هذه الرسالة موجهة إلى كل إنسان مضى من عمره الكثير بين تفريط وفشل، وصولاً إلى الإحباط والعجز عن الخروج من هذه الأزمة وهذه المرحلة المزعجة من مراحل الحياة.
لنفكر في البداية أن سبب خلقنا هو عبادة الله، وأن هذه الحياة ما هي إلا فترة لإنجاز هذا التكليف؛ أما غير ذلك من طلب الدنيا والعيش والبحث عن الرفاهية، فهو وسيلة تساعد على القيام بهذا التكليف. فلو أن الله قدّر لك عدم النجاح في أحد مناحي الحياة، وابتلاك بنوع من الضيق، وضياع الفرص، والفشل في المشاريع، فليس معنى ذلك نهاية الأمر والخضوع لليأس، بل هو دافع لكي نراجع أنفسنا وننطلق من جديد، مغيرين اتجاهنا السابق في الحياة إلى اتجاه آخر يملؤه الإيمان بقضاء الله؛ فإن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وكل قضاء الله للمؤمن خير.
كذلك، ينبغي عدم التحسر على ما فات؛ قال النبي ﷺ: (المُؤمِنُ القَويُّ خَيرٌ وأحَبُّ إلى اللهِ مِنَ المُؤمِنِ الضَّعيفِ، وفي كُلٍّ خَيرٌ. احرِصْ على ما يَنفَعُكَ، واستَعِنْ باللهِ ولا تَعجِزْ، وإن أصابَكَ شَيءٌ فلا تَقُلْ: لو أنِّي فعَلتُ كان كَذا وكَذا، ولَكِن قُلْ: قدَرُ اللهِ وما شاءَ فعَلَ؛ فإنَّ (لو) تَفتَحُ عَمَلَ الشَّيطانِ).
ويجدر بالمرء ملازمة التوبة والاستغفار ومراجعة النفس، فقد يكون الفشل بسبب تقصير أو ذنب، والاستغفار يمحو الذنوب ويفتح أبواب الرزق؛ قال تعالى: {فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً} [نوح: 10-12].
وكذلك الاهتمام بالهدف الأساسي وهو “عبادة الله“، فهذا الهدف هو الطريق إلى رضا الله والجنة، ونافذة تطل بك على أبواب الرزق؛ قال تعالى: { وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ}.
ومن هنا، يصبح التخطيط لـ “الهدف الأساسي” أولى خطوات النجاح؛ فالمؤمن لا يلغي أهدافه الدنيوية، بل يضبطها لتكون وسائل تخدم غايته الكبرى. إن ضبط الأهداف في هذا السياق يعني: إعادة تنظيم الوقت بناءً على مواقيت الطاعة، وتحويل العادات اليومية والأعمال العادية إلى عبادات باستحضار الننية الصالحة، ومحاسبة النفس لتدارك ما فرط منها، والمبادرة بالسعي مع اليقين بأن التوفيق من الله؛ فكل تعثر في الدنيا هو فرصة لإعادة رسم خطة جديدة للوصول إلى الغاية الأسمى.
ولتحقيق هذا الضبط، والوصول إلى النجاح الحقيقي، والخروج من هذه الأزمة، يكمن السر في مسألة “التركيز”، الذي عرّفه المختصون بأنه: الطريقة التي يستطيع من خلالها الفرد أن يقرر -وبشكل دقيق- ما الذي يفكر فيه بالضبط. فمسألة التركيز مهمة في تطوير قدراتنا في الانتباه، والتعلم، والقراءة، والتذكر؛ بمعنى أن يركز الإنسان جهده في مجالٍ معينٍ يستفرغ فيه وسعه، بدلاً من تشتيت ذهنه في مسارات متعددة فيضيع الوقت وينقضي دون تحقيق إنجاز يُذكر. ويتطلب ذلك أن يختار المجال الأنسب له بناءً على عمره، وتخصصه، وقدراته؛ فإذا وجده لزمه وأقبل عليه، وبذلك يُطرد العجز ويتحقق الإنجاز.
