طرحت دار “ليدر للنشر والتوزيع” مؤخرا كتاب “فلسفة الرأي العام والدعاية في العصر الرقمي” للدكتور محمد شومان، أستاذ الإعلام بجامعة عين شمس والعميد المؤسس لكلية الإعلام بالجامعة البريطانية والمعهد الدولي العالي للإعلام؛ ليقدم معالجة فلسفية ونقدية معمقة لمفهوم الرأي العام كونه ظاهرة سياسية واجتماعية متحولة، وعلاقته الجدلية بآليات الدعاية التقليدية والرقمية في عالم تحكمه الخوارزميات وتعيد تشكيله المنصات العملاقة.
ويتخطى الكتاب تتبع المسار التاريخي لظاهرة الرأي العام وصولا إلى مساءلة جذوره الفلسفية، وموقعه في بنية السلطة، وحدوده المعرفية، وإمكاناته التحررية، مع التركيز على قابليته للتلاعب والاستغلال. وينطلق المؤلف من فرضية مركزية مؤداها أن الرأي العام يعد بناء اجتماعيا معقدا يتجاوز كونه تعبيرا تجميعيا عن مواقف الأفراد؛ إذ تتداخل في تشكيله عوامل ثقافية وتعليمية واقتصادية وسياسية وإعلامية تتفاعل ضمن سياقات تاريخية متغيرة.
ويستند هذا الطرح المعرفي إلى خبرة أكاديمية وبحثية واسعة للدكتور محمد شومان، أستاذ الإعلام بجامعة عين شمس وجامعة قطر، والعميد المؤسس لكلية الإعلام بالجامعة البريطانية والمعهد الدولي العالي للإعلام بأكاديمية الشروق، إذ يضيف هذا المؤلف الجديد لبنة أخرى إلى رصيده العلمي الذي يضم 32 كتابا، شملت قضايا الإعلام الرقمي، والرأي العام، والتحليل النقدي للخطاب، واتصالات الأزمات، وصولا إلى أخلاقيات الذكاء الاصطناعي، مما يمنح العمل ثقلا مرجعيا يربط بين النظرية الفلسفية والتطبيق المهني.
أربعة نماذج لتحليل التوازن الاجتماعي
يرتكز الكتاب على أربعة نماذج إرشادية (Paradigms) لفهم الرأي العام وتحليل أدواره في المجتمع، تشمل: النموذج المعرفي الذي ينظر إلى الرأي كناتج لعمليات الإدراك ومعالجة المعلومات، والنموذج البنائي الوظيفي الذي يراه عنصرا من عناصر التوازن الاجتماعي، والنموذج التفاعلي الرمزي الذي يركز على التفاعل واللغة والرموز في تشكيل المواقف، وأخيرا النموذج النقدي الجديد الذي ينطلق من نقد علاقات الهيمنة والتلاعب، مستلهما أطروحات مدرسة فرانكفورت ويورغن هابرماس.
ويستعرض المؤلف تطور دراسات الرأي العام منذ نشأته الحديثة في القرن الثامن عشر مع روسو وبنثام، كونه قوة رقابية أخلاقية على السلطة، وصولا إلى عصر الدولة القومية والصحافة المطبوعة وظهور المجال العام. كما يعود إلى الجذور القديمة للفكرة في الحضارات الصينية والمصرية واليونانية، موضحا افتقار تلك المجتمعات للرأي العام كقوة مستقلة، وربطها إياه دائما بالانسجام الاجتماعي أو السلطة.
سجال “ليبمان وديوي” وتحديات التقنية
وفي هذا السياق، يتوقف الكتاب مطولا عند النقاش الفكري الكبير الذي أثاره والتر ليبمان في كتابه الشهير “الرأي العام” (1922) إذ شكك في عقلانية الجماهير وقدرتها على الفهم والحكم، مؤكدا عيش الجمهور داخل “بيئة زائفة” تصنعها الصور النمطية والدعاية، مما يجعله عرضة للتلاعب. وقد دعا ليبمان إلى الاعتماد على نخبة من الخبراء بدلا من الديمقراطية المباشرة، مما فجر سجالا فلسفيا واسعا مع جون ديوي الذي دافع عن الديمقراطية التشاركية، ورأى أن أزمة الجمهور تستدعي تطوير التعليم والصحافة والمجال العام عوضا عن إقصائه.
