في قاعة الدراسات العليا بقسم التفسير وعلوم القرآن، قدم الدكتور عبدالله الهتاري محاضرة علمية موسعة بعنوان “الإعجاز ونظرية النظم عند عبد القاهر الجرجاني”، استعرض فيها تطور البلاغة العربية عبر عصورها المختلفة، وكشف عن الأسس المعرفية التي قام عليها منهج الجرجاني في فهم إعجاز القرآن، مختتماً بدعوة أكاديمية لإعادة الاعتبار لـ” نحو المعاني” الذي يربط بين التركيب اللغوي والدلالة المقصودة.
افتتح الدكتور الهتاري محاضرته بتأصيل مفهوم البلاغة وتطورها التاريخي، موضحاً أنها لم تكن علماً جامداً بل مسيرة حية مرت بمراحل متعاقبة. وقال في معرض حديثه:
“أنّ البلاغة العربيّة مرت بثلاث مراحل : البلاغة الفطرية، وهي فطرية البيان التي كانت سليقة وسجية وملكة لدى عصر التنزيل فأدركوا عظمة القرