عشية الاحتفال بيوم الأسرة في دولة قطر، نظّمت مجلة كلية الشريعة والدراسات الإسلامية بجامعة قطر، ندوة علمية دولية افتراضية بعنوان “قيم الأسرة المسلمة وإكراهات الحداثة”، بمشاركة كوكبة من الباحثين والمختصين من قطر والكويت والجزائر وتونس والمغرب، وذلك إثر صدور العدد الخاص للمجلة المخصص لهذا المحور الحيوي .

جاءت هذه الندوة في إطار سعي المجلة إلى تعميق النقاش الأكاديمي حول التحولات القيمية التي تشهدها الأسرة المعاصرة، وما تفرضه الحداثة من تحديات ثقافية واجتماعية وفكرية، سعيًا لتقديم رؤى علمية رصينة تساعد في صياغة مقاربات تربوية وتشريعية تحفظ كيان الأسرة المسلمة في ظل المتغيرات الراهنة

رسالة الكلية بين الثوابت والمتغيرات

استهلّ فعاليات الندوة الدكتور إبراهيم الأنصاري، عميد كلية الشريعة والدراسات الإسلامية بجامعة قطر، مؤكدًا على الرسالة العلمية والمجتمعية للكلية في دعم المعرفة المتخصصة، وتعزيز جودة البحث العلمي، وربط القضايا العلمية بحاجات المجتمع والدولة.

وشدد الدكتور الأنصاري على أن الكلية تتبنى منهجًا علميًا يحفظ الثوابت الشرعية والقيمية، ويستوعب المتغيرات العصرية، ويحسن توظيف أدوات العصر دون إخلال بالمرجعية الأصيلة، وذلك انسجامًا مع رؤية قطر الوطنية 2030 التي تضع الأسرة في صلب أولويات التنمية المستدامة.

رجل يرتدي الزي التقليدي العربي يتحدث في حدث رسمي، مع وجود ميكروفون أمامه. تظهر خلفه شعارات مؤسسية على شاشة.
الدكتور إبراهيم الأنصاري عميد كلية الشريعة والدراسات الإسلامية بجامعة قطر

محاور الندوة: قراءة في الإشكالات والرؤى

تناولت الندوة – التي شهدت حضورًا لافتًا من الأكاديميين والباحثين والمهتمين بشؤون الأسرة – جملة من المحاور العلمية المحكمة، ركّزت على ثلاثة مستويات تحليلية كبرى:

المستوى القيمي والتأسيسي

ناقش الباحثون مكانة الأسرة في المنظومة القيمية الإسلامية، وأسس بنائها التشريعي والخلقي، مستعرضين النصوص القرآنية والنبوية التي جعلت من الأسرة «لبنة المجتمع الأولى» و«مدرسة التربية الأولى». وتم التأكيد على أن القيم الأسرية في الإسلام – كالمودة، والرحمة، والسكينة، والتكافل – تشكل منظومة متكاملة تحمي الفرد والمجتمع من التفكك والاغتراب.

المستوى التحليلي النقدي

ركزت المداخلات على أثر التحولات الحداثية في بنية الأسرة ووظائفها، مع تحليل نقدي لظواهر مثل: الفردانية المفرطة، وإعادة تعريف مفاهيم الجندر والأبوة، وتأثير وسائل التواصل الرقمي في أنماط التواصل الأسري. كما ناقش الباحثون إشكالات تواجه الأسرة المسلمة في ظل التغيرات المتسارعة في أنماط العيش والتمثلات الاجتماعية .

المستوى التطبيقي والاستشرافي

قدّم المشاركون مقترحات عملية لتمكين الأسرة المسلمة من مواجهة إكراهات الحداثة، من خلال:

  • تطوير برامج التوعية الوالدية القائمة على الأدلة الشرعية والعلمية.
  • تعزيز الشراكة بين المؤسسات التربوية والدينية والأسرية.
  • توظيف التقنية في خدمة التماسك الأسري بدلًا من تفكيكه.
  • إعادة النظر في بعض السياسات الاجتماعية بما يحفظ الهوية ويواكب العصر.

الباحثون والمساهمات: تنوع جغرافي وثراء منهجي

تطرقت الندوة إلى جملة من التحديات الجوهرية التي تواجه الأسرة المسلمة في ظل المتغيرات المتسارعة. فمن أبرز هذه التحديات تسلل أنماط جديدة من التفاعلات المجتمعية إلى عمق النسيج الأسري، وتماهي الأسرة مع التحولات الكبرى على الأصعدة السياسية والاقتصادية والثقافية والقانونية . كما أشارت الندوة إلى انقلاب عوامل التنشئة الأسرية لصالح تنشئة عالمية جديدة، مما يؤدي إلى اختلال في الأدوار الوظيفية داخل الأسرة، وظهور تشكيلات ثقافية تغذي اتجاهات التحرر من الرقابة الأخلاقية، وتضخيم نزعة “التفرد” التي ترهل عناصر الوئام الأسري .

ولم تغفل الندوة تأثير ثورة الاتصالات ووسائل الإعلام التي أحدثت تغييراً جذرياً في الأنماط التواصلية والسلوكية، وأدت إلى صدام بين الحداثة والتقاليد، مما أثر سلباً على تماسك المجتمعات الوطنية. كما أشارت إلى تراجع الدور الرقابي للوالدين على النمو الفكري والبناء الثقافي للأبناء

وجمعت الندوة نخبة من الباحثين من عدة دول عربية، مما أضفى عليها بعدًا مقارنًا ثريًا:

الباحثالمؤسسةمحور المساهمة
د. واصل الرشيديجامعة الكويت – الكويتقوانين الحماية من العنف الأسري في ضوء مقاصد الشريعة
د. عبد المنعم المومنيجامعة ابن زهر – المغربالحركات النسوية الحداثية وتأثيرها في قانون الأسرة المغربي
د. غزالة نورى بن عاشورجامعة قطرالصراع بين الكليات والجزئيات في الفكر النسوي الإسلامي
د. نوال بومشتةجامعة العربي بن مهيدي – الجزائرالأبعاد التربوية لأفلام الأطفال الأجنبية بين قضايا النوع وتعزيز المثلية
د. طارق خليفةجامعة صفاقس – تونسقيم الأسرة المسلمة والتغريب المصطلحي: دراسة تحليلية مقارنة
د. حسن بن حسنجامعة قطرأزمة الأسرة في الغرب: قراءة حضارية
د. علي سليمان الصالحجامعة الكويتالاجتهاد المقاصدي وقضية دية المرأة

وقد تميزت المداخلات والأوراق البحثية بالمنهجية الرصينة، والجمع بين التأصيل الشرعي والتحليل الاجتماعي، مع تقديم نماذج تطبيقية من بيئات عربية مختلفة

العدد الخاص للمجلة: مرجع علمي مستدام

تزامنًا مع الندوة، أصدرت مجلة كلية الشريعة والدراسات الإسلامية العدد الخاص (المجلد 44، العدد 1، يناير 2026) المخصص لموضوع «قيم الأسرة المسلمة وإكراهات الحداثة»، وهو عدد محكّم متاح بالنص الكامل عبر المنصة الإلكترونية للمجلة

غلاف مجلة كلية الشريعة والدراسات الإسلامية بجامعة قطر، العدد 45، يتضمن شعار المجلة، معلومات عن رقم ISSN، وأهمية البحث في الدراسات الإسلامية. التصميم يتضمن نمطاً هندسياً تقليدياً يبرز التراث الثقافي.

ويضم العدد سبعة أبحاث علمية رصينة (باللغتين العربية والإنجليزية) تتناول موضوعات مثل:

  • العنف الأسري وتشريعات الحماية في دول الخليج.
  • تأثير الحركات النسوية الحداثية في قوانين الأسرة.
  • التغريب المصطلحي وقيم الأسرة في الفكر المعاصر.
  • الأبعاد التربوية للإنتاج الإعلامي الموجه للأطفال.
  • الاجتهاد المقاصدي وقضايا المرأة في الفقه الإسلامي.

ويُعد هذا العدد مرجعًا علميًا مهمًا للباحثين وصانعي السياسات والمهتمين بشؤون الأسرة، حيث يجمع بين العمق الأكاديمي والراهنية المجتمعية.

توصيات الندوة: نحو أسرة مسلمة واعية ومستقرة

اختتمت الندوة بمجموعة من التوصيات العملية، من أبرزها:

  • تعزيز البحث العلمي التطبيقي في قضايا الأسرة المعاصرة، وربط مخرجاته بصناعة السياسات الاجتماعية.
  • إطلاق برامج وطنية للتوعية الوالدية تستند إلى المرجعية الإسلامية والأدلة العلمية الحديثة.
  • تطوير مناهج التعليم لتضمين مفاهيم التربية الأسرية والوعي الرقمي والمواطنة المسؤولة.
  • تعزيز الشراكة المؤسسية بين الجامعات والمؤسسات الدينية والاجتماعية والإعلامية لخدمة قضايا الأسرة.
  • توظيف التقنية بوعي لخدمة التماسك الأسري، عبر منصات رقمية تقدم محتوى تربويًا أصيلاً وجذابًا.
  • إعادة النظر في بعض التشريعات بما يحفظ حقوق أفراد الأسرة ويوازن بين الثوابت الشرعية ومتطلبات العصر.

الأسرة.. بين الأصالة والمعاصرة

تؤكد هذه الندوة الدولية أن الأسرة المسلمة ليست مجرد وحدة اجتماعية تقليدية، بل هي مشروع حضاري متكامل يجمع بين الأصالة والمعاصرة، وبين الثبات والمرونة. وفي ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها عالمنا المعاصر، تظل الأسرة الحصن الأمان لحماية الهوية، وغرس القيم، وبناء الأجيال.

ومن خلال المبادرات الأكاديمية الرصينة مثل هذه الندوة والعدد الخاص لمجلة كلية الشريعة، تثبت جامعة قطر ومؤسساتها البحثية التزامها بدور الريادة في خدمة المجتمع، وتقديم الحلول العلمية للتحديات الراهنة، انسجامًا مع رؤية قطر الوطنية 2030 التي تضع الإنسان والأسرة في قلب عملية التنمية المستدامة.