لطالما هيمنت على الأوساط الأكاديمية والفكرية العالمية سرديةٌ كبرى تعود بجذورها إلى عصر التنوير الأوروبي، مفادها أن “النقد” (Critique) والعقلانية هما نتاج حصري للحداثة الغربية وللفكر العلماني، وأن “الدين” يقف في الضفة المقابلة تمامًا بوصفه مستودعًا للدوغمائية والتسليم الأعمى واللاعقلانية. وفقًا لهذا المنظور الكانطي (نسبة لإيمانويل كانط)، لا يمكن للدين إلا أن يكون “موضوعًا” للنقد، في حين يحتكر العقل العلماني موقع “الذات” الناقدة.
هل النقد حكر على الحداثة العلمانية
في عالمٍ طالما احتكرت فيه الحداثة الغربية مفاهيم “العقل” و”النقد”، يأتي كتاب “الدين بوصفه نقدًا: التفكير النقدي الإسلامي من مكة إلى ساحة السوق” (Religion as Critique: Islamic Critical Thinking from Mecca to the Marketplace) لمؤلفه الأنثروبولوجي عرفان أحمد، ليحدث زلزالًا في المسلّمات الفكرية السائدة.
الكتاب الذي صدرت ترجمته العربية مؤخرًا عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات (2025)، لا يسعى فقط لتقديم دفاع عن الإسلام ضد اتهامات الجمود، بل يذهب إلى ما هو أبعد من ذلك بكثير؛ إنه يقترح إعادة صياغة جذرية للعلاقة بين الدين والعقل والنقد. يطرح عرفان أحمد أطروحة جريئة مفادها أن النقد ليس هبة من عصر التنوير الغربي للعالم، بل هو ممارسة متجذرة في صلب التقاليد الإسلامية، ليس فقط كنصوص نظرية، بل كممارسات يومية تمتد من قداسة مكة إلى ضجيج ساحات الأسواق.
يقدم كتاب “الدين بوصفه نقدًا” ليقدم مرافعة فكرية جريئة ومؤسسة، تقلب هذه المعادلة رأسًا على عقب. الكتاب، الذي صدرت نسخته العربية مؤخرًا (2025) عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات بترجمة متقنة لياسر ثابت، لا يكتفي بالدفاع عن الدين، بل ينتقل به إلى موقع الهجوم المعرفي، مبرهنًا أن الإسلام يمتلك تقاليده النقدية العميقة التي تتجاوز أسوار الأكاديميات الغربية لتنبض في حيوات الناس اليومية، من مكة قلب الوحي، إلى ساحات الأسواق المفتوحة.
يسعى هذا العرض إلى تسليط الضوء على أطروحات الكتاب المركزية، مع تقديم قراءة نقدية متوازنة تستند إلى النص الأصلي وما أثاره من نقاشات في الأوساط الأنثروبولوجية والفلسفية.
الأطروحة المركزية: الدين كفاعل نقدي لا كموضوع للنقد
يتمثل الإنجاز الأهم لعرفان أحمد في قلب الطاولة على المنهجية الاستشراقية والحداثية الكلاسيكية. فبينما اعتاد الفكر الغربي الحديث على وضع الدين في قفص الاتهام ليكون “موضوعًا” للنقد العقلاني، يرى أحمد أن الدين -وبالتحديد الإسلام- هو “فاعل” نقدي (Critical Agent). النقد في هذا المنظور ليس أداة لتفكيك الدين، بل هو أداة يمتلكها الدين نفسه لمساءلة الواقع، والسلطة، والذات.

يؤكد المؤلف أن حصر النقد في الإطار العلماني الغربي هو نوع من “المركزية الإثنية” التي تغفل عن تقاليد معرفية ضخمة. فالمفاهيم الإسلامية مثل “الاجتهاد”، “الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر“، و”النصيحة”، ليست مجرد واجبات تعبدية، بل هي أدوات نقدية وظيفية تهدف إلى تقويم الاعوجاج في المجتمع والدولة.
من مكة إلى السوق: أنثروبولوجيا النقد اليومي
لا يكتفي الكتاب بالتحليل النظري، بل ينزل إلى “ساحة السوق” ليراقب كيف يمارس المسلمون النقد في حياتهم اليومية. يشير العنوان الفرعي “من مكة إلى ساحة السوق” إلى شمولية التجربة النقدية الإسلامية؛ فهي تبدأ من الأصول الوحيانية (مكة) لتتجسد في المعاملات الأخلاقية والاجتماعية في الفضاء العام (السوق).
يستعرض أحمد كيف أن النقد في الثقافة الإسلامية، وخاصة في جنوب آسيا (الهند وباكستان)، يزدهر في مجالس العلم، والأسواق، وحتى في النقاشات الشعبية. النقد هنا ليس ترفًا فكريًا يمارسه الفلاسفة في غرف مغلقة، بل هو ممارسة مرتبطة بـ “التقوى” (Piety) التي تدفع الفرد لمحاسبة نفسه ومحيطه وفق معايير أخلاقية عليا تتجاوز المصالح السياسية الضيقة.
تفكيك الاستشراق ونزع المركزية عن العقل الغربي
يبدأ عرفان أحمد مشروعه بتشريح المفهوم الغربي لـ “النقد”. يرى المؤلف أن عصر التنوير نجح في اختطاف مفهوم النقد وتأطيره داخل حدود العقلانية التجريبية المادية التي تقصي أي بعد ميتافيزيقي أو غيبي. هذا الاحتكار المعرفي ولّد نظرة استشراقية استعلائية تتعامل مع الشعوب غير الغربية عمومًا، والمسلمين خصوصًا، بوصفهم كائنات تفتقر إلى الأهلية النقدية، وتحتاج دائمًا إلى “تنوير” خارجي.
يتحدى الكتاب هذه المركزية الغربية، مشيرًا إلى أن القول بأن التفكير النقدي هو اختراع أوروبي حديث يمثل “عنفًا إبستيمولوجيًا” (معرفيًا) يتجاهل تواريخ بأكملها من المساءلة والشك والمراجعة داخل التقاليد الدينية. يطرح أحمد أطروحته البديلة: النقد ليس جوهرًا غربيًا، بل هو ممارسة إنسانية تتخذ أشكالاً وصيغًا تختلف باختلاف السياقات الثقافية والدينية.
الإسلام بوصفه فاعلاً نقدياً.. مفاهيم التراث وممارسات اليومي
لا يكتفي المؤلف بالتنظير المجرد، بل يغوص في التراث المعجمي والمفاهيمي الإسلامي ليثبت أن النقد متأصل في بنية الإسلام ذاتها. يطرح عرفان أحمد مفاهيم إسلامية كلاسيكية ويعيد قراءتها بوصفها أدوات نقدية فعالة، مثل:
- الاجتهاد: بوصفه ممارسة عقلية مستمرة لكسر الجمود ومساءلة النصوص في ضوء الواقع.
- الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: بوصفه نقدًا اجتماعيًا وسياسيًا حركيًا يمنع استبداد السلطة وانحراف المجتمع.
- النصيحة: بوصفها تقويمًا أخلاقيًا شفويًا يعتمد على الحوار البنّاء.
- التقوى: بوصفها نقدًا ذاتيًا صارمًا ومراقبة داخلية (محاسبة النفس).
المميز في طرح أحمد، وهو ما يبرر العنوان الفرعي للكتاب (“من مكة إلى ساحة السوق”)، اعتماده على المنهج الأنثروبولوجي. النقد الإسلامي ليس محصورًا في متون الفقه والفلسفة المعقدة، بل هو “ممارسة حياتية” (Everyday Practice). ينقلنا المؤلف إلى الأسواق، والمقاهي، والمساجد، وحلقات النقاش العامة، مستعرضًا كيف يمارس المسلمون العاديون النقد تجاه زعمائهم السياسيين، وعلمائهم الدينيين، وحتى تجاه عاداتهم المجتمعية، منطلقين في ذلك من مرجعية إيمانية وليس من مرجعية علمانية.
جنوب آسيا والمودودي.. نموذج “النقد المزدوج”
لكي يدلل على أطروحته، يتخذ عرفان أحمد من شبه القارة الهندية (جنوب آسيا) ميدانًا لتطبيقاته، معتمدًا بشكل كبير على الأدب الأوردي، والشعر المقاوم، والكتابات الإسلامية الحديثة. ويبرز في هذا السياق تحليله العميق لفكر “أبو الأعـلى المـودودي”، مؤسس الجماعة الإسلامية.

يرى أحمد أن المـودودي لم يكن مجرد “أصولي” رافض للآخر كما يصوره الغرب، بل كان ممارسًا لـ “نقد مزدوج” بامتياز. فقد وجه المودودي نقدًا لاذعًا للهيمنة الإمبريالية الغربية وللحداثة المادية، وفي الوقت ذاته، مارس نقدًا داخليًا قاسيًا ضد الجمود الفقهي والتقليد الأعمى داخل المجتمعات المسلمة. هذا النقد المزدوج يثبت، وفقًا للمؤلف، أن الإسلام يمتلك دينامية ذاتية لا تكتفي برفض الاستعمار، بل تسعى لتقويم مسار الأمة من الداخل بناءً على مبادئ العدالة والمساواة والأخلاق.
الرؤى الناقدة للكتاب: جدل الهوية والمنهج والتعميم
على الرغم من الأهمية البالغة لكتاب “الدين بوصفه نقدًا” في حقل دراسات ما بعد الكولونيالية وأنثروبولوجيا الدين، إلا أن تلقيه في الأوساط الأكاديمية لم يخلُ من مراجعات وانتقادات، فقد أثار الكتاب ردود فعل واسعة وجدلاً مستفيضاً في الأوساط الأكاديمية العالمية، خاصة بين علماء الاجتماع والأنثروبولوجيا المهتمين بدراسات الدين.
ويمكن تلخيص أهم النقاط الناقدة التي وجهت للعمل في الآتي:
1.المبالغة في توسيع مفهوم النقد:
يرى بعض النقاد، ومنهم من ينتمي للمدرسة النقدية الكلاسيكية، أن عرفان أحمد قد ذهب بعيداً في توسيع مفهوم النقد ليشمل كل ممارسة أخلاقية أو دينية أو سلوك يومي نابع من التقوى. هذا التوسع، بحسب رأيهم، قد يؤدي إلى تمييع المصطلح وفقدانه لدقته الفلسفية والمنهجية التي تميز بها في التراث الغربي (من كانط إلى مدرسة فرانكفورت). فإذا كان كل شيء نقداً، فربما لا يكون هناك شيء نقداً بالمعنى الاصطلاحي الدقيق.
2.إشكالية النموذج المثالي والواقع السياسي:
وُجهت انتقادات تتعلق بمدى واقعية الرهان على الممارسات اليومية “في السوق” لتكون بديلاً أو حتى موازياً للنقد المؤسسي والقانوني في الدولة الحديثة. يتساءل البعض: هل يمكن لـ “النصيحة” أو “الأمر بالمعروف” أن يقوما مقام الصحافة الحرة أو البرلمان أو القضاء المستقل في كبح جماح السلطة المطلقة؟ يرى النقاد أن أحمد قد يبالغ في إضفاء طابع رومانسي على الممارسات التقليدية دون النظر في موازين القوى السياسية المعاصرة.
3.الانحياز للتقاليد الآسيوية وسياق جنوب آسيا:
رغم محاولة الكتاب تقديم رؤية شاملة للعالم الإسلامي، إلا أن المادة الميدانية والتحليلية تتركز بشكل مكثف على تجربة جنوب آسيا (الهند وباكستان). يرى بعض الباحثين في الشؤون العربية أو الإفريقية أن تعميم هذه النتائج على كامل الجغرافيا الإسلامية قد يغفل عن تباينات ثقافية وسياسية جوهرية، مما يجعل الحاجة ماسة لدراسات مقارنة مكملة لهذا الجهد.
4.تحدي الحداثة أم الهروب منها؟:
ثمة نقاش حول ما إذا كان طرح أحمد يمثل تحدياً حقيقياً للحداثة من داخلها، أم أنه يمثل نوعاً من “الاستثناء الثقافي” الذي قد يُستخدم لتبرير الانغلاق الفكري في بعض السياقات.
ومع ذلك، ورغم هذه الملاحظات النقدية، يتفق معظم النقاد المرموقين، مثل إيان ألموند (Ian Almond) وبشير إقبال وإرفان عمر، على أن الكتاب يمثل “انعطافة منهجية” و”مساهمة أصلية ومقنعة” لا يمكن تجاوزها. إنه عمل يتحدى القوالب النمطية التي تضع الإسلام في تضاد دائم مع العقلانية، ويفتح آفاقاً جديدة للأنثروبولوجيا الدينية بعيداً عن السطحية الاستشراقية [2] [3] [4]. لقد نجح أحمد في جعلنا نتساءل: لماذا نعتبر النقد ملكية خاصة للغرب؟ ولماذا لا نرى في ممارساتنا الروحية أفعالاً عقلانية نقدية؟ إن القيمة الحقيقية للكتاب تكمن في قدرته على إثارة هذه الأسئلة المقلقة والضرورية.
إعادة تعريف الحداثة .. رؤية مستقبلية
على الرغم من الملاحظات النقدية السابقة، يظل كتاب “الدين بوصفه نقدًا” إضافة نوعية وثقيلة الوزن للمكتبة العربية والعالمية. إن القيمة الحقيقية لهذا العمل لا تكمن فقط في رد الاعتبار للتراث الإسلامي، بل في “توسيع مدارك الحداثة” نفسها.

يخلص عرفان أحمد إلى أن الحداثة ليست قطارًا غربيًا يجب على الجميع الركوب فيه بشروطه، بل هي مشروع إنساني متعدد الأوجه (Multiple Modernities). وما الحداثة الإسلامية إلا قراءة مختلفة، تنطلق من أرضية تدمج بين الروحاني والعقلاني، وترفض الفصل التعسفي بينهما.
الحداثة برأي عرفان ليست مشروعًا واحدًا تحتكره جهة ما، بل هي “حداثات متعددة”. إن الاعتراف بالدين كقوة نقدية يعني الاعتراف بالتكافؤ المعرفي بين الثقافات. “الدين بوصفه نقدًا” هو دعوة لتحرير العقل من قيود المركزية الغربية، والعودة إلى الجوهر النقدي للإسلام الذي يسعى دائمًا للإصلاح والتقويم. إنه كتاب لا غنى عنه لكل باحث في شؤون الدين، الحداثة، وعلم الاجتماع، ولكل من يسعى لفهم كيف يمكن للإيمان أن يكون محركًا للتغيير الجذري والمساءلة الأخلاقية في عالمنا المعاصر.
هذا الكتاب هو دعوة صريحة وموثقة لحوار عالمي جديد، حوار لا يجلس فيه الغرب في مقعد الأستاذ والشرق في مقعد التلميذ، بل حوار يقوم على التكافؤ المعرفي، والاعتراف بأن كل ثقافة تمتلك أدواتها الخاصة لمساءلة العالم، وتقويم اعوجاجه، والسعي نحو حقيقة أكثر عدلاً ورحمة.
