كيف تتبدل قيم المجتمعات ومعتقداتها؟ وكيف يستيقظ العالم يوما ما ليجد أن ممارسة كانت مقبولة بالأمس غدت اليوم موضع إدانة؟ ولماذا تصبح مواقفنا الأخلاقية عرضة للتحول؟ وهل يقود هذا التغير الأخلاقي للتقدم الدائم نحو الأفضل ؟

تقترح الباحثة الدنماركية سيسيليا إريكسن (المستشارة بالمركز الوطني للأخلاقيات في كوبنهاغن) إجابات على هذه التساؤلات طرحتها في كتابها : (Moral Change: Dynamics, Structure, and Normativity) والصادر عام 2020 م عن (Palgrave Macmillan) خلال مقاربة تستوعب أبعادا متعددة  – خاصة بالمجتمع الغربي – تتداخل فيها اللغة، والتاريخ، والمؤسسات، والعاطفة، والممارسة الاجتماعية اليومية، مستندة إلى سرديات تاريخية ترتبط بتغيرات قانونية وفهم للفلسفة الأخلاقية الحديثة وفلسفة لودفيغ فيتغنشتاين المتأخرة.

وصدرت الترجمة العربية للكتاب بعنوان : ” التغير الأخلاقي: الديناميات والبنية والمعيارية” عبر دار الروافد الثقافية – ناشرون (بيروت) وابن النديم للنشر والتوزيع (الجزائر)  في عام 2023 م بترجمة الدكتور مصطفى سمير عبد الرحيم، واحتوت النبذة التعريفية للكتاب على إشادة من قبل الفيلسوف والباحث البريطاني بليزانتس بجمع الكتاب بين التحليل الفلسفي والحالات التاريخية المستمدة من القانون والأنثروبولوجيا والأدب والفن، وبأسلوبه الحواري واهتمامه بمكانة الأخلاق في الحياة البشرية، بينما رأت الأكاديمية والباحثة المتخصصة في الفلسفة الأخلاقية جوليا هيرمان أن الكتاب يقدم معالجة متعددة الأوجه لديناميات التغير الأخلاقي، ويواجه الاعتقاد بوجود تفسير موحد للظاهرة، كما أبرزت الجمع بين التأمل الفلسفي والمناقشة المستندة إلى أمثلة تاريخية ملموسة.

التشابه العائلي في تاريخ الأخلاق

ينطلق الكتاب من ملاحظة أساسية مفادها أن مواقف المجتمعات البشرية قد تبدلت جذريا على مر العصور إزاء قضايا كبرى مثل العبودية، وعمالة الأطفال، والتدخين، وعقوبة الإعدام، وحقوق السكان الأصليين، والتصورات القانونية والدينية للزواج، ومفهوم الطفولة نفسه، ولذلك آليات هذا التغير تظل عصية على الفهم البسيط والتنميط، ومحاولات التفسير تكون أكثر تعقيدا إذ قد يدفع القانون أحيانا إلى تغيير السلوك الاجتماعي، وفي مواقف أخرى يسبق الحس الأخلاقي الجمعي صدور التشريعات، وقد يعيد نص أدبي أو احتجاج حقوقي أو تحول اقتصادي تشكيل رؤية الناس لما يعدونه عدلا أو ظلما.

وترفض إريكسن رد هذه الحالات إلى فاعل واحد لأن ديناميات التغير الأخلاقي تعددية بطبيعتها، ولا يوجد سبب متفرد أو مجموعة عوامل ثابتة وضرورية لحدوث أي تحول أخلاقي، ويتفاوت أثر هذه العناصر من سياق إلى آخر فأحيانا يتصدر التشريع في بعض الحالات، بينما تتقدم اللغة، أو العاطفة، أو الدين، أو المصالح الاقتصادية، أو الصراع السياسي في حالات أخرى.

هذا التعدد المرن للعوامل يتقاطع مباشرة مع مفهوم للفيلسوف النمساوي لودفيغ فيتغنشتاين يسمى “التشابه العائلي” ( Family resemblance) حيث تستعمله إريكسن في توصيف التغير الأخلاقي مما يعارض هذا التصور المنهجي النماذج الأحادية التي تحاول تفسير التاريخ الأخلاقي من بوابة الاقتصاد وحده، أو القانون وحده، أو تطور العقل المجرد.

