يعد كتاب “أفول الإنسان العمومي” (The Fall of Public Man, 1977) لريتشارد سينيت وهو أحد أعمدة النقد الاجتماعي في القرن العشرين، حدثا معرفيا ومفصليا في فهم الحداثة. هذا العمل لا يقتصر دوره على تقديم تشخيص لظاهرة اجتماعية فحسب، بل يتجاوز ذلك ليُعيد رسم خريطة الوعي الجمعي بتحوّلات العلاقة بين الذات والمجتمع في ظل الحداثة المتأخرة. والطبعة العربية الجديدة (2025)، الصادرة عن “المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات” بالدوحة، و المترجمة بعناية من قبل الباحث شوقي دويهي، تأتي في وقتٍ تزداد فيه الحاجة إلى فهم أعمق لأسباب تراجع المشاركة المدنية، وتصاعد الخطاب النفسي على حساب السياسي، وانهيار “الحيّز الثالث” بين المنزل والعمل، ما يجعل من كتاب “أفول الإنسان العمومي” عملاً لا ينتمي إلى الماضي، بل يُحدّق بصرامة في حاضرنا العربي والعالمي.

الكاتب والمترجم

  • الكاتب ريتشارد سينيت وهو عالم اجتماع وفيلسوف أميركي وُلد عام 1943. يُعَدّ من أبرز المفكرين في مجالات الحياة الحضرية والعمل والهوية الحديثة. شغل مناصب أكاديمية مرموقة، منها أستاذ في جامعة نيويورك وكلية لندن للاقتصاد. تجمع أعماله بين التحليل الاجتماعي والرؤية التاريخية العميقة، مع تركيز خاص على تأثير التحولات الاقتصادية والثقافية في العلاقات الاجتماعية والمجال العام. من أشهر مؤلفاته: The Craftsman، وThe Culture of the New Capitalism. يُعرَف بقدرته على تحليل البنية الاجتماعية للمجتمعات الحديثة وكشف التغيرات التي طرأت على مفاهيم الشخصية والمشاركة المدنية والعمل.
  • المترجم شوقي دويهي الحاصل على الدكتوراه في العلوم الاجتماعية من معهد الدراسات العليا في باريس. باحث وأستاذ مادة الأنثروبولوجيا في معهد العلوم الاجتماعية في الجامعة اللبنانية. نشر أبحاثًا ومجموعة كتب منها “مقاهي بيروت الشعبية (1950-1990)”. وترجم عددًا من الكتب.

أولا: محتوى الكتاب – رحلة في التاريخ الاجتماعي للذات والمجتمع

يقدم ريتشارد سينيت في كتاب “أفول الإنسان العمومي” تحليلًا معمّقًا لمسار التحوّلات التي شهدتها الحياة العامة في الغرب خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، والتي أسهمت في تآكل الثقافة العامة وصعود مجتمع تهيمن عليه النزعة الفردانية والانكفاء على الذات والسعي المحموم وراء الحميمية.

1. الإطار التاريخي-التحليلي: من القرن 18 إلى التحوّل الحاسم في القرن 19

يرسم سينيت مساراً تاريخياً دقيقاً، انطلاقاً من فكرة مركزية: كانت الحياة العامة في القرن الثامن عشر (خاصة في لندن وباريس) حيّةً، رمزيةً، ومسرحية. فالإنسان “العمومي” لم يكن يُقاس بمدى “صدقه الداخلي”، بل بمدى براعته في أداء الأدوار في الفضاء المشترك: في المقاهي، في النوادي، في الشارع، وفي المسرح.

وكان المظهر الخارجي — اللباس، الإيماء، النبرة، الطقوس — يشكّل لغةً اجتماعيةً غنية تسمح بالتواصل دون الحاجة إلى اختراق الخصوصية.

رجل مسن ذو شعر رمادي خفيف ونظارات، مبتسم في بيئة غير محددة. يعكس الصورة طابعاً ودوداً ومتفائلاً، مما يعزز من جاذبيتها.
ريتشارد سينيت مؤلف كتاب أفول الإنسان العمومي

ويُبرز سينيت في كتاب “أفول الإنسان العمومي” كيف شكّل هذا “الانفصام البنّاء” بين الذات الداخلية (المكان الطبيعي للعواطف والحميمية) والذات الخارجية (المكان المشروع للأداء الاجتماعي) توازناً نفسياً واجتماعياً. فاللعب الاجتماعي — بمعناه الأثيني: paidia — لم يكن اصطناعاً، بل فنّاً ضرورياً للعيش المشترك، يضمن المسافة التي تحمي الفرد من الابتلاع الذاتي، وتُمكّن الجماعة من البقاء.

2. لحظة الانهيار: ثلاثة محركات للتراجع العمومي

يستعرض سينيت انهيار هذا العالم المسرحي العام في القرن التاسع عشر، محدِّدًا ثلاث قوى هيكلية دفعت باتجاه “أفول الإنسان العمومي”:

المحرك الرئيسيالوصف والتأثير
الرأسمالية الصناعيةحوّلت العلاقات إلى علاقات وظيفية، وجعلت الفرد “أداة إنتاج”، فتراجعت قيمة الأداء الرمزي لحساب الكفاءة والربح.
العلمانية الجديدةلم تُفرّغ العالم من المقدس فحسب، بل حوّلت البحث عن المعنى إلى مسعى فردي (نفسي)، فاستُعيض عن الطقوس الجماعية بـ”الاستبطان الذاتي”.
بقايا النظام القديماستمرت سلطة “الكاريزما” و”الزعامة الشخصية” في التشكّل الجديد، لكن دون سند مؤسسي، مما جعلها عرضة للاستغلال العاطفي في السياسة والإعلام.

3. علامات الانهيار: من المقهى إلى التلفزيون

يستعين سينيت بأمثلة مادية مدهشة لتتبّع التحوّل، حيث تراجع التفاعل الاجتماعي وانقلب المجتمع إلى جمهور من المتفرّجين:

  • اختفاء المقاهي السياسية كفضاءات للحوار بين الغرباء.
  • تحول المسرح من “منتدى عمومي” إلى “عرض فردي” للمؤدي النجم.
  • صعود المتاجر الكبرى كمساحات استهلاكية باردة، تُلغي التفاعل الإنساني.
  • بروز الخطاب السياسي القائم على “الرغبة” و”الصدق الشخصي” بدلاً من البرامج والمبادئ.

يؤدي هذا التحول إلى ما يسميه سينيت “طغيان الحميمي”، حيث تتحول الحميمية إلى القيمة العليا، وتُقاس العلاقات بمدى اقترابها من أعماق النفس. ويقود هذا إلى تسييس الحياة الداخلية، حيث تتحول الفئات السياسية إلى فئات نفسية، وتُحمَّل العلاقات القريبة عبئًا ثقيلًا من التوق إلى الديمومة والأمان.

ثانياً: المفاهيم الأساسية – مفاتيح فهم الرؤية السينيتية

تتمحور رؤية سينيت حول مجموعة من المفاهيم الجوهرية التي تشرح آليات هذا الأفول:

المفهومالتعريف في الكتابالدلالة النقدية
الإنسان العموميالفرد القادر على أداء أدوار اجتماعية مرنة في الفضاء المشترك، دون ضرورة إفصاح عن الذات الداخلية.نقيض “الذات الصادقة” التي تطلب من الآخر الاعتراف بها، لا التفاعل معها.
اللعب الاجتماعيتفاعل مرن يجمع بين التقليد والمرونة، كالرقص في ساحة عمومية أو الحديث في مقهى.يمثّل البديل الصحي لـ”الانكشاف القسري” في العلاقات الحديثة.
طغيان الحميميةهيمنة فكرة أن العلاقة القيّمة هي تلك التي تلامس “الأعماق”، ما يجعل كل تفاعل خارج الدائرة الضيقة موضع شك.يؤدي إلى تضخّم الذات، وانحسار الفعل الجماعي، وتحويل السياسة إلى علاج نفسي.
التحيّز المضاد للمدينةالنفور من الغرباء والاختلاف، والرغبة في خلق “مجتمعات صغيرة” (أسرية، طائفية، حزبية) كبديل عن المدينة.يفسّر صعود الخطابات الانعزالية والشعبوية في العصر الرقمي.

ثالثاً: النقد والتفاعل – إضافات واعتراضات من المدارس الفكرية المعاصرة

رغم قوة تحليل سينيت وعمقه، لم يسلم كتاب “أفول الإنسان العمومي” من نقدٍ جوهري من مدارس فكرية مختلفة، خاصة فيما يتعلق بالمنظور التاريخي والآثار المترتبة على العصر الرقمي.

1. نقد الفكرة التاريخية: المجال العام بين النخبوية والشمول

يرى يورغن هابرماس في كتابه بنية المجال العام السياسي أن المجال العام في القرن الثامن عشر لم يكن “محايداً” كما يوحي سينيت، بل كان حكراً على البورجوازية الذكورية المتعلّمة، واستبعد الطبقة العاملة والنساء. وبالتالي، فإن “أفول” الإنسان العمومي لم يكن خسارةً عالمية، بل نهاية مرحلة استبعادية — ما يفتح الباب لبناء حيز عام أكثر شمولاً (كما في مفهوم “المجالات العامة المضادة”).

غلاف كتاب "سقوط الرجل العام: عن علم النفس الاجتماعي للرأسمالية" لريتشارد سينيت، بتصميم بسيط وخلفية بلون بيج، مع عنوان بارز بالأحمر والأسود.
كتاب “أفول الإنسان العمومي” طبعة 1977

رداً على سينيت: التحوّل لم يكن انحداراً خطيّاً، بل إعادة هيكلة — بعضها تحرّري (كتمكين الهويات المهمّشة)، وبعضها تراجعي (كالتصاعد الفردياني).

2. نقد فلسفي: هل “اللعب” يكفي لبناء عدالة اجتماعية؟

يُشير مارثا نوسباوم إلى أن سينيت يبالغ في تمجيد “المسافة”، ويتجاهل أن بعض العلاقات (كالعلاقات بين المظلوم والظالم) تتطلب كشفاً ذاتياً وحميميةً سياسية. فالعدالة لا تُبنى على الرموز وحدها، بل على الاعتراف بالمعاناة الملموسة — وهو ما تتطلّبه أحياناً لغة الذات.

3. نقد رقمي: طغيان الحميمية في العصر الافتراضي

يرى مفكرون مثل إيفا إيلوز أن منصات التواصل الاجتماعي لم تُلغِ المجال العام، بل أنتجت حيّزاً عامّاً مُعطّلاً: فردي، عاطفي، وسريع الزوال. ففي حين يتيح الفيسبوك “اللعب” (عبر الهويات المتعددة)، فإن خوارزمياته تُعيد إنتاج “طغيان الحميمية” تحت مسمّى “الصدق” و”التشابه”.

وفقاً لإيلوز: “العصر الرقمي لم يُنهِ طلب الحميمية، بل حوّله إلى سلعة: فالاعتراف الذاتي أصبح أداة للاكتساب الرمزي والاقتصادي”

رابعاً: قراءة في السياق العربي – إشكالية الفضاء الذي لم يُبنَ بعد

هنا تبرز إشكالية مركزية: هل يمكن تطبيق تحليل سينيت — المبني على تجربة أوروبية/أميركية محددة — على السياق العربي، حيث لم يُبنَ “حيز عمومي حديث” بالمعنى الأوروبي أصلاً؟

في مقدمته للترجمة، يشير شوقي دويهي إلى أن كتاب “أفول الإنسان العمومي” لا يُقرأ كـ”نموذج جاهز”، بل كـأداة تشريحية. ففي العالم العربي:

  • لم يكتمل “فصل” الحيز الخاص عن العمومي؛ فالعائلة، العشيرة، والطائفة ما زالت تشكّل المحاور الأساسية للتواصل.
  • أدّى تفتّت الدولة إلى ازدياد “التحيّز المضاد للمدينة”، وعودة إلى الفضاءات المغلقة (الطائفية، المناطقية).
  • أدّت وسائل التواصل إلى تمزّق الهوية بين “الذات التقليدية” (في العائلة) و”الذات الرقمية” (في الفضاء الافتراضي)، دون وجود “حيز ثالث” يوفّق بينهما.

ويُضيف دويهي: “أفول الإنسان العمومي في الغرب كان خسارة لفضاءٍ وُجد. أما في عالمنا، فهو خطر على فضاءٍ لم يُبنَ بعد”.

خامساً: أهمية كتاب “أفول الإنسان العمومي” – لماذا نقرأ سينيت في 2026؟

رغم مرور أربعة عقود على صدوره، يكتسب كتاب “أفول الإنسان العمومي” أبعاداً جديدة في ظل التحولات المعاصرة:

  • 1- انهيار الثقة في المؤسسات وصعود الخطابات الانفعالية في السياسة.
  • 2- تحول الناشط السياسي إلى “مؤثّر” يقدّم ذاته كعلامة تجارية.
  • 3- ازدياد القلق النفسي كنتاج مباشر للانكفاء الذاتي دون مساحات تفريغ جماعية.
  • 4- انحسار اللغة المشتركة، وتحوّل النقاش إلى صراع هويات.
غلاف كتاب "سقوط الرجل العام" لريتشارد سينيت. التصميم يحتوي على أنماط خطية بالأبيض والأسود مع تفاصيل حمراء، وعنوان الكتاب بارز في المنتصف. الكتاب يتضمن مقدمة جديدة.
كتاب “أفول الإنسان العمومي” طبعة 2017

وقد لخّص الفيلسوف برونو لاتور جوهر الكتاب بجملة:

“سينيت لا يأسف على الماضي، بل يحذّر من مستقبل لا يُسمح فيه للغريب أن يمرّ بسلام في شارعنا — لأننا نطلب منه أن يُحبّنا قبل أن يسلّمنا”.

نحو إنسان عمومي جديد؟

لا ينتهي سينيت بمجرد نبوءة قاتمة. فهو يدعو، في الفصل الأخير، إلى إعادة اختراع المقدس — ليس دينياً، بل رمزياً: طقوس جماعية، مساحات تفاعل غير وظيفية (حدائق، ساحات، مكتبات عمومية)، وأدوار اجتماعية مرنة لا تستند إلى “الصدق الداخلي”، بل إلى “الالتزام بالمشترك”.

وهنا تكمن دعوة الكتاب الحقيقية: ليست المهمة إعادة إنسان القرن الثامن عشر، بل ابتكار إنسان عمومي للقرن الواحد والعشرين — قادر على أن يلعب، ويتنقّل بين الذات والجماعة، ويتحمّل غربة الآخر دون أن يطلب منه أن يصبح نسخة منه.

وبهذا، يظل كتاب “أفول الإنسان العمومي” ليس مجرد تشريح للماضي، بل خريطة طريق مقلوبة: فلكل “أفول” موصوف، هناك “شروق” ممكن — شرط أن نبدأ من حيث انتهى سينيت: بإعادة الاعتبار للمسافة، وللعبة، وللغرابَة كفضيلة اجتماعية.