ويعيد الكتاب قراءة هذا “النقاش الكبير” في ضوء العصر الرقمي، مشيرا إلى أن الأسئلة القديمة حول حكم الأغلبية أو حكم الخبراء، وعقلانية الجماهير، ودور الإعلام، تظل ذات أهمية بالغة، بل ازدادت تعقيدا مع صعود ، والمنصات الرقمية، واقتصاد البيانات الضخمة.
خوارزميات “حارس البوابة”
وفي فصل آخر، يناقش المؤلف نظريات تشكيل الرأي العام، مثل ترتيب الأولويات ودوامة الصمت، والنماذج التكاملية المعاصرة، مبرزا تحول الخوارزميات إلى “حارس بوابة” جديد يحدد ما يرى وما يخفى، ويضخم بعض القضايا ويهمش أخرى، ويصنع استقطابا حادا، ويعزز غرف الصدى، ويفتت المجال العام عوضا عن توسيعه.
أما في محور الدعاية، فيميز الكتاب بوضوح بين الإعلان والدعاية من حيث القصد والسياق والأهداف، متتبعا تطورها من أفلاطون الذي اعتبر الخطابة أداة للتلاعب، مرورا بإدوارد برنيز الذي صاغ مفهوم “هندسة الإجماع”، وصولا إلى أشكالها الرقمية المعاصرة التي تعتمد على الأخبار الكاذبة، والتزييف العميق، والتلاعب الخوارزمي، واستخدام الذكاء الاصطناعي في صناعة التأثير.
الهيمنة الناعمة وإشكالية القياس
ويكشف المؤلف تحول المنصات الرقمية -التي بشر بها كفضاء للتحرر والمساواة- إلى أدوات للهيمنة الناعمة تديرها شركات عملاقة تمتلك سلطة غير مسبوقة على العواطف والخيارات والانتخابات. فهذه المنصات تمتنع عن نقل الواقع كما نراه، وتعمل على إعادة تشكيله وفق منطق الربح، والانتباه، والاستقطاب.
ويخصص الكتاب فصلا كاملا لإشكالية قياس الرأي العام، متسائلا عن مدى موضوعية استطلاعات الرأي التقليدية والرقمية، وحدود تمثيلها للمجتمع، وتأثرها بالتحيزات المنهجية والخوارزمية. ويطرح المؤلف تساؤلا جوهريا: هل هذه القياسات تعكس الحقيقة، أم أنها تصنع وهم الإجماع وتعيد إنتاجه لخدمة أجندات سياسية واقتصادية محددة؟
رؤية نقدية لمستقبل الإنسان
وفي خاتمته، يذهب د. شومان إلى أبعد من التحليل الوصفي، ليطرح سؤالا وجوديا بالغ الخطورة: هل يظل الرأي العام موجودا كقوة مستقلة؟ أم نشهد تفككه تحت وطأة الرأسمالية الرقمية، واحتكار التكنولوجيا، وصعود الذكاء الاصطناعي؟ وهل تقدر الدعاية الرقمية على تحويل الرأي العام إلى وهم يدار لصالح النخب المسيطرة؟
ويحذر الكتاب من ارتباط الإجابة عن هذه الأسئلة بمستقبل الإنسان نفسه، إضافة إلى مستقبل الديمقراطية، في عالم يتجه نحو ما بعد الإنسان، حيث تدار القرارات عبر الخوارزميات، ويختزل الوعي في بيانات، ويعاد تعريف المشاركة والحرية. ويخلص المؤلف إلى ضرورة تبني مدخل تكاملي في دراسة الرأي العام، يجمع بين النماذج المعرفية والبنائية والتفاعلية والنقدية، لفهم التعقيد المتزايد للعالم المعاصر، حيث تمثل فلسفة الرأي العام والدعاية تأملا عميقا في معنى الحقيقة والسلطة والحرية، والمسؤولية.
خاتمة
يمثل كتاب “فلسفة الرأي العام والدعاية في العصر الرقمي” مرجعا أساسيا لفهم آليات التأثير في القرن الحادي والعشرين، ودعوة مفتوحة لإعادة التفكير في معنى “الرأي” و”الإجماع” و”المجال العام” في زمن الخوارزميات.
