فقه الإمساك وإدراك معاني العبادات يعيننا على القيام بها بشكل صحيح ويسمح لنا أن نستفيد من آثارها في قلوبنا وحياتنا ودرجاتنا في الجنة، وقد عرّف العلماء الصيام بقولهم: “الإمساك عن شهوتي البطن والفرج يوما كاملا من طلوع الفجر إلى غروب الشمس بنية التقرب إلى الله تعالى”.

فإذا توقفنا عند كلمة الإمساك وتساءلنا: هل الإمساك متعلق بشهوتي البطن والفرج أم هو داخل في مجالات الحياة كلها؟؟ هل إذا ذكرنا الإمساك ذكرنا نقيضه وهو الإنفاق أم أن الأمر أوسع من ذلك؟؟ لنستعرض معا بعض مواقع الإمساك ونحاول الوقوف عندها:

النجاة مقترنة بالإمساك

أهم غايات المسلم الذي عرف ربه وبطشه وأليم عقابه أن ينجو من النار، وهو يسلك كل سبيل لكي يصل إلى طريق النجاة الذي يمر بإمساك اللسان وإمساك النفس عن الأذى:

أ- إمساك اللسان

لما سُئل النبي – – عن النجاة قَالَ: «أَمْسِكْ عَلَيْكَ لِسَانَكَ وَلْيَسَعْكَ بَيْتُكَ وَابْكِ عَلَى خَطِيئَتِكَ» [1]. أمسك عليك لسانك؛ فلا تقطع وعدا لا تستطيع الوفاء به و لا تذكر عورات الناس فكلك عيوب وللناس ألسن.

إذا لم تمسك عليك لسانك وأطلقته، هل تحاسب على ما يصنع ويجني أم أنها كلمات ذهبت مع الريح لن تسجل في صحيفة أعمالك ولن تحاسب عليها؟، لما سأل معاذ رضي الله عنه رسول الله «وَإِنَّا ‌لَمُؤَاخَذُونَ ‌بِمَا ‌نَتَكَلَّمُ بِهِ؟ فَقَالَ: ” ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا مُعَاذُ، وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ – أَوْ قَالَ: عَلَى مَنَاخِرِهِمْ – إِلَّا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ؟! “» [2].

وإمساك اللسان يحتاج لطاقة هائلة لكي تجعله يسكت حين تطغى عليه شهوة الكلام، ويختار أحسن الألفاظ حين يغضب أو يغتر بقوته فيعميه الغضب والغرور عن الحكمة والذوق ورعاية مشاعر الناس.

ب- إمساك الأذى عن الناس

طريق النجاة يمر أيضا بإمساك النفس عن أذى الخلق، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَاذَا يُنَجِّي الْعَبْدَ مِنَ النَّارِ؟ قَالَ: ” الْإِيمَانُ بِاللهِ “

فقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللهِ مَعَ الْإِيمَانِ عَمَلٌ، قَالَ: ” أَنْ تَرْضَخَ مِمَّا خَوَّلَكَ اللهُ أَوْ تَرْضَخَ مِمَا رَزَقَكَ اللهُ “

قُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللهِ، فَإِنْ كَانَ فَقِيرًا لَا يَجِدُ مَا يَرْضَخُ؟ قَالَ: ” يَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ “

قُلْتُ: إِنْ كَانَ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَأْمُرَ بِالْمَعْرُوفِ وَلَا يَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ؟ قَالَ: ” فَلْيُعِنِ الْأَخْرَقَ “ [الذي لا يستطيع أن يدبر أمور نفسه]

قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ لَا يُحْسِنُ أَنْ يَصْنَعَ؟ قَالَ: ” فَلْيُعِنْ مَظْلُومًا “

قُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللهِ، أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ ضَعِيفًا لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُعِينَ مَظْلُومًا؟ قَالَ: ” مَا تُرِيدُ أَنْ تَتْرُكَ لِصَاحِبِكَ مِنْ خَيْرٍ لِيُمْسِكْ أَذَاهُ عَنِ النَّاسِ “

قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَرَأَيْتَ إِنْ فَعَلَ هَذَا يَدْخُلِ الْجَنَّةَ؟ قَالَ: ” مَا مِنْ مُؤْمِنٍ يُصِيبُ خَصْلَةً مِنْ هَذِهِ الْخِصَالِ إِلَّا أَخَذَتْ بِيَدِهِ حَتَّى تُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ “ [3].

طريق نجاة العبد من النار أن يعين غيره بماله أو بكلامه أو بقوته، فإن عجز عن تقديم الدعم والمعونة فليمسك أذاه عن الناس الأذى الذي يكون بالكلام والنظر واليد واللسان، وبعض الناس لا يستريح له بال إلا إذا شعر بالناس تتلوى من الألم فإن لم يستطع أن يؤلمهم تمنى لهم الشر وسعد سعادة بالغة حين يصيبهم الضر، ولعلنا نستقبح ما يصنعه هذا الإنسان ونستنكره لكننا نقع في بعض هذا الشر أحيانا حين نشعر بإهمال الآخرين لنا وعدم تقديرهم.

الإمساك والضبط الانفعالي

قال : «‌لَيْسَ ‌الشَّدِيدُ ‌بِالصُّرَعَةِ، إِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ.» وعند ابن حبان في صحيحه «”الصُّرَعَةُ الَّذِي ‌يُمْسِكُ ‌نَفْسَهُ ‌عِنْدَ الْغَضَبِ”.» فلا يتكلم بكلام الآن يندم عليه بعد ساعة ولا يتصرف تصرفا يندم عليه ما بقي من عمره، قدرته على إمساك نفسه تجنبه كل هذه المكاره وتجعله قويا في ميزان الإسلام.

الاستمساك بالوحي ومضامينه

﴿فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الزخرف: 43] ستجد من يطلب منك أن تخرج عن منهج الله ستجد من يغريك بوعود زائفة لتنسى وعد الله تعالى لك ستجد من يلهيك فإذا أردت النجاة في الدنيا والسعادة في الآخرة فاستمسك بالوحي.

قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” وَيْلٌ لِلْعَرَبِ مِنْ شَرٍّ قَدِ اقْتَرَبَ، فِتَنًا كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ، يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا، وَيُمْسِي كَافِرًا، يَبِيعُ قَوْمٌ دِينَهُمْ بِعَرَضٍ مِنَ الدُّنْيَا قَلِيلٍ، الْمُتَمَسِّكُفيه بدينه يَوْمَئِذٍ بِدِينِهِ كَالْقَابِضِ عَلَى الْجَمْرِ أَوْ قَالَ: عَلَى الشَّوْكِ “ [4].

سيُتهم المتمسك بدينه بشتى التهم، فهو متخلف يعيش في عصور الظلمات لا يدرك الواقع ولا ينظر إلى المستقبل عينه على الماضي فقط، والحق أن الواقع والمستقبل بيدي الله.

﴿فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ﴾ [الزخرف: 43] إذا أوهموك أن طريقك طويل ولن تصل إلى ما تحب، الله تعالى يقول لك: ﴿إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الزخرف: 43]، والطريق المستقيم هو أقصر طريق بين نقطتين كل الطرق المعوجة طويلة وتكلفتها مهما بدت سهلة يسيرة هي في الحقيقة شاقة عسيرة، تدرك ذلك لما تنتهي السكرة وتقف على حقيقة الأمر لتجد أن كل من فرطوا في دينهم وقيمهم ومبادئهم قد مرت عليهم أيام المكاسب والشهرة والمال سريعة وبقيت أعوام الحسرة والندامة.

الحساب الختامي لمن فرطوا ولمن استمسكوا في الدنيا قبل الآخرة يظهر أن الذين استمسكوا كانوا أصحاب نظرة ثاقبة، كشف الله لهم بسبب حسن اعتقادهم في الله أن من يسعد أخير يسعد كثيرا.

