدابًا وفلسفات أخرى .

محمد عابد الجابري:

استقصى الجابري قطاع القيم في التراث العربي عبر تصنيف يقوم على القيم لا على الأعلام، معتبرًا أن مدار الفكر الأخلاقي هو القيم ذاتها. قسّم الجابري العقل الأخلاقي العربي إلى خمسة أنظمة قيم: السعادة اليونانية، الطاعة الفارسية، الفناء الصوفي، المروءة العربية، والمصلحة الإسلامية. يرى اكريكّر أن الجابري قدم خلاصات متحيزة أو ناقصة؛ ففي الموروث اليوناني، أبرز النزعة الإنسانية وأغفل البعد الديني.

وفي الموروث الفارسي، حصر القيمة في الطاعة متجاهلاً انفتاحه الثقافي. وفي الموروث العربي، أبرز المروءة بوصفها قيمة دنيوية قد تتعارض مع المثال الديني. وفي الموروث الصوفي، ركز على الفناء وأغفل قيمًا فاعلة أخرى. أما في الموروث الإسلامي الخالص، فاعتبر المصلحة القيمة المركزية . يرى اكريكّر أن هذه الدراسات، على اختلاف مناهجها، كشفت عن حضور دائم للتوتر بين الديني والأخلاقي، وإن تفاوتت في مستوى التعمق واتساع الرؤية .

راهنية الإشكالية والخاتمة

يؤكد كتاب “الوعي الأخلاقي الشقي” على أن جوهر التوتر بين الأخلاقي والديني دار حول مبدأي الكونية والاستقلالية الذاتية. فقد قيد الدين الأخلاق بخصوصية الملة، وأضعفت الطاعة حرية التشريع الذاتي، فنتج عن ذلك وعي أخلاقي شقي ميز القرية الدينية من المشترك الإنساني، واختزل الأخلاق في التقوى والطاعة بدلاً من الانسجام الداخلي مع القانون الأخلاقي الكامن في الذات .

يطرح الكتاب أسئلة راهنية وملحة في السياق المعاصر: كيف يقبل المسلم فضيلة الآخر ويقيم معه حوارًا أخلاقيًا عالميًا في قضايا الحرية والعدالة وحقوق الإنسان؟ وكيف يُبنى وعي أخلاقي حديث قائم على استقلالية الفرد؟ يربط المؤلف بين ثقافة الطاعة التي ارتبطت بالأخلاق والسياسة في التجربة الإسلامية وبين تعثر التجربة الديمقراطية، مشيرًا إلى أن مطالب الربيع العربي كانت في جوهرها مطلبًا أخلاقيًا هو الاستقلالية الذاتية. وبذلك، يتضح أنه لا فصل بين الأخلاق والسياسة؛ فمن دون استقلالية الفرد أخلاقيًا لا يمكن أن تتحقق استقلالية الأمة سياسيًا .

في الختام، يقدم كتاب شفيق محمد اكريكّر تحليلاً عميقًا وشاملاً لإشكالية الوعي الأخلاقي في التراث الإسلامي، مسلطًا الضوء على التوترات الفكرية التي شكلت هذا الوعي عبر التاريخ. من خلال استعراضه النقدي للمفاهيم والمقاربات السابقة، وربطه للإشكالية بسياقاتها المعاصرة، يدعو الكتاب إلى إعادة التفكير في العلاقة بين الإنسي والديني، ويسهم في فتح آفاق جديدة للحوار الفكري حول بناء وعي أخلاقي قادر على التوفيق بين الأصالة والمعاصرة، وبين الخصوصية والكونية.