ليست قصة قارون في القرآن حكايةَ ثراءٍ انتهى بخسفٍ فحسب، بل هي درسٌ تربويٌّ بالغ الدقة: الفتنة التي تُسقط الصف من الداخل دون حاجةٍ إلى أن يظهر فرعون في تفاصيل المشهد.

يفتتح القرآن القصة بجملةٍ تُغلق باب التوهّم:

﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ﴾ (القصص: 76).

هو من “الصف”، من الداخل، قريبٌ من الهوية، ويعرف لغة الجماعة… ثم كانت طعنته على قومه.

مشهدٌ مقصود: لا فرعون في الحوار… ولا موسى في السجال

الأعمق في القصة أن القرآن حين نقل “حوار المال” لم يذكر فرعون أصلًا، ولم يذكر موسى حاضرًا في السجال، بل قال: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ﴾… ثم ردّ قارون:

﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِي﴾ (القصص: 76–78).

وكأن الرسالة للصف في كل زمان: لا تنتظر خصمًا خارجيًا ليهدمك؛ فقد تبدأ الهزيمة بكلمة “أنا”، وبسحر المال حين يصبح معيار الحق.

فالذين نصحوا قارون لم يطالبوه بترك الدنيا، بل أعادوه إلى الميزان:

﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ﴾ (القصص: 77).

نصيحةٌ جامعة: آخرةٌ أولًا… ودنيا بلا فساد… ونعمةٌ تُترجم إحسانًا لا استعلاءً. لكن قارون اختصر كل المعاني في جملةٍ واحدةٍ قاتلة: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِي﴾ (القصص: 78). فحين تُنزع النعمة من يد الله وتُعلّق على صدر الذات… يصبح المال “معبودًا” جديدًا، وتولد طبقةٌ داخل الصف ترى نفسها فوق النصح، وفوق المحاسبة، وفوق الشورى.

مثلث ضرب الدعوة: علاقة المنفعة وتبادل الأدوار

بعد هذا “الغياب المقصود” لفرعون عن حوار المال، نفهم لماذا يجمع القرآن في مواضع أخرى بين فرعون وهامان وقارون: لأن الأمر ليس أفرادًا متفرقين، بل منظومة تضرب الدعوة من الخارج والداخل، بأدوات تتكامل وتتبادل الأدوار:

  1. فرعون: قهر السلطة، والسوط الذي يرهق الناس ويمنع قيامهم.
  2. هامان: صناعة الإبهار والمشهد (الصرح) لتضليل الوعي وتضخيم هيبة الطغيان.
  3. قارون: اختراق الصف بالمال، وتفكيك الداخل بشرعيةٍ مصطنعة ومنافع تُشترى.

وهنا تتضح علاقة المنفعة: قد لا يذكر القرآن تفاصيل “عقدٍ” مباشر بين الثلاثة، لكنه يكشف سنّةً ثابتة: أن الباطل إذا أراد استئصال الحقّ لا يكتفي بأداة واحدة، بل يُحكم الطوق عبر تبادل الأدوار. فالطغيان لا يحتاج أن يُفقر كل فردٍ في بني إسرائيل، بل يكفيه أن يكسر القوة الجماعية، ويترك داخلهم من يؤدي وظيفة التفكيك.

ومن هنا يمكن فهم كيف يتمدد ثراء قارون في مناخ القهر: ليس لأن فرعون يحب بني إسرائيل، بل لأن الاستبداد قد يضيّق على العامة، ثم يُبقي داخلهم “فردًا/طبقة” يعلو بالمال —لا ليبنيهم— بل ليُفتتهم: يشتري الولاءات، ويصنع طبقةً تتعلق بالدنيا وتخاصم الناصحين، فتتحول المعركة من مواجهة الطغيان إلى صراع داخل الصف، بينما السوط في الخارج يمسك بالخناق.

والأبلغ أن القرآن في لحظة “حوار المال” لم يُدخل فرعون في التفاصيل؛ لأن المعركة هنا تُدار داخل القلوب: ﴿إذ قال له قومه﴾… و﴿إنما أوتيته على علم عندي﴾. فوظيفة المنظومة أن تجعل الناس يظنون أن الخلاص من الخارج يكفي، بينما الداخل يُستنزف بالفتنة، ويُضلّل بالإبهار، ويُشترى بالمال.

قارون حين يجمع وجاهة الدين وسطوة المال

ولعلّ أشدّ ما يجعل فتنة قارون داخل الصف مُركّبةً أنه لم يكن “غريبًا” ولا “طارئًا” في عيون الناس. تذكر الروايات التفسيرية أنه كان ذا قرابةٍ لموسى (يُذكر: ابن عمّه)، ويُروى أنه كان من قرّاء بني إسرائيل.

أي أنه جمع —في نظر كثيرين— بين وجاهة دينية وسطوة مالية؛ وهذا أخطر تركيبٍ على الصف:

هيبة “المتدين” + نفوذ “الممول”.

فإذا اجتمع في شخص واحد: قربٌ من الرموز، وخطابٌ ديني، ونفوذ مالي… صار قادرًا أن:

  • يُسكت الناصحين بتهمة “الطعن في أهل الفضل”.
  • ويشتري المواقف باسم “خدمة الدعوة”.
  • ويحوّل الشورى إلى ديكور، والمحاسبة إلى إساءة أدب.
  • ثم ينتهي الصف إلى معيارٍ مقلوب: من يملك المال يُصنَّف “أقرب للحق”، ومن يفتقر يُتّهم في نياته.

حيلة قارون: “على علم عندي” … إسقاط الشفافية والمحاسبة

وكان قارون حاذقًا في إدارة الفتنة؛ فعندما واجهه بنو إسرائيل بالنصح وسألوه ضمنًا عن وجه المال ومآله، لم يفتح باب البيان، ولم يسمح بسؤال: من أين؟ أين تُصرف؟ من ينتفع؟ بل أغلق الباب كله بجملةٍ تبدو “عقلانية” لكنها عمليًا تُعطّل الرقابة:

﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِي﴾.

هذه العبارة تنقل القضية من أمانةٍ تُسأل إلى مهارةٍ لا تُراجع، ومن محاسبةٍ مشروعة إلى تمجيدٍ للشخص. فتصبح الشفافية “تدخّلًا”، والمراجعة “تشكيكًا”، والسؤال “سوء ظن”، والنصيحة “حسدًا”. وهنا يموت الصفّ من الداخل: لا لأن المال دخل، بل لأن ثقافة السؤال ماتت، ولأن المال صار فوق الشورى، وفوق قيم التربية، وفوق ميزان الآخرة.

كرمٌ مُصطنع… وتديّنٌ معروض… لتجريم السؤال

ومن سنن فتنة “قارون الداخل” أن المال لا يكتفي بأن يكون خزائن، بل يتحول إلى عرضٍ اجتماعيّ: موائد عامرة، وهدايا، ومظاهر صدقة، وتبنٍّ لقضايا الصف المؤمن… حتى يلتبس على الناس الفرق بين الإنفاق لله والإنفاق لصناعة الولاء.

وقد يظهر صاحب المال بمظهر “المتصدق” و”المناصر” ليصير السؤال عنه جريمة: إذا سألته: من أين؟ أين تُصرف؟ من يراقب؟ قيل لك: أتشكّك في أهل البر؟ وهكذا تتحول الشفافية إلى “سوء ظن”، والمحاسبة إلى “نكران جميل”، وتُدفن الأمانة تحت ركام المجاملات.

بل قد يبلغ دهاء الفتنة أن يتظاهر “قارون” بانتقاد الطغيان أحيانًا —لا ليقاومه حقًا— بل ليجمع قلوب المتألمين، ويقدّم نفسه صوتًا من داخل الجماعة “يغار عليها”. وهنا تتجلى فكرة تبادل الأدوار: فهو يَنتقد وهو آمنٌ من سطوة فرعون؛ لأن دوره في المنظومة لا يُكسر بسهولة، ولأن نقده محسوبٌ لا يهدد أصل الحكم، بل يخدمه: يفرّغ الاحتقان، ويصنع بطلًا مزيفًا، ثم يعيد توجيه الصف من مواجهة الخارج إلى الانشغال بالداخل تحت سقف المال.

وهنا يفهم الصفّ أن أخطر ما يفسده ليس المال وحده، بل التديّن المُستَخدم، والصدقة التي تصير بطاقة حصانة، والكرم الذي يُلغِي الرقابة. فالمال إذا لم يُضبط بالآخرة صار بابًا لفسادٍ مُجمَّلٍ باسم الخير.

الفتنة لا تقف عند صاحب المال… بل تنتقل إلى القلوب

ثم يصف القرآن كيف يعمل المال على المجتمع من الداخل: قارون خرج بزينةٍ تُبهِر… فانبهر فريقٌ وتمنّى:

﴿يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ﴾ (القصص: 79).

وفي المقابل وقف “أولو العلم” ليحرسوا البوصلة: ﴿وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ﴾ (القصص: 80). هنا يُفرَز الصف:

  • صفٌّ يفتنه “البريق” فيبدّل ميزان الحق.
  • وصفٌّ يثبت على معيار الآخرة، ولو قلّ حظه من الزينة.

خاتمة: حين تنجح فتنة قارون… يتدخل الله ليحفظ دينه

في ظاهر المشهد، كانت فتنة قارون قد نجحت: شقّت الصف الداخلي، وضببت الرؤية، حتى صار بعض الناس يتمنّى مكانه ويُسقط ميزان الحق أمام بريق الزينة. لحظةٌ يتقدّم فيها المال ليصير “دليلًا”، ويتراجع فيها صوت التربية ليُتهم بالحسد، وتتحول الشفافية إلى جريمة، والمحاسبة إلى قلة أدب.

وهنا تأتي اللمسة القرآنية الأعمق: التدخل الإلهي المباشر. فلم يُسق القرآن القصة باعتبارها مواجهةً خطابية يقودها موسى في الداخل، بل جاء الحسم من السماء مباشرة:

﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ﴾.

ليُعلن أن الله إذا تُرك الصفُّ لفتنة المال طويلاً أكلت قلوبه، وإذا حضر حكمُ الله انكشف الزيف في لحظة، وسقطت الهيبة المصنوعة في ثانية. والمقصود ليس تغييب دور الأنبياء —حاشا— بل تثبيت حقيقةٍ تربوية: أن بعض الفتن حين تُربك الصف وتُعميه، لا يعيد البوصلة إلا فعلٌ إلهيٌّ يقطع طريق التلبيس؛ رحمةً بالدين، وحفظًا للمنهج، وكشفًا للناس: أن العلوّ ليس للمال، ولا للزينة، ولا للنفوذ… بل لمن ثبت على ميزان: ﴿ثواب الله خير﴾.

فليتذكّر الصف دائمًا: قد ينجح “قارون” لحظةً في تضبيب الرؤية، لكن الله لا يترك دينه، ولا يسلّم الجماعة المؤمنة لفتنة المال بلا حساب. وإذا غابت محاسبة البشر، بقيت محاسبة الله—وهي الحكم الذي يعيد الحق إلى موضعه، ويُسقط كل كرامةٍ مُزيّفة بُنيت على كنوزٍ بلا تقوى.