إنّ القرآن الكريم ليس كتاب مواعظ مجرّدة، بل هو “ميزانٌ وجودي” دقيق يميّز بين الحق والباطل، ويرسم للسالك معالم الهداية، كما يكشف له مسالك الغواية. ومن سننه في التربية والتوجيه التفريق بين أصناف النّاس بحسب مواقفهم من “مشكاة الوحي” علماً وفهماً، وعملاً وامتثالاً؛ فبَيّن من أبصر بعين قلبه نور الوحي فسار على هدى، وبَيّن من أعرض فبقي في تيه الضلال والعمى.
ومعهودُ القرآنِ التفرقةُ بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان، وبين أهل العلم والعمل وأصحاب الجهالة والكسل، ويتجلّى ذلك في قوله تعالى في سورة الرعد: {أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَىٰٓ ۚ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَٰبِ} [الرعد: 19].
فهذه الآية تقسم الوجود الإنساني إلى فسطاطين: فاهمٌ عامل، وجاحدٌ آبق. وكما يقول ابن القيم -رحمه الله-: “البصيرة نور يَقذفه الله في القلب، يرى به حقيقة ما أخبرت به الرسل كأنه يشاهده عياناً[1]. ومن هنا وجب على السائر أن يتلمّس صفات الفريقين، وفيما يأتي بيان ذلك:
- الفاهم العامل (أهل البصيرة): هو الذي أيقن أنَّ ما أنزله الله على نبيه ﷺ من وحي هو “الحق المحض”، وكيف لا يكون كذلك؟ وهو المهيمن على الأفكار والأفعال. فمن استمسك به أنار الله بصيرته، فصار يرى بنور الله -عز وجل- ما لا يراه غيره، ويفرّق بـ “فرقان التقوى” بين الضلال والهدى وبين النافع والضار. ولعمري إنَّ هذا هو المطلب الأسنى لأولي العقول السليمة، الذين إذا ذُكّروا بالحق لم يخرّوا عليه صماً وعمياناً. بل تراهم يُحسنون الاختيار في هذه الدار وكأنّهم هم أهل العقل الذين اختاروا ما يبقى على ما يفنى؛ قال الحسن البصري -رحمه الله-: “لو كانت الدنيا ذهباً يفنى، والآخرة خزفاً يبقى، لوجب على العاقل أن يؤثر الباقي على الفاني، فكيف والدنيا خزف يفنى، والآخرة ذهب يبقى؟![2].
- الجاحد الآبق (أهل الشتات): هو أعمى الفؤاد، منطمس البصيرة، قد ران على قلبه ما كان يكسب من أوهام الفهم الخاطئ، وتَملّك الشهوة المذلة، وأقنعة الصور الزائفة، فلا يفرّق بين هدى وعمى، ولا بين حقيقة وزيف؛ فهو كمن يمشي في ليل بهيم أو في بيداء قفر بغير قائد، فيقع في مهالك “التيه” لا محالة. فإنَّ عمى هؤلاء يبرر لهم الاستسلام لظلمات الأهواء، فمهما ذُكّر بالحق نأى بجانبه، وأنى له أن يبصر وقد جعل النّور خلفه ظهرياً؟
إنَّ طريق الهداية واضح المعالم لمن صدق في طلب الحق، وأعمل قلبه فيما أنزل الله من نورٍ وبيان؛ فالنّاس بين من فتح بصيرته للحق فاهتدى، وبين من أوصدها فحُرم. وكما قال عليه الصلاة والسلام: “كُلُّ النَّاسِ يَغدو فبايِعٌ نَفسَه فمُعتِقُها أو موبِقُها”[3] ولا ثالث لهما. والسعيد حقاً من جعل القرآن ميزان فكره، والسنة غرز سيره، يسير على بصيرة مستحضراً إرشاد النبيّ ﷺ لعلي بن أبي طالب -رضي الله عنه- حين سأله الدعاء في أحد الأيام أن يقول: “اللَّهمَّ اهدِني وسَدِّدْني، واذكر بالهُدى هِدايَتَكَ الطَّريقَ، والسَّدادِ سَدادَ السَّهمِ”[4]، وإنّه السبيل الأوحد الذي يأخذ بالقلوب والعقول إلى مواطن رضاه جلّ في علاه.
نسأل الله أن يجعلنا من أولي الألباب الذين ينتفعون بالتذكير، ويهتدون بالوحي المنير، إنّه وليّ ذلك والقادر عليه.
