إن فضل ذكر الله عز وجل من أعظم المنح الإلهية التي يتقرب بها العبد إلى ربه، فهو العبادة التي لا يحدها وقت ولا حال، وله فضائل عديدة أوردتها النصوص الشرعية. في هذا المقال، نستعرض حقيقة الذكر، أنواعه، ومراتب الكمال فيه.
حقيقة الذكر وأنواعه
حقيقة الذكر هي الإتيان بالألفاظ التي ورد الترغيب في قولها والإكثار منها مثل الباقيات الصالحات وهي: (سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر)، وما يلتحق بها من الحوقلة والبسملة والحسبلة والاستغفار ونحو ذلك، والدعاء بخيري الدنيا والآخرة.
ويطلق ذكر الله أيضًا ويراد به المواظبة على العمل بما أوجبه أو ندب إليه كتلاوة القرآن وقراءة الحديث ومدارسة العلم والتنفل بالصلاة.
مراتب الذكر: ذكر اللسان وذكر القلب
الذكر يقع تارة باللسان ويؤجر عليه الناطق ولا يشترط استحضاره لمعناه، ولكن يشترط أن لا يقصد به غير معناه. وإن انضاف إلى النطق الذكر بالقلب فهو أكمل، فإن انضاف إلى ذلك استحضار معنى الذكر وما اشتمل عليه من تعظيم الله تعالى ونفي النقائص عنه ازداد كمالاً، فإن وقع ذلك في عمل صالح مهما فرض من صلاة أو جهاد أو غيرهما ازداد كمالاً، فإن صحح التوجه وأخلص لله تعالى في ذلك فهو أبلغ الكمال.
- ذكر اللسان: قال الفخر الرازي: “المراد بذكر اللسان الألفاظ الدالة على التسبيح والتحميد والتمجيد.
- الذكر بالقلب: هو التفكر في أدلة الذات والصفات، وفي أدلة التكاليف من الأمر والنهي حتى يطلع على أحكامها وفي أسرار مخلوقات الله.
- الذكر بالجوارح: هو أن تصير مستغرقة في الطاعات، ومن ثم سمى الله الصلاة ذكراً فقال: {فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} (الجمعة: 9).
ونقل عن بعض العارفين قال: “الذكر على سبعة أنحاء: فذكر العينين بالبكاء، وذكر الأذنين بالإصغاء، وذكر اللسان بالثناء، وذكر اليدين بالعطاء، وذكر البدن بالوفاء، وذكر القلب بالخوف والرجاء، وذكر الروح بالتسليم والرضاء”([1]).
أيهما أفضل: ذكر القلب أم اللسان؟
ذكر ابن جرير الطبري وغيره اختلاف السلف في ذكر القلب واللسان أيهما أفضل. قال القاضي عياض: “والخلاف عندي إنما يتصور في مجرد ذكر القلب تسبيحاً وتهليلاً وشبههما وعليه يدل كلامهم، لا أنهم مختلفون في الذكر الخفي، وإلا فذلك لا يقاربه ذكر اللسان فكيف يفاضله، وإنما الخلاف في ذكر القلب بالتسبيح المجرد ونحوه.
والمراد بذكر اللسان مع حضور القلب، فإن كان لاهياً فلا. واحتج من رجح ذكر القلب بأن عمل السر أفضل، ومن رجح ذكر اللسان قال لأن العمل فيه أكثر فإن زاد باستعمال اللسان اقتضى زيادة أجر.
قال القاضي: واختلفوا هل تكتب الملائكة ذكر القلب؟ فقيل: تكتبه ويجعل الله تعالى لهم علامة يعرفونه بها. وقيل: لا يكتبونه؛ لأنه لا يطلع عليه غير الله. قلت: الصحيح أنهم يكتبونه وأن ذكر اللسان مع حضور القلب أفضل من القلب وحده([2]).
ما هو أفضل الذكر؟
عن طلحة بن خراش قال: سمعت جابر بن عبد الله — رضي الله عنهما — يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: “أفضل الذكر لا إله إلا الله، وأفضل الدعاء الحمد لله“ ([3]).
كانت “لا إله إلا الله” أفضل الذكر لأنها كلمة التوحيد، والتوحيد لا يماثله شيء، وهي الفارقة بين الكفر والإيمان، ولأنها أجمع للقلب مع الله وأنفى للغير وأشد تزكية للنفس وتصفية للباطن وتنقية للخاطر من خبث النفس وأطرد للشيطان([4]).
وأفضل الدعاء “الحمد لله”؛ لأن الدعاء عبارة عن ذكر الله وأن تطلب منه الحاجة والحمد يشملهما، فإن من حمد الله يحمده على نعمته، والحمد على النعمة طلب المزيد وهو رأس الشكر، قال تعالى: {لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ}، ويمكن أن يكون قوله الحمد لله من باب التلميح والإشارة إلى قوله: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ}، وأي دعاء أفضل وأكمل وأجمع من ذلك([5]).
فضائل ذكر الله عز وجل
ذكر الله عز وجل من أسمى العبادات، وله فضائل عديدة، منها:
1. سبب في فرضية كثير من العبادات
فكثير من العبادات شرعت لأجل الذكر كالصلاة، قال تعالى: {وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي} (طه: 14)، أي: لأجل ذكرك إياي؛ لأن ذكره تعالى أجل المقاصد، وهو عبودية القلب وبه سعادته. فالقلب المعطل عن ذكر الله معطل عن كل خير. قال تعالى: {اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ} (العنكبوت: 45)، أي: ما فيها من ذكر الله أكبر من نهيها عن الفحشاء والمنكر([6]).
2. لا يُترك أبدًا
فالله عز وجل لم يرخص في تركه في أي حال من الأحوال، حتى عند لقاء العدو. قال قتادة في قوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} (الأنفال: 45): “افترض الله ذكره عند أشغل ما تكونون، عند الضراب بالسيوف”([7]).
3. أفضل الأعمال عند الله
فمجرد الذكر أفضل من أبلغ ما يقع للمجاهد، وأفضل من الإنفاق مع ما في الجهاد والنفقة من النفع المتعدي([9]). لأن سائر العبادات من الإنفاق ومقاتلة العدو وسائل ووسائط يتقرب بها إلى الله تعالى والذكر هو المقصود الأسنى، ورأس الذكر قول: “لا إله إلا الله” وهي الكلمة العليا وهي القطب الذي يدور عليه رحى الإسلام والقاعدة التي بني عليها أركان الدين والشعبة التي هي أعلى شعب الإيمان بل هي الكل وليس غيره {قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ}(الأنبياء:108) أي الوحي مقصور على استئثار الله بالوحدانية لأن القصد الأعظم من الوحي التوحيد {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ}(البينة:5). ولأمر ما تجد العارفين يؤثرونها على جميع الأذكار لما فيها من الخواص التي لا طريق إلى معرفتها إلا الوجدان والذوق. قال ابن حجر: المراد بالذكر هنا الذكر الكامل وهو ما اجتمع فيه ذكر اللسان والقلب بالشكر واستحضار عظمة الرب وهذا لا يعدله شيء وأفضل الجهاد وغيره إنما هي بالنسبة إلى ذكر اللسان المجرد. أخذ ابن الحاج من ذلك ترك طلب الدنيا أعظم عند الله من أخذها والتصدق بها وأيده بما في القوت عن الحسن: أنه لا شيء أفضل من رفض الدنيا وبما في غيره عنه أنه سئل عن رجلين طلب أحدهما الدنيا بحلالها فأصابها فوصل بها رحمه وقدم فيها لنفسه وترك الآخر الدنيا فقال: أحبهما إلي الذي جانب الدنيا([10]). قال شيخ الإسلام عز الدين بن عبد السلام: هذا الحديث مما يدل على أن الثواب لا يترتب على قدر النَّصْبِ في جميع العبادات، بل قد يَأْجُرُ اللَّهُ تعالى على قليل الأعمال أكثر مما يأجر على كثيرها، فإذًا الثواب يَتَرَتَّبُ عَلَى تَفَاوُتِ الرُّتَبِ في الشرف([11]). فدرجة الذاكر أفضل الدرجات عند الله تعالى يوم القيامة. فعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سُئِلَ أَيُّ الْعِبَادِ أَفْضَلُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ قَالَ: “الذَّاكِرُونَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتُ” قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمِنْ الْغَازِي فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ قَالَ: “لَوْ ضَرَبَ بِسَيْفِهِ فِي الْكُفَّارِ وَالْمُشْرِكِينَ حَتَّى يَنْكَسِرَ وَيَخْتَضِبَ دَمًا لَكَانَ الذَّاكِرُونَ اللَّهَ أَفْضَلَ مِنْهُ دَرَجَةً”([12]).
عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: قال النبي ﷺ: “ألا أنبئكم بخير أعمالكم، وأزكاها عند مليككم، وأرفعها في درجاتكم، وخير لكم من إنفاق الذهب والورق، وخير لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم، ويضربوا أعناقكم؟ قالوا: بلى، قال: ذكر الله تعالى” ([8]).
فمجرد الذكر أفضل من أبلغ ما يقع للمجاهد، وأفضل من الإنفاق مع ما في الجهاد والنفقة من النفع المتعدي([9]). لأن سائر العبادات من الإنفاق ومقاتلة العدو وسائل ووسائط يتقرب بها إلى الله تعالى والذكر هو المقصود الأسنى، ورأس الذكر قول: “لا إله إلا الله” وهي الكلمة العليا وهي القطب الذي يدور عليه رحى الإسلام والقاعدة التي بني عليها أركان الدين والشعبة التي هي أعلى شعب الإيمان بل هي الكل وليس غيره {قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ} (الأنبياء: 108) أي الوحي مقصور على استئثار الله بالوحدانية لأن القصد الأعظم من الوحي التوحيد {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ}(البينة:5).
ولأمر ما تجد العارفين يؤثرونها على جميع الأذكار لما فيها من الخواص التي لا طريق إلى معرفتها إلا الوجدان والذوق. قال ابن حجر: المراد بالذكر هنا الذكر الكامل وهو ما اجتمع فيه ذكر اللسان والقلب بالشكر واستحضار عظمة الرب، وهذا لا يعدله شيء وأفضل الجهاد وغيره إنما هي بالنسبة إلى ذكر اللسان المجرد. أخذ ابن الحاج من ذلك ترك طلب الدنيا أعظم عند الله من أخذها والتصدق بها وأيده بما في القوت عن الحسن: أنه لا شيء أفضل من رفض الدنيا وبما في غيره عنه أنه سئل عن رجلين طلب أحدهما الدنيا بحلالها فأصابها فوصل بها رحمه وقدم فيها لنفسه وترك الآخر الدنيا فقال: أحبهما إلي الذي جانب الدنيا([10]).
قال شيخ الإسلام عز الدين بن عبد السلام: هذا الحديث مما يدل على أن الثواب لا يترتب على قدر النَّصْبِ في جميع العبادات، بل قد يَأْجُرُ اللَّهُ تعالى على قليل الأعمال أكثر مما يأجر على كثيرها، فإذًا الثواب يَتَرَتَّبُ عَلَى تَفَاوُتِ الرُّتَبِ في الشرف([11]).
فدرجة الذاكر أفضل الدرجات عند الله تعالى يوم القيامة. فعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سُئِلَ أَيُّ الْعِبَادِ أَفْضَلُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ قَالَ: “الذَّاكِرُونَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتُ” قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمِنْ الْغَازِي فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ قَالَ: “لَوْ ضَرَبَ بِسَيْفِهِ فِي الْكُفَّارِ وَالْمُشْرِكِينَ حَتَّى يَنْكَسِرَ وَيَخْتَضِبَ دَمًا لَكَانَ الذَّاكِرُونَ اللَّهَ أَفْضَلَ مِنْهُ دَرَجَةً”([12]).
4. الذاكر سابق لغيره على الإطلاق
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كان رسول الله ﷺ يسير في طريق مكة فمر على جبل يقال له جمدان فقال: “سيروا هذا جمدان، سبق المفردون”. قالوا: وما المفردون يا رسول الله؟ قال: “الذاكرون الله كثيراً والذاكرات” ([13]). والمفردون هم المنفردون المعتزلون عن الناس للتخلي للعبادة([14]).
5. الذكر من المنجيات من عذاب القبر
قال معاذ بن جبل رضي الله عنه: “ما شيء أنجى من عذاب الله من ذكر الله”([16]).
6. أهل الذكر يباهي الله بهم ملائكته
عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رضي الله عنه قَالَ: خَرَجَ مُعَاوِيَةُ عَلَى حَلْقَةٍ فِى الْمَسْجِدِ فَقَالَ: مَا أَجْلَسَكُمْ؟ قَالُوا: جَلَسْنَا نَذْكُرُ اللَّهَ. قَالَ: آللَّهِ مَا أَجْلَسَكُمْ إِلاَّ ذَاكَ؟ قَالُوا: وَاللَّهِ مَا أَجْلَسَنَا إِلاَّ ذَاكَ. قَالَ: أَمَا إِنِّى لَمْ أَسْتَحْلِفْكُمْ تُهْمَةً لَكُمْ وَمَا كَانَ أَحَدٌ بِمَنْزِلَتِى مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَقَلَّ عَنْهُ حَدِيثًا مِنِّى، وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ عَلَى حَلْقَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ فَقَالَ: «مَا أَجْلَسَكُمْ؟». قَالُوا: جَلَسْنَا نَذْكُرُ اللَّهَ وَنَحْمَدُهُ عَلَى مَا هَدَانَا لِلإِسْلاَمِ وَمَنَّ بِهِ عَلَيْنَا. قَالَ: «آللَّهِ مَا أَجْلَسَكُمْ إِلاَّ ذَاكَ؟». قَالُوا: وَاللَّهِ مَا أَجْلَسَنَا إِلاَّ ذَاكَ. قَالَ: «أَمَا إِنِّى لَمْ أَسْتَحْلِفْكُمْ تُهْمَةً لَكُمْ، وَلَكِنَّهُ أَتَانِى جِبْرِيلُ فَأَخْبَرَنِى أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يُبَاهِى بِكُمُ الْمَلاَئِكَةَ»([17]).
قيل: معنى المباهاة بهم أن الله تعالى يقول لملائكته أنظروا إلى عبيدي هؤلاء كيف سلطت عليهم نفوسهم وشهواتهم وأهويتهم والشيطان وجنوده ومع ذلك قويت همتهم على مخالفة هذه الدواعي القوية إلى البطالة وترك العبادة والذكر فاستحقوا أن يمدحوا أكثر منكم لأنكم لا تجدون للعبادة مشقة بوجه، وإنما هي منكم كالتنفس منهم ففيها غاية الراحة والملاءمة للنفس([18]).
7. أهل الذكر تحفهم الملائكة وتغشاهم الرحمة
عَنْ الأَغَرِّ أَبِى مُسْلِمٍ أَنَّهُ قَالَ: أَشْهَدُ عَلَى أَبِى هُرَيْرَةَ وَأَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ رضي الله عنهما أَنَّهُمَا شَهِدَا عَلَى النَّبِىِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «لاَ يَقْعُدُ قَوْمٌ يَذْكُرُونَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ إِلاَّ حَفَّتْهُمُ الْمَلاَئِكَةُ وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ وَنَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ وَذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ»([19]). وعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِى بِى، وَأَنَا مَعَهُ حِينَ يَذْكُرُنِى إِنْ ذَكَرَنِى فِى نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِى نَفْسِى، وَإِنْ ذَكَرَنِى فِى مَلإٍ ذَكَرْتُهُ فِى مَلإٍ هُمْ خَيْرٌ مِنْهُمْ، وَإِنْ تَقَرَّبَ مِنِّى شِبْرًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا، وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَىَّ ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ مِنْهُ بَاعًا، وَإِنْ أَتَانِى يَمْشِى أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً» ([20]).
معناه: من تقرب إلىَّ بطاعتي تقربت إليه برحمتي والتوفيق والإعانة، وان زاد زدت فإن أَتَانِي يَمْشِى وأسرع في طاعتي “أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً” أي صببت عليه الرحمة وسبقته بها ولم احوجه إلى المشي الكثير في الوصول الي المقصود. والمراد أن جزاءه يكون تضعيفه على حسب تقربه([21]).
والله عز وجل يذكر الذاكرين عند ذكرهم له قال تعالى: (فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ)(البقرة:152). فأمر تعالى بذكره، ووعد عليه أفضل جزاء، وهو ذكره لمن ذكره وذكر الله تعالى، أفضله، ما تواطأ عليه القلب واللسان، وهو الذكر الذي يثمر معرفة الله ومحبته، وكثرة ثوابه، والذكر هو رأس الشكر، فلهذا أمر به خصوصا، ثم من بعده أمر بالشكر عموما فقال: {وَاشْكُرُوا لِي} أي: على ما أنعمت عليكم بهذه النعم، ودفعت عنكم صنوف النقم، والشكر يكون بالقلب، إقرارا بالنعم، واعترافا، وباللسان، ذكرا وثناء، وبالجوارح، طاعة لله وانقيادا لأمره، واجتنابا لنهيه.
فالشكر فيه بقاء النعمة الموجودة، وزيادة في النعم المفقودة، قال تعالى: {لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأزِيدَنَّكُمْ} وفي الإتيان بالأمر بالشكر بعد النعم الدينية، من العلم وتزكية الأخلاق والتوفيق للأعمال، بيان أنها أكبر النعم، بل هي النعم الحقيقية؟ التي تدوم، إذا زال غيرها وأنه ينبغي لمن وفقوا لعلم أو عمل، أن يشكروا الله على ذلك، ليزيدهم من فضله، وليندفع عنهم الإعجاب، فيشتغلوا بالشكر([22]).
8. أفضل ما يتمسك به المسلم
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ رضي الله عنه أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ شَرَائِعَ الْإِسْلَامِ قَدْ كَثُرَتْ عَلَيَّ فَأَخْبِرْنِي بِشَيْءٍ أَتَشَبَّثُ بِهِ قَالَ: “لَا يَزَالُ لِسَانُكَ رَطْبًا مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ”([23]). قال الطيبي: التنكير في “بشيء” للتقليل المتضمن لمعنى التعظيم كقوله تعالى: {وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ}(التوبة:72) ومعناه أخبرني بشيء يسير مستجلب لثواب كثير “لسانك رطبًا من ذكر الله” أي طريًا مشتغلًا قريب العهد منه وهو كناية عن المداومة على الذكر([24]).
9. الذاكرون جميع أمورهم مستجابة
فسائل الجنة يفوز بها، والمستجير من النار يجار منها، والمستغفر يغفر له، ومن يجلس معهم له مثلهم. فعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ لِلَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى مَلاَئِكَةً سَيَّارَةً فُضْلًا يَتَبَّعُونَ مَجَالِسَ الذِّكْرِ فَإِذَا وَجَدُوا مَجْلِسًا فِيهِ ذِكْرٌ قَعَدُوا مَعَهُمْ وَحَفَّ بَعْضُهُمْ بَعْضًا بِأَجْنِحَتِهِمْ حَتَّى يَمْلَئُوا مَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَإِذَا تَفَرَّقُوا عَرَجُوا وَصَعِدُوا إِلَى السَّمَاءِ – قَالَ: – فَيَسْأَلُهُمُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، وَهُوَ أَعْلَمُ بِهِمْ مِنْ أَيْنَ جِئْتُمْ؟ فَيَقُولُونَ: جِئْنَا مِنْ عِنْدِ عِبَادٍ لَكَ فِى الأَرْضِ يُسَبِّحُونَكَ وَيُكَبِّرُونَكَ وَيُهَلِّلُونَكَ وَيَحْمَدُونَكَ وَيَسْأَلُونَكَ. قَالَ: وَمَاذَا يَسْأَلُونِى؟ قَالُوا: يَسْأَلُونَكَ جَنَّتَكَ. قَالَ: وَهَلْ رَأَوْا جَنَّتِى؟ قَالُوا: لاَ أَىْ رَبِّ. قَالَ: فَكَيْفَ لَوْ رَأَوْا جَنَّتِى، قَالُوا: وَيَسْتَجِيرُونَكَ. قَالَ: وَمِمَّ يَسْتَجِيرُونَنِى؟ قَالُوا: مِنْ نَارِكَ يَا رَبِّ. قَالَ: وَهَلْ رَأَوْا نَارِى؟ قَالُوا: لاَ. قَالَ: فَكَيْفَ لَوْ رَأَوْا نَارِى؟ قَالُوا: وَيَسْتَغْفِرُونَكَ – قَالَ :- فَيَقُولُ: قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ فَأَعْطَيْتُهُمْ مَا سَأَلُوا وَأَجَرْتُهُمْ مِمَّا اسْتَجَارُوا – قَالَ: – فَيَقُولُونَ رَبِّ فِيهِمْ فُلاَنٌ عَبْدٌ خَطَّاءٌ إِنَّمَا مَرَّ فَجَلَسَ مَعَهُمْ، قَالَ: فَيَقُولُ: وَلَهُ غَفَرْتُ هُمُ الْقَوْمُ لاَ يَشْقَى بِهِمْ جَلِيسُهُمْ»([25]).
“سَيَّارَةً”: سياحون فى الأرض. “فُضْلًا” ملائكة زائدون على الحفظة وغيرهم من المرتبين مع الخلائق. فهؤلاء السيارة لا وظيفة لهم، وإنما مقصودهم حِلَق الذِّكْر ([26]).
ومجالس الذكر تشتمل على ذكر الله بأنواع الذكر الواردة من تسبيح وتكبير وغيرهما، وعلى تلاوة كتاب الله سبحانه وتعالى، وعلى الدعاء بخيري الدنيا والآخرة. وفي هذا الحديث: فضل مجالس الذكر والذاكرين، وفضل الاجتماع علي ذلك وأن جليسهم يندرج معهم في جميع ما يتفضل الله تعالى به عليهم اكرامًا لهم ولو لم يشاركهم في أصل الذكر.
ويؤخذ من هذا الحديث: أن الذكر الحاصل من بني ادم أعلى وأشرف من الذكر الحاصل من الملائكة؛ لحصول ذكر الادميين مع كثرة الشواغل ووجود الصوارف وصدوره في عالم الغيب بخلاف الملائكة في ذلك كله([27]).
10. الذاكر نافع لنفسه ولغيره
فالذاكر ينفع نفسه بما يذكر، وينفع غيره بأن يقتدي به. فعَنْ أَبِى مُوسَى رضي الله عنه قَالَ: قَالَ النَّبِىُّ ﷺ: «مَثَلُ الَّذِى يَذْكُرُ رَبَّهُ، وَالَّذِى لاَ يَذْكُرُ مَثَلُ الْحَىِّ وَالْمَيِّتِ» ([28]).
شبه الذاكر بالحي الذي ظاهره متزين بنور الحياة وباطنة بنور المعرفة وغير الذاكر بالميت الذي ظاهره عاطل وباطنه باطل وقيل: موقع التشبيه بالحي والميت لما في الحي من النفع لمن يواليه والضر لمن يعاديه وليس ذلك في الميت([29]).
وفي الحديث: أن طول العمر في الطاعة فضيلة، وإن كان الميت ينتقل إلى خير؛ لأن الحي يلتحق به، ويزيد عليه بما يفعله من الطاعات([30]).
11. الذكر طمأنينة للقلب
قال تعالى: (الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ)(الرعد:28). (وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ) أي: يزول قلقها واضطرابها، وتحضرها أفراحها ولذاتها.
(أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ) أي: حقيق بها وحريٌّ أن لا تطمئن لشيء سوى ذكره، فإنه لا شيء ألذ للقلوب ولا أشهى ولا أحلى من محبة خالقها، والأنس به ومعرفته، وعلى قدر معرفتها بالله ومحبتها له، يكون ذكرها له.
وقيل: إن المراد بذكر الله كتابه الذي أنزله ذكرى للمؤمنين، فعلى هذا معنى طمأنينة القلوب بذكر الله: أنها حين تعرف معاني القرآن وأحكامه تطمئن لها، فإنها تدل على الحق المبين المؤيد بالأدلة والبراهين، وبذلك تطمئن القلوب، فإنها لا تطمئن القلوب إلا باليقين والعلم، وذلك في كتاب الله، مضمون على أتم الوجوه وأكملها. (وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا) {النساء:82} وهذا إنما يعرفه من خبر كتاب الله وتدبره، وتدبر غيره من أنواع العلوم، فإنه يجد بينها وبينه فرقًا عظيمًا ([31]).
12. الذكر صدقة من لا يستطيع الصدقة
فقد بين النبي ﷺ أن الصدقة ليست قاصرة على المال فقط بل شاملة لكل ألوان البر من ذكر، وأمر بالمعروف ونهي عن المنكر وجماع الرجل لزوجته.
فعَنْ أَبِى ذَرٍّ رضي الله عنه أَنَّ نَاسًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِىِّ ﷺ قَالُوا لِلنَّبِىِّ ﷺ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ذَهَبَ أَهْلُ الدُّثُورِ بِالأُجُورِ يُصَلُّونَ كَمَا نُصَلِّى وَيَصُومُونَ كَمَا نَصُومُ وَيَتَصَدَّقُونَ بِفُضُولِ أَمْوَالِهِمْ. قَالَ: «أَوَلَيْسَ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ مَا تَصَّدَّقُونَ إِنَّ بِكُلِّ تَسْبِيحَةٍ صَدَقَةً وَكُلِّ تَكْبِيرَةٍ صَدَقَةٌ وَكُلِّ تَحْمِيدَةٍ صَدَقَةٌ وَكُلِّ تَهْلِيلَةٍ صَدَقَةٌ وَأَمْرٌ بِالْمَعْرُوفِ صَدَقَةٌ وَنَهْىٌ عَنْ مُنْكَرٍ صَدَقَةٌ وَفِى بُضْعِ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ». قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيَأْتِى أَحَدُنَا شَهْوَتَهُ وَيَكُونُ لَهُ فِيهَا أَجْرٌ قَالَ: «أَرَأَيْتُمْ لَوْ وَضَعَهَا فِى حَرَامٍ أَكَانَ عَلَيْهِ فِيهَا وِزْرٌ فَكَذَلِكَ إِذَا وَضَعَهَا فِى الْحَلاَلِ كَانَ لَهُ أَجْرٌ»([32]).
الدثور ـ بضم الدال ـ جمع دَثر بفتحها، وهو المال الكثير. قال القاضي عياض: يحتمل تسميتها صدقة أن لها أجرًا كما للصدقة أجر وأن هذه الطاعات تماثل الصدقات في الأجور وسماها صدقة على طريق المقابلة وتجنيس الكلام وقيل: معناه أنها صدقة على نفسه ([33]).
13. زيادة قرب من الخالق سبحانه وتعالى ومحبته
عَنْ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ مُوسَى: “أَيْ رَبِّ أَقَرِيبٌ أَنْتَ فَأُنَاجِيَك أَمْ بَعِيدٌ فَأُنَادِيَك؟” قَالَ: “يَا مُوسَى، أَنَا جَلِيسُ مَنْ ذَكَرَنِي، قَالَ، يَا رَبِ، فَإِنَّا نَكُونُ مِنَ الْحَالِ عَلَى حَالٍ نُعَظِّمُك، أَوْ نُجِلُّك أَنْ نَذْكُرَك عَلَيْهَا، قَالَ: وَمَا هي، قَالَ: الْجَنَابَةُ وَالْغَائِطُ، قَالَ: يَا مُوسَى، اذْكُرْنِي عَلَى كُلِّ حَالٍ”([34]). لأنه بمحبته وذكره لما استولى على قلبه وروحه صار معه وجليسه بمعونته ونصرته وتوفيقه([35]).
فيكون علامة المحب لله كثرة ذكره له عز وجل؛ لأنه قيل: من أحب شيئًا أكثر ذكره؛ لأن من أحب الله تعالى أحب أن يكون معه وعنده، وكونه معه وعنده ذكره إياه([36]).
14. الذاكر من المستظلين بظل عرش الرحمن
عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ: «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِى ظِلِّهِ يَوْمَ لاَ ظِلَّ إِلاَّ ظِلُّهُ الإِمَامُ الْعَادِلُ، وَشَابٌّ نَشَأَ بِعِبَادَةِ اللَّهِ، وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِى الْمَسَاجِدِ، وَرَجُلاَنِ تَحَابَّا فِى اللَّهِ اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ، وَرَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ فَقَالَ: إِنِّى أَخَافُ اللَّهَ. وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتَّى لاَ تَعْلَمَ يَمِينُهُ مَا تُنْفِقُ شِمَالُهُ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ» ([37]).
خاليًا يعني: من الخنق، ومن الالتفات إلى غير الله.
و”فيض العين”: بكاؤها. وهو على حسب حال الذاكر، وبحسب ما ينكشف له من أوصافه تعالى، فإن انكشف له غضبه، فبكاؤه عن خوف، وإن انكشف له جماله وجلاله، فبكاؤه عن محبة وشوق([38]).
15. وقاية من الشيطان
عن الحارث الأشعري رضي الله عنه أن النبي ﷺ قالَ: “إِنّ الله أَمَرَ يَحْيىَ بنَ زَكَرِيّا بِخَمْسِ كَلِمَاتٍ… وآمَرَكُمْ أَنْ تَذْكُرُوا الله فَإِنّ مَثَلَ ذَلِكَ كَمَثَلِ رَجُلٍ خَرَجَ العَدُوّ في أَثَرِهِ سِرَاعًا حَتّى إِذَا أَتَى عَلَى حصْنٍ حَصِينٍ فَأَحْرَزَ نَفْسَهُ مِنْهُمْ كَذَلِكَ العَبْدُ لاَ يُحْرِزُ نَفْسَهُ مِنَ الشّيْطَانِ إِلاّ بِذِكْرِ الله… ([39]).