الأخلاق والحياة

تستند رؤية إريكسن المعرفية إلى فلسفة فيتغنشتاين المتأخرة التي تربط معنى المفهوم بطريقة استعماله وسياقه داخل الحياة اليومية ولذلك ترى أن مفاهيم مثل العدالة، والكرامة، والمسؤولية يمكن فهمها من خلال تتبعها داخل القوانين، والمؤسسات، والروابط، وطرق التربية.

يبدأ فهم التغير الأخلاقي من النظر في الممارسات الفعلية، وفي الكيفية التي يعيد بها البشر وصف أنفسهم ووصف تجاربهم داخل ما يسمى “أشكال الحياة ” (Forms of life)  لأن المفاهيم الأخلاقية تكتسب قيمتها الحقيقية من سلوكنا اليومي وعلاقتها بالمؤسسات. ويظهر التزام المؤلفة الصارم بهذا المنهج في البناء البنيوي للكتاب إذ يعرض في قسمه الأول الحالات التاريخية والواقعية المعيشة، قبل أن ينتقل في القسم الثاني إلى استخلاص المفاهيم الفلسفية والتأصيل المعرفي لها.

المفاهيم الستة

جاء محتوى الكتاب بحسب فهرس النسخة العربية عبر قسمين رئيسيين:

القسم الأول: ديناميات التغير الأخلاقي وبنياته

يستعرض هذا القسم ثماني سرديات تاريخية ملموسة تشكل الأرضية التجريبية للتحليل الفلسفي ويربط بينها جميعا الجانب القانوني وتحولاته:

  • صانعات الملائكة وقوانين رعاية الطفل السويدية لعام 1902.
  • عرض الخد الآخر مع الشيك في اليد.
  • الدانماركيون المطيعون وقانون التدخين.
  • ولادة جديدة للعدالة؟ حقوق أراضي السكان الأصليين في كندا.
  • منظف المداخن المسكين! عمالة الأطفال في المملكة المتحدة.
  • من عقوبة الإعدام إلى حفلات الزفاف الكنسية.
  • تخطي خيرنا وشرنا: حالة قبيلة الكرو.
  • العمل المشترك والتسويات: ولادة اتفاقية حقوق الطفل.

القسم الثاني: معيارية التغير الأخلاقي

ينعطف هذا القسم نحو تفكيك البنية الفلسفية عبر ستة مفاهيم محورية :

  • النزاع الأخلاقي
  • اللايقين الأخلاقي
  • اليقين الأخلاقي
  • التشوه الأخلاقي
  • الثورة الأخلاقية
  • التقدم الأخلاقي

قراءة نقدية للكتاب

قدم الباحث المتخصص في الفلسفة والأخلاق ريان مانهاير (Ryan Manhire)  قراءة نقدية لكتاب إريكسن نشرت في مجلة Nordic Wittgenstein Review عام 2023، أشاد فيها مانهاير بنجاح منهج إريكسن في إظهار تعقيد التغير الأخلاقي عبر القول بتعدد المحركات وتوظيف مفهوم “التشابه العائلي”، واصفا استعاراتها بأنها وسائل غنية ومفيدة جدا لفهم تباين المسارات.

وسجل مانهاير تحفظا منهجيا دقيقا إذ رأى أن كثرة الحالات التاريخية المتزاحمة في القسم الأول وتعدد المفاهيم في القسم الثاني، جعلا بعض أجزاء الكتاب أقرب إلى رسم تخطيطي واسع، لم يحظ بتحليل لغوي وسياقي عميق يتناسب مع اتساع المشروع ومنهجه المعلن.

ولفت مانهاير النظر إلى احتمال تبني المؤلفة صورة أخلاقية مسبقة قبل الخضوع أحيانا للتحليل الفلسفي الذي كان من المفترض أن يدعمها ويفضي إلى النتيجة، ولذلك اقترح بأن التركيز على عدد محدود من الحالات كان سيتيح المجال أكثر لفحصها بشكل أعمق.

وخلص مانهاير في مراجعته إلى وصف الكتاب بأنه قراءة ممتعة وغنية بالمعلومات وإضافة مرحب بها في حقل المقاربات الأخلاقية المتأثرة بفلسفة فيتغنشتاين.