تعترضُ جهود أمتنا في تحقيق النهضة الحضاريّة عوائق كثيرة؛ داخليّة ذاتيّة وخارجيّة آتية من خصوم أمّتنا. وعلينا لتحقيق ما نصبو إليه أن نبحث في معيقات خروجنا من التخلّف وتحقيق التحضّر، ونفرّق بين المعيقات الداخليّة والخارجيّة، ونحدّد السبيل لتجاوزها وتحقيق النهضة الحضاريّة.

ونقصد بالمعيقات الذاتيّة: تلك النابعة من ذاتنا الحضاريّة بفعل ما أصاب المسلمين من أمراض تصيب المجتمعات والحضارات، كما تقضي سنن الله في خلقه، التي لا يمكن أن تحابينا لأنّنا مسلمون، بل يصاب بها كل من لم يتحقّق بشروط التحصين منها. وهي معوقات موزّعة على دوائر وجودنا الثقافيّ والنفسيّ والاجتماعيّ والسياسيّ والأخلاقيّ والفكريّ. 

أما المعيقات الخارجيّة: فهي فعلُ قوى النظام العالميّ المتعدّدة التي تعمل على تعطيل تحقيق نهضتنا، والرجوع إلى حلبة التاريخ، والمساهمة بفعاليّة في الحضارة الإنسانية، وتحقيق الريادة والشهادة. وقد أشار بن نبي في كتابه “مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي” وفي غيرها من كتبه إلى كثير من المعيقات التي تؤخّر تحقيق نهضتنا الحضارية.

كسَل السلبيّة.. والبكاء على الأطلال

لعلّ من أهمّ المعيقات ما نعانيه اليوم من سلبيّة، حيث نكتفي بالبكائيات، ونلعن الوضع، ونكثر العويل، ونرفع الصوت بالتغنّي بالمؤامرة علينا من العالم، بينما لا نكاد نقدّم أيّ شيء يساعد في تحقيق أهداف أمّتنا في الحرّيّة والتنمية والنهضة واسترجاع كرامتها وحضورها في العالم؛ مما جعل تفكيرنا اليوم -في معظمه- تفكيرًا نظريًّا، لا يرتبط بأهداف عمليّة، ولا نمتلك القدرة على تحويل قيمنا وأفكارنا وأهدافنا من أجل أمتنا إلى مشاريع عمليّة وبرامج وسياسات تغيّر من أوضاعنا إلى الأحسن.

إن ما يفصل -في عالمنا اليوم- بين المجتمعات والشعوب فعاليَّتُها، حيث يوجد في عصرنا تشابه واختلاف بين المجتمعات، ولكن الاختلاف اللافت للنظر يكمن فيما يطبع نشاط أيّ مجتمع من فعاليّة تتفاوت درجتها من مجتمع إلى آخر[1]. حتى أنّ التقدّم أو التخلّف الحضاريّ يمكن أن يلاحظ من عامل الفعاليّة، إذ يجده يقسم العالم إلى شطرين، أحدهما يتميّز بالفعاليّة ويطبع بها كل جهوده وسلوكه، والآخر يتميّز بالسلبيّة والتسيّب في كل مظاهر حياته. 

ويمكن ملاحظة ذلك من خلال مشاهدة النسيج الاجتماعيّ، والمؤسّسات الاجتماعية التي توجد في كلا الإطارين الحضاريّين. وسنجد نموذجين اجتماعيّين مختلفين؛ أحدهـــما النــمــوذج الغـــربي، حيث يطـــبعه التنــــظــيم والحركيّة والفعاليّة في واقع حياته، والآخر النموذج المتخلّف، حيث تكتنفه ضروب من التسيُّب والسلبيّة. بالرغم من أنّنا لو رجعنا قرونًا قليلة إلى الوراء، لوجدنا الصورة معكوسة تمامًا، فكل ضروب النشاط والفعالية يجدها الإنسان موزّعة على محور طنجة-جاكرتا، وكل ضروب التسيّب والسلبيّة والفوضى يجدها على المحور الغربيّ كما يقول ابن نبي. 

ماذا وراء السلبيّة والفعاليّة؟

ما نرمي إليه من ذكر سمات السلبية والفعالية، التأكيدُ على أنهما ليستا صفتين لصيقتين بالغرب أو الشرق مطلقًا، بل تتعلّقان بالوضعيّة التاريخيّة لمجتمع ما؛ أي بنمط الثقافة السائدة، أهي ثقافة نهضة أم ثقافة تخلُّف؟! ذلك أنّ الثقافة إما تكون وسطًا تتشكَّل وتنمو فيه النهضة الحضاريّة، وإما تكون شبكة من النفايات و”الأفكار الميتة و”الآراء المُميتة” التي تطبع ثقافتنا اليوم، وتجعلنا خارج إطار الحضارة، مثل إنسان ومجتمع -ما بعد الموحّدين- في العالم الإسلاميّ[2].

وهذه السلبيّة وغياب الفعاليّة في مجتمعاتنا، راجعةٌ إلى أنّنا لا نملك -في الغالب الأعمّ- رؤية واضحة لما ينبغي فعله، وإلى كوننا لم نحدّد نموذجنا الذي نسعى إليه بدقّة؛ لنرسم له منهجًا لتحقيقه. فبقيت أعمالنا وجهودنا الفرديّة والجماعيّة -إلا قليلًا منها- تنمو تحت تأثير نموذج غامض لم نخــتره، بل فُـرِض عليها تلقائــيًّا من أذواق القوم، وما يبدو أنّه اختيار للنموذج الغربيّ هنا أو هناك في العالم الإسلاميّ، هو في حقيقته من قبيل وضع الثور أمام المحراث، وتكديسِ منتجات الحضارة الغربيّة، مع التنكّر للجانب الإيجابي فيه، وتقليد الجانب المنحطّ منه[3].

وفي حال العزم على الخروج من سلبيّتنا، علينا أن نستعيد خاصيّة مهمة من أهمّ خصائص الفكر والسلوك الإسلاميّ في زمن التحضّر؛ وهي الربط بين العلم والعمل، فالعلم الذي لا يترجمه عمل يغدو ترفًا لا قيمة له، ولعلّنا لو نظرنا في القرآن الكريم وفي سنّة النبيّ صلى الله عليه وسلّم لوجدنا الصلة وثيقة بين القول والعمل، والجمع بينهما في توازن. وهذا هو الهدي الذي جاء الإسلام ليؤسّس عليه ثقافة المسلم؛ أي: أن يقول ويعمل. 

إضافة لمبدأ الربط بين القول والعمل، فإن الخروج من السلبيّة، وتحقيق الفعاليّة، يتطلّب منّا صوغ حلول مشكلاتنا وقضايانا وفق معالم مضبوطة يُراعَى فيها الحال والمآل؛ حتى لا نطبّق حلولًا أنتجها مجتمع يعيش مرحلة الترف -بتعبير ابن خلدون-، أو مرحلة الحضارة -بتعبير ابن نبي-، على مجتمع في مراحله الأولى، وهو يكابد للخروج من تخلّفه، يواجه مشكلات البناء لا مشكلات الوفرة، ومشكلات التأسيس لا مشكلات الاستمرار، ومشكلات ما قبل الحضارة لا مشكلات ما بعد الحضارة، ومشكلات ما قبل التحديث لا مشكلات ما بعد الحداثة والتحديث. لأن تجاهل الوضعيّة الحضاريّة التي نعيشها، ومآل الفكرة التي ننتجها أو ننقلها سيقودُ إلى الارتكاس والتباطؤ والانحراف عن تحقيق الهدف[4].

خلاصة القول

نختم مقالنا هذا بمقولة مهمّة لمالك بن نبي، يصف فيها كيفيّة الخروج من السلبيّة وتحقيق الفعاليّة، حيث يقول: “لا يجوز لأحد أن يضع الحلول والمناهج مُغفِلًا مكان أمّته ومركزها، بل عليه أن تنسجم أفكاره وعواطفه وأقواله وخطواته مع ما تقتضيه المرحلة التي فيها أمّته. أمّا أن يستورِد حلولًا من الشرق أو الغرب فإنّ في ذلك تضييعًا للجهد ومضاعفة للداء. إذ كلّ تقليد في هذا الميدان جهل وانتحار. وعلاج أيّ مشكلة يرتبط بعوامل زمنيّة نفسيّة، ناتجة عن فكرة معيّنة تؤرّخ من ميلادها عمليّات التطوّر الاجتماعيّ في حدود الدورة التي ندرسها. فالفرق شاسعٌ بين مشاكل ندرسها في إطار الدورة الزمنيّة الغربيّة ومشاكل أخرى تولّدت في نطاق الدورة الإسلاميّة”.[5]