تفتح موسوعة «محمد رسول الله : منهج ورسالة – بحث وتحقيق» للعلامة الأزهري محمد الصادق إبراهيم عرجون أفقا مختلفا لقراءة السيرة النبوية، فتنتقل بها من حكاية تاريخية متتابعة إلى مشروع واع لإعادة بناء الوعي بالنبوة منهجا ورسالة في التاريخ والواقع.

قدم عرجون هذا العمل في أربعة مجلدات ضخمة يناهز مجموع صفحاتها 2660 صفحة، أنجزها بعد مسيرة علمية طويلة في الأزهر والجامعات الإسلامية، مزاوجا بين دقة المحدث، وفقه الأصولي، وتحليل المفكر المسلم الذي يقرأ النصوص في ضوء سنن الاجتماع والعمران.

وصفت هذه الموسوعة من قبل المختصين بأنها من أدق ما كتب في السيرة النبوية في العصر الحديث، حتى غدت مرجعا متقدما لطلاب الدراسات العليا والباحثين في السيرة والهدي النبوي أكثر من كونها مدخلا تمهيديا للقارئ المبتدئ.

 هوية الكتاب

صدر كتاب «محمد رسول الله : منهج ورسالة – بحث وتحقيق» عن دار القلم للطباعة والنشر والتوزيع في دمشق وبيروت، في أربعة مجلدات فاخرة، بدأت طبعاته منذ ثمانينيات القرن الميلادي الماضي، واستمرت طبعاته اللاحقة حتى السنوات الأخيرة، مع تثبيت رقم دولي موحد (ISBN: 9789933291983) في تعريفات بعض المكتبات. تذكر النشرات التعريفية بالكتاب أنه ينتمي إلى حقل السيرة والهدي النبوي ودراسات السيرة المحمدية، ويقدم أحيانا بوصفه «مفتاحا لتحقيق التاريخ الإسلامي»؛ لأن المؤلف يتعامل مع أحداث السيرة باعتبارها البوابة التي يقرأ من خلالها تاريخ الأمة ورسالتها في آن واحد.

سياق المؤلف الأزهري

 ولد مؤلف الموسوعة محمد الصادق إبراهيم عرجون سنة 1903 في مدينة إدفو بصعيد مصر، وتخرج في الأزهر الشريف، وتتلمذ على عدد من كبار علمائه، ثم تدرج في السلك العلمي حتى تولى عمادة كلية أصول الدين، وأسهم بالتدريس في جامعات إسلامية في المشرق والخليج. هذا التكوين الأزهري العريق، الممتد من حلقات الأزهر إلى قاعات الجامعات الحديثة، انعكس على مشروعه في السيرة، فجعله يجمع بين الأمانة للنصوص التراثية والقدرة على محاكمتها بموازين التحقيق الحديثي، وبين الحرص على الدفاع عن مقام النبوة والقدرة على تفكيك شبهات المستشرقين والقراءات المادية المعاصرة.

 منهج الميزان والسنن الإلهية في السيرة

 بنى عرجون موسوعته على ما يمكن تسميته «منهج الميزان»؛ إذ يتعامل مع مصادر السيرة – من قرآن، وسنة، وكتب مغازي وتاريخ – تعامل الباحث الذي يزن الروايات في ضوء العقيدة ومحكمات الوحي. اعتبر الصادق عرجون أن القرآن الكريم أصل الأصول في هذا الميزان؛ فعرض عليه ما يرد من روايات، فيقبل ما انسجم مع دلالته القطعية وروحه العامة، ويرد ما ناقض أصول التوحيد أو مس بمقام العصمة النبوية، ثم تأتي السنة النبوية بعد تمحيص الأسانيد والمتون، وتلحق بها كتب السيرة والمغازي مع استحضار مناهج الجرح والتعديل والنقد الداخلي للنصوص. يرفض عرجون الاكتفاء بحكم صحة السند معيارا وحيدا، ويضيف إليه شرط سلامة المتن من التعارض مع أصول العقيدة، ومن هنا وقف مطولا مع قصة «الغرانيق» ووصفها بأنها «قصة الزندقة الكبرى»، وأبطلها سندا ومتنا محذرا من استغلالها في الطعن في الوحي والرسول.

 واستند المؤلف في تعامله مع المعجزات إلى تمييز منهجي بين السنن العامة والسنن الخاصة؛ فالسنن العامة هي القوانين الجارية في الكون والمجتمع، وميدان الاجتهاد والتخطيط البشري، أما السنن الخاصة فهي المعجزات والخوارق التي يجريها الله لأنبيائه وفق إرادته المطلقة، من غير أن تناقض حكمته أو تنفي انتظام الكون. انطلق عرجون من أن وظيفة العقل تقوم على التثبت من صحة النقل وفهم دلالته، لا على إنكار الغيب بحجة منافاته للعلم التجريبي، فإذا ثبتت المعجزة برواية صحيحة لا معارض لها ثبت الإيمان بها، مع السعي في إدراك حكمتها ومقاصدها، وبذلك يحمي الإيمان من إنكار الماديين ويحمي العقل من الاندفاع خلف الأساطير.