استمسك بالذي أوحي إليك فستجد من يتصور أنه ملك الارض والسماء وأنه يستطيع أن يعطي ويمنع حاشا لله، فاعلم أن حركته في إطار الأسباب وأن الرحمة بيد الحق سبحانه وتعالى الذي يقول: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [فاطر: 2]

مهما بلغت قوة بعض الخلق وما تحت يده من أسباب لن يستطيع أن يمسك قطرة من رزق الله وفضله سبحانه وإحسانه، لن يستطيع أن يمنع ذرة من الخير أراد الله تعالى أن تصل لمخلوق، وانظر في واقعك وما مضى من أيام البشر.

وخذ مثالا عمليا: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (5) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ ﴾ [القصص: 5-6] أراد الله تعالى أن يمن على المستضعفين، فلم تستطع قوى الأرض أن تقف ضد هذه الإرادة بل كانت جزء من إنفاذ أقداره سبحانه وتعالى فربى فرعون في بيته وتحت بصره وسمعه موسى عليه السلام وهو عدوه.

الإمساك والتسريح

وللإمساك بالمعروف في مجال العلاقات الزوجية مكان ومكانة في الشريعة الإسلامية ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ ﴾ [البقرة: 229]

هذه الحياة الزوجية أقامها الله على المودة والرحمة وعالج أسباب النزاع التي تحدث في كل البيوت لتبقى المودة والرحمة هما ماء الحياة بالنسبة للزوجين فإن لم يكن كذلك فلا أقل من أن يستظل البيت بهما.

فإذا هبت عواصف القطيعة وهاجت أمواج الظلم ينبغي أن نعود إلى السكن الذي شرع الله تعالى الزواج لأجله، فإذا فشلت المحاولات الجادة الصادقة المخلصة لإعادة البيت إلى الوئام وتحمل كلا الزوجين لعيوب الآخر ومحاولة الإصلاح الهادئ الصبور وأصبحت العشرة بين الزوجين مستحيلة، يعود الزوج إلى إيمانه بربه وتمسكه بسنة نبيه فيجد أن الإحسان ينبغي أن يسود الموقف أثناء الطلاق رغم ما أصاب الزوج والزوجة من خلاف وشقاق ونزاع.

الإنفاق وقت دواعي الإمساك

جبلت النفوس على حب المال وفي أوقات اليسر تنفق وفي أوقات العسر تمسك فالغد مجهول ولا يعلم أحد ما في غد، هل يكون فيه مال أو فقر، في هذه الظروف العصيبة يتجلى الإيمان ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: 9] ومن لم يوق شح نفسه فأولئك هم الخاسرون.

والإنفاق وقت طول الأمل في الحياة ورجاء طول العمر أعظم أجرا وأصدق دلالة على ثقة الإنسان بربه، «جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ الصَّدَقَةِ أَعْظَمُ أَجْرًا؟ قَالَ: (أَنْ تَصَدَّقَ وَأَنْتَ ‌صَحِيحٌ ‌شَحِيحٌ، تَخْشَى الْفَقْرَ وَتَأْمُلُ الْغِنَى، وَلَا تُمْهِلُ حَتَّى إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ، قُلْتَ: لِفُلَانٍ كَذَا، وَلِفُلَانٍ كَذَا، وَقَدْ كَانَ لِفُلَانٍ).» [5] الظروف المحيطة كلها تقول لك أمسك فالمستقبل مجهول، لكن يقين الإنسان بربه وسعة خزائنه يجعله ينفق وهو يتمنى طول عمره وما فيه من أعباء وحاجات.

العبادات كلها تعلم الإنسان أن يمسك نفسه في الرضا والغضب، والفقر والغنى، والفرح الحزن، وفي حال إقبال الدنيا وإدبارها، وفي زمن الشباب وأيام الشيخوخة، وفي حال اجتماعه بالناس وفي حال انفراده.