تلاقت علوم الشريعة الإسلامية مع خوارزميات العصر في النسخة الثلاثين من ملتقى “كتارا تك”، الذي استضافته المؤسسة العامة للحي الثقافي “كتارا” بالدوحة، بالتعاون مع وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية القطرية وموقع “إسلام أون لاين”. الملتقى، الذي عُقد يوم الأربعاء، الثامن من تموز (يوليو) 2026 تحت عنوان “الذكاء الاصطناعي في أحكام الشريعة الإسلامية”، سعى إلى فتح نقاش معمق حول الأطر الكفيلة بالاستفادة من ثورة البيانات في خدمة المحتوى الإسلامي على الإنترنت، مع الحفاظ على أصالته المعرفية.
افتتح الملتقى السيد ثامر القاضي، مدير إدارة تكنولوجيا المعلومات بـ”كتارا”، بكلمة أكد فيها التزام المؤسسة بتقديم منصات تمزج بين الإبداع التقني والهوية الثقافية، مشدداً على أن الذكاء الاصطناعي بات شريكاً حتمياً في تطوير قطاعات المعرفة كافة.
الفتوى الرقمية.. دقة دلالية بلسان السائل
في المحور الخاص بالفتاوى الشرعية عبر استخدام الذكاء الاصطناعي، استعرض السيد جاسم العلي، مدير إدارة الدعوة والإرشاد الديني بوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية في قطر، تجربة خدمة “فتوى تشات” المرتبطة بموقع “إسلام ويب”، واصفاً إياها بأنها نقلة نوعية في تيسير الوصول إلى المعلومة الشرعية الموثوقة.
وكشف العلي عن الشراكة الاستراتيجية التي بُنيت عليها الخدمة مع منصة “فنار” (Fanar AI)، وهي منصة سيادية وطنية رائدة في مجال الذكاء الاصطناعي التوليدي، أطلقتها دولة قطر لتكون وعاءً رقمياً موثوقاً. وأوضح أن الاستعانة بمنصة “فنار” جاءت لضمان مواءمة الذكاء الاصطناعي مع المصادر الشرعية المعتمدة؛ كونها منصة مملوكة للدولة وبُنيت بالتعاون مع مؤسسات أكاديمية وعلمية مرموقة، مما وفر “ضمانة تقنية” تمنع النظام من الوقوع في فخ “التضليل المعلوماتي.
وأشار إلى أن الخدمة تعتمد تقنيات “البحث الدلالي” لربط السائل بقاعدة بيانات تضم أكثر من 400 ألف فتوى معتمدة عبر منصتي “واتساب” و”تليجرام”. وما يميز هذه التجربة هو قدرتها الفائقة على فهم اللهجات المحلية المختلفة، وتحليل القصد من السؤال بدقة محققةً نسبة رضا بلغت 99 في المئة. كما يوفر النظام “صمام أمان” موثوق عبر خيار التحويل المباشر للمفتي البشري في المسائل المستحدثة التي تتطلب اجتهاداً خاصاً.
تحليل وتقييم خطب الجمعة
وفي سياق متصل، كشف الشيخ عبد الرحمن بن عبد العزيز آل ثاني، مدير إدارة المساجد بوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية في قطر، عن مشروع ريادي يُعد الأول من نوعه في المنطقة، يُعنى بـ”تحليل وتقييم خطب الجمعة باستخدام الذكاء الاصطناعي”.
وأوضح الشيخ عبد الرحمن أن النظام يعمل على تحويل التسجيلات الصوتية للخطب إلى نصوص رقمية، ليشرع بعدها في تحليلها وفق مصفوفة تضم تسعة معايير علمية دقيقة؛ تشمل وحدة الموضوع، قوة الاستدلال، جودة الإلقاء، وفحص “أصالة المحتوى” للتأكد من سلامة الاقتباس. وشدد على أن هذه التقنية ليست أداة للرقابة التقليدية، بل هي وسيلة للتطوير المهني والارتقاء بمستوى الخطباء عبر تقارير موضوعية تختصر مئات الساعات من الجهد البشري.
“إسلام أون لاين”.. المزاوجة بين الآلة والإنسان
اختتم الملتقى بمحور سلط الضوء على تأثير الذكاء الاصطناعي في المحتوى الإسلامي، حيث قدم موقع “إسلام أون لاين” رؤية مزدوجة جمعت بين لغة الأرقام وأصالة المنهج فمن الناحية التقنية كشف المهندس أشرف شريف، رئيس تقنية المعلومات بموقع إسلام أون لاين، عن أرقام مليونية تعكس حجم التفاعل الرقمي، حيث تجاوز عدد الظهور على المنصات المختلفة 465 مليوناً. وأوضح آليات توظيف الذكاء الاصطناعي في إنتاج المقاطع المرئية، وتحويل المقالات إلى محتوى صوتي، وتطوير أنظمة بحث ذكية تفهم سياق المستخدم.
أما من الناحية النظرية والمنهجية، فقد استعرض الدكتور إدريس أحمد تيجاني، الباحث الشرعي المتخصص في الفقه وأصوله، تجربة “إسلام أون لاين” مع التقنية، مؤكدا أن توظيف الذكاء الاصطناعي في المؤسسات المعنية بالمحتوى الإسلامي يجب أن يقتصر في هذه المرحلة على أنه أداة تنظيمية مساندة تساهم في تيسير الوصول إلى المصادر الشرعية ودعم البحث العلمي، وألّا يعامل على أساس أنه “كيان مجتهد”.
وتطرق الدكتور إدريس أحمد إلى معضلة “هلوسة الذكاء الاصطناعي” وافتقاد الآلة للعامل الحسي والروحي، مشددا على حتمية المراجعة البشرية لضمان سلامة المحتوى. كما أشاد بالشراكة مع منصة “فنار” من منظور الموثوقية العلمية، مؤكدا أنها تمكنت من بناء منظومة ذكاء اصطناعي مأمونة الجانب وتستمد معلوماتها من مؤسسات أكاديمية رصينة، كما استعرض بعض النماذج لتطويع التقنية في خدمة العلوم والدراسات الإسلامية.
وعقب انتهاء الكلمات الرئيسية، أدار السيد معاذ يوسف القاسمي، رئيس قسم الإرشاد الديني بوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية في قطر، ندوة نقاشية تفاعلية حول ما تم طرحه من أفكار ورؤى وتطبيقات من قبل المشاركين.
وفي ختام الملتقى، كرّم السيد ثامر القاضي المشاركين والخبراء تقديراً لمساهماتهم في إنجاح النسخة الثلاثين من “كتارا تك”، والتي خلصت إلى رسالة جوهرية مفادها أن الذكاء الاصطناعي يمثل “فرصة تاريخية” للعلوم الشرعية، شريطة إحاطته بسياج من الرقابة العلمية الرصينة.
