مع اقتراب أيام ذي الحجة، وبدء أفواج الحجيج بالتجهز إلى بيت الله الحرام، تعود القلوب المسلمة إلى مكة، لا باعتبارها مدينة فحسب، بل بوصفها موطن الرسالة، ومهوى الأفئدة، والمكان الذي شهد أعظم التحولات في تاريخ البشرية. في كل عام، يتكرر المشهد ذاته، لكن بروح مختلفة؛ ملايين البشر يتركون أوطانهم ولغاتهم وألوانهم ومناصبهم، ويتجهون إلى بقعة واحدة بلباس واحد وشعار واحد: “لبيك اللهم لبيك”. وكأن العالم بكل صخبه وتعقيداته يذوب فجأة أمام حقيقة العبودية الخالصة لله تعالى.
مكة ليست مجرد مكان تُؤدى فيه المناسك، بل مدرسة إيمانية وتاريخية وإنسانية عظيمة. ففي هذا الوادي القاحل بدأت قصة التوحيد مع سيدنا إبراهيم عليه الصلاة والسلام، حين رفع قواعد البيت الحرام، وترك أهله في وادٍ غير ذي زرع امتثالاً لأمر الله، ليعلم الناس أن الإيمان الحقيقي يبدأ باليقين والتسليم والثقة بالله سبحانه، لا بحسابات المادة والمنطق المجرد.
ثم شاء الله أن تكون مكة مهد الرسالة الخاتمة، ومنها خرج النبي ﷺ يحمل نور الإسلام إلى العالمين. ومن يتأمل هذا الاختيار الإلهي يدرك أن المكان ليس بقيمته الجغرافية وحدها، بل بما يحمله من رسالة وأثر وتاريخ؛ ولهذا قال سبحانه: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [سورة الأنعام: الآية 124].
إن الحج ليس رحلة سفر عادية، بل رحلة مراجعة للنفس، وتجديد للعهد مع الله، وتذكير بحقيقة الإنسان مهما بلغ من قوة أو مال أو مكانة. فالحاج حين يلبس الإحرام يخلع معه كثيراً من مظاهر الدنيا، ويقف بين ملايين البشر متجرداً من الفوارق، وكأن الرسالة تقول للإنسان: إن قيمتك الحقيقية ليست بما تملك، بل بما تحمل من تقوى وعمل صالح
وفي هذه الأيام المباركة، لا يقتصر أثر الحج على الحجاج وحدهم، بل يمتد إلى الأمة كلها. فذي الحجة موسم للطاعة والتكبير والصدقة وصلة الرحم وإحياء القلوب، وفرصة للمراجعة الروحية في زمن أثقلت فيه الماديات حياة الناس، حتى أصبح كثيرون يركضون خلف الدنيا وينسون حاجتهم إلى السكينة والقرب من الله.
كما أن موسم الحج يذكرنا بوحدة الأمة الإسلامية رغم اختلاف أوطانها وأعراقها. ففي المشاعر المقدسة تسقط الحواجز المصطنعة، ويجتمع الناس على كلمة واحدة وقبلة واحدة، في مشهد يعيد للأمة معنى الأخوة الإسلامية التي تتجاوز الحدود واللغات والانتماءات الضيقة. ومع ما تبذله المملكة العربية السعودية من جهود عظيمة ومباركة في خدمة الحرمين الشريفين وضيوف الرحمن عاماً بعد عام، تتجدد صورة العناية الفائقة بالحجاج، عبر منظومة متكاملة من الخدمات والتنظيم والرعاية والأمن.
ومن الواجب توجيه الشكر والتقدير للأخوة الكرام في السعودية، قيادةً وحكومة وشعباً، ولكل العاملين في خدمة الحجاج، على ما يبذلونه من جهود مخلصة ومباركة لتيسير هذه الشعيرة العظيمة وخدمة ملايين المسلمين القادمين من أنحاء العالم. ولا يسعنا في هذا المقام إلا أن نلهج بالدعاء بأن يتقبل الله من الحجاج حجهم وطاعاتهم، وأن يكتب لهم العودة وقد غفرت ذنوبهم، كما قال النبي ﷺ: “مَنْ حَجَّ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ” [متفق عليه: رواه البخاري برقم (1521)، ومسلم برقم (1350)].
ونسأل الله أن يرزقنا وإياكم حج بيته الحرام، وأن يكتب لنا الوقوف بعرفة والطواف ببيته الكريم، وأن يجعلنا من المقبولين الفائزين برحمته ورضوانه. فتبقى مكة شوق الأرواح، وتبقى رحلة الحج أمنية تسكن قلوب المؤمنين ما دامت الحياة.
