بعض العلاقات الاجتماعية تبدأ ودا ثم تنتهي بغضا، تبدأ ضحكة ثم تنتهي قلقا، تبدأ صحبة ثم تنتهي عداوة واستنزافا داخليا صامتا، والشباب بما يحملونه من حساسية عالية هم الأكثر تأثرا بالعلاقات السامة، لأنها تمس القلب في مرحلة التشكل والبناء.
ومفهوم العلاقات السامة هو علاقات تضعف الإنسان نفسيا وعاطفيا وفكريا، فبدل أن تدعمه وتعينه، تستنزف طاقته وتغذي روحه بالشعور بالذنب، والخوف والقلق، والدونية وفقدان الثقة، مع كون أصل هذه العلاقات صداقة، أو علاقة عاطفية، أو علاقة أسرية، أو حتى علاقة عمل؛ قال تعالى: { ويوم يعض الظالم على يديه يقول يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا * يا ويلتا ليتني لم أتخذ فلانا خليلا * لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني وكان الشيطان للإنسان خذولا } [الفرقان: 27 – 29].
أيها الشاب المبارك، هل سألت نفسك: لماذا يتأثر الشباب بالعلاقات السامة أكثر من غيرهم؟ والجواب: لأن مرحلة الشباب مرحلة البحث عن القبول والانتماء، ومرحلة تشكل الهوية، ومرحلة يكون فيها الشاب عنده حساسية عالية للنقد والرفض؛ قال تعالى عن ضعف الإنسان: { وخلق الإنسان ضعيفا } [النساء: 28]، فالضعف هنا ليس نقصا، بل حاجة إلى الدعم لا إلى الاستغلال.
أيها الشاب، إن من صور العلاقات السامة الشائعة بين الشباب: الاستهزاء والسخرية من أحلامهم وطموحاتهم، والاستهانة بنجاحاتهم الصغيرة، ومنها التقليل منهم وإشعارهم بأنهم لا قيمة له إلا بوجودهم مع الأصدقاء، ومنها استنزافهم عاطفيا وماليا، والأخذ منهم دون عطاء، وإثقالهم بالمشكلات والطلبات، ومنها المقارنة القاتلة مع غيرهم باستمرار حتى يفقدوا ثقتهم بأنفسهم.
أيها الشباب، إن الدخول في علاقات سامة مع الآخرين، لها آثارها العميقة النفسية والسلوكية على الشباب، منها: القلق الدائم بلا سبب واضح، وتشتت الذهن وضعف التركيز، وفقدان الدافعية والطموح، واضطراب النوم والمزاج، والانسحاب الاجتماعي؛ قال تعالى: { الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين } [الزخرف: 67]، وقال النبي ﷺ: “مثل الجليس الصالح والجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير”؛ [متفق عليه]، فالصحبة إما: أن ترفعك، أو تحرقك.
وحتى يحمي الشاب نفسه من العلاقات السامة؛ عليه: أن يعرف قيمته جيدا، وأن يراقب شعوره بعد كل علاقة: هل نفسه ترتاح أم تستنزف، أن يضع حدودا واضحة ولا يخجل منها، ألا يبرر الأذى باسم الحب أو الصداقة، وأن يختار من يعينه على الخير ويذكره بالله؛ قال تعالى: { واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم } [الكهف: 28].
أيها الشاب: إن العلاقات السامة عندما تتسلل إلى نفسك بصمت، تسرق الطمأنينة، وتضعف الروح، وتطفئ نور الشباب دون أن تشعر، ولذلك فإن أعظم نضج يصل إليه الشاب: أن يعرف متى يقترب؟ ومتى يبتعد؟ متى يحفظ العلاقة؟ ومتى يحفظ نفسه؟ فليس كل من يقترب منا يستحق البقاء، فالعلاقة التي تستهلكك أكثر مما تبنيك، هي علاقة غير صحية مهما كانت جميلة.