خريطة الأجزاء الأربعة ومساراتها

تنقسم الموسوعة على أربع مراحل كبرى يحسب عرجون شكلت مسارات السيرة النبوية :

 من النشأة إلى البعثة

 افتتح عرجون الجزء الأول بمدخل مطول يربط بين حاجة الإنسان إلى الوحي، وترابط الرسالات، ووظيفة السيرة في فهم التاريخ الإسلامي، ثم ينتقل إلى تحليل البيئة الطبيعية والاجتماعية للجزيرة العربية، مع تركيز خاص على مكة بوصفها مركزا روحيا واقتصاديا مهد القدر لأن يحتضن الرسالة الخاتمة.

وصف عرجون بنية المجتمع القرشي، وأخلاق الجاهلية، وصور الوثنية، ويقابلها بإشراقات الفطرة في تيار «الحنفاء» الذين نفروا من عبادة الأصنام، ثم تتبع النسب الشريف من قصي وعبد مناف وهاشم إلى عبد المطلب، محللا أدوار الأجداد في تثبيت مكانة قريش وخدمة البيت الحرام، مع تحقيق دقيق لقصص مثل «الذبيح» عبد الله وحفر زمزم وأصحاب الفيل. توسع المؤلف في وقائع الميلاد والنشأة والرضاعة عند حليمة السعدية وحادثة شق الصدر والزواج من خديجة رضي الله عنها، وقدم هذه الأحداث في صورة حلقات متدرجة في إعداد «الإنسان المكتمل» لحمل أعباء الرسالة، متجاوزا التعامل معها كحكايات طفولة وشباب لا رابط بينها وبين الوظيفة الرسالية.

اختتم الجزء الأول بدراسة معمقة لبداية الوحي في غار حراء، وصف فيها خلوة النبي ، وحالة التهيؤ الروحي والنفسي لتلقي «اقرأ»، ثم هاجم المؤلف الروايات التي تزعم ترديه من الجبال أو ارتيابه في حقيقة ما جاءه من وحي، وصنفها ضمن الأقصوصات التي لا تقوى على مواجهة محكمات القرآن وأصول العصمة.

الكفاح المكي وسياسة الهجرة

 انتقل الجزء الثاني إلى مرحلة الكفاح المكي، وأبرز حكمة الاستسرار بالدعوة لبناء النواة الصلبة من السابقين الأولين قبل الانتقال إلى الجهر، ويعيد تقييم صورة هؤلاء الأوائل مبينا أن فيهم أشرافا من قريش ووجهاء من بطونها، إلى جانب الفقراء والموالي الذين شكلوا معا قاعدة الجماعة المؤمنة الناشئة. رسم المؤلف صورة حية لدار الأرقم بوصفها أول معهد في الإسلام؛ حيث تتركز التربية على تعميق التوحيد، وتزكية النفوس، وإعداد الصف لتحمل الأذى، ثم يستعرض أشكال المواجهة مع قريش من سخرية واضطهاد ومقاطعة اقتصادية في شعب بني هاشم، محللا مواقف شخصيات مثل أبي جهل والوليد بن المغيرة والنضر بن الحارث.

ومنح عرجون مساحة لافتة للهجرة إلى الحبشة، وجاءت قراءته لهذه الخطوة بأنها استراتيجية لحماية الطليعة المؤمنة وفتح أفق حضاري للدعوة في بيئة عادلة، واستعرض خطاب جعفر بن أبي طالب أمام النجاشي على أنه النموذج الأمثل لعرض الإسلام في محفل رسمي. تناول المؤلف حادثة الإسراء والمعراج ومثبتا وقوعهما بالجسد والروح، ورافضا اختزالهما في رؤيا منامية، ثم واصل السرد إلى بيعات العقبة التي وصف إحداها بفتح الفتوح لأنها نقلت الدعوة من طور الاستضعاف إلى طور التعاقد على النصرة، قبل أن يقدم قراءة شاملة للهجرة النبوية في ضوء عواملها السياسية والاجتماعية والاقتصادية.

 بناء المدينة والرسالة الحضارية

 ركز عرجون في الجزء الثالث على المرحلة المدنية الأولى، حيث تنتقل السيرة إلى طور بناء المجتمع والدولة؛ فيجعل عرجون هذا البناء قائما على ثلاث ركائز كبرى: المسجد النبوي، والمؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، وصحيفة المدينة بوصفها وثيقة لتنظيم المجتمع. استخرج المؤلف من سيرة المسجد النبوي مقاصد متعددة؛ فقدمه مركزا للعبادة، ومدرسة للعلم، ومنبرا للشورى، ومعسكرا للتعبئة، ومقرا لاستقبال الوفود، وملجأ للفقراء من أهل الصفة، ومركزا لإدارة شؤون الدولة، ليغدو المسجد «مؤسسة جامعة» لحياة المجتمع المسلم. ويعالج المؤاخاة باعتبارها أقوى دعامة اجتماعية في تأسيس الأمة الجديدة، كم استعرض نصوصها، وناقش مسألة التوارث بالمؤاخاة وما قيل في نسخها، ويرجح أن التوارث كان مرحلة انتقالية نسختها آيات المواريث، بينما بقي جوهر المؤاخاة قائما في التكافل الإيماني والاندماج الاجتماعي بين المهاجرين والأنصار.

قدم عرجون قراءة دستورية لـ «صحيفة المدينة»، التي عدها وثيقة مؤسسة لتنظيم العلاقة بين مكونات المجتمع من مسلمين ويهود وغيرهم، وضابطة للحقوق والواجبات ووحدة الأمة وحرمة الظلم، رافضا اختزالها في اتفاق عابر على موادعة سياسية. ثم انتقل عرجون إلى فقه الجهاد، ويؤكد أن المنهج النبوي يتأسس على الدفاع عن حرية الدعوة وحماية المجتمع المسلم، ويستشهد بوصايا النبي لقادته حول تحريم قتل النساء والأطفال والرهبان، وتحريم الإفساد في الأرض، ويتخذ من غزوة بدر نموذجا جمع بين التخطيط البشري والتأييد الإلهي، بينما يقرأ غزوة أحد قراءة تربوية في عواقب مخالفة الأمر النبوي والتعلق بالغنيمة.

التمكين والفتح والرؤية السننية

 استمر االمؤلف محمد الصادق عرجون في إكمال الجزء الرابع من مسار السيرة في مرحلة التمكين، وتوقف عند مأساة الرجيع وبئر معونة وما فيهما من دروس في تضحيات الدعاة وغدر أعراب الجزيرة، وناقش ما ورد في بعض الروايات من أخبار حول آيات نسخت تلاوة، ويرجح عدم ثبوتها انسجاما مع نصوص حفظ القرآن المحكم. كما فصل في غزوة الأحزاب بوصفها تربية نفسية للأمة في أشد أوقاتها حرجا، محللا أبعاد الحصار، ودور حذيفة بن اليمان في الاستطلاع، واستثمار مبدأ الحرب خدعة في تفريق الأحزاب وزعزعة تحالفهم، قبل أن ينتقل إلى حادثة الإفك ويعرض كيف حول الوحي الأزمة إلى ميثاق أخلاقي في صيانة الأعراض ومواجهة الإشاعة عبر آيات سورة النور.

أولى المؤلف عناية خاصة لمعاهدة الحديبية، فيصفها بأجل الحوادث التي تجلت فيها حكمة القيادة النبوية؛ إذ قبل النبي شروطا ظاهرها الغبن لفتح أفق أوسع للدعوة، ويفسر وصف القرآن للحديبية بـ«الفتح المبين» في ضوء نتائجها السياسية والدعوية. وتتوج الموسوعة حديثها بفتح مكة الفتح الأعظم الذي تم في جو من العفو والوفاء؛ فيبرز عرجون مشاهد عفو النبي عن أهل مكة، وتأمينه للناس، وتطهيره الكعبة من الأصنام، وترسيخه نظاما جديدا للعلاقات في الجزيرة يقوم على التوحيد والعدل، ثم يختم برؤية سننية للتاريخ تؤكد أن بقاء التأييد الإلهي مرتهن بالاستمساك بمنهج الرسالة.

 فرادة في خارطة السيرة المعاصرة

تظهر خصوصية موسوعة عرجون بجلاء عند مقارنتها بكتب السيرة المعاصرة الأخرى؛ فالعمل يجمع بين اتساع المادة العلمية (سيرة، وحديث، وتفسير، وفقه، وفكر) وبين عمق تحقيقي يجعل كثيرا من فصوله أقرب إلى دراسات مستقلة في قضايا جزئية مثل الغرانيق، والتوارث بالمؤاخاة، وأحكام الجهاد، ومعاهدة الحديبية. وتمتاز الموسوعة بجرأة علمية منضبطة؛ إذ لا يتردد مؤلفها في مناقشة تصحيحات كبار الأئمة كابن إسحاق والواقدي والطبري وابن حجر، معتمدا على قوة البرهان الحديثي والقرآني، من غير تجريح للأشخاص أو تهوين من مكانة التراث، وهو موقف وسطي بين التسليم المطلق والقطيعة المعرفية. إلى جانب ذلك، تحضر اللغة العربية في الكتاب حضورا أدبيا رفيعا، يجمع بين البلاغة الأزهرية الكلاسيكية والحس التحليلي الحديث؛ فتخرج السيرة من إطار السرد الجاف أو الموعظة المنبرية إلى نص يجمع بين حرارة الإيمان وصرامة البحث ومتعة القراءة في آن واحد.

ومن خلال تأصيل مفهوم السنن العامة والخاصة وربط الوقائع بقوانين الاجتماع والتاريخ، يقدم عرجون السيرة بوصفها منهجا قابلا للتطبيق في كل زمان، ويسهم في نقل القارئ من مستوى «القراءة السردية» لأحداث حياة النبي إلى مستوى الوعي المنهجي بالرسالة ومعالمها الحضارية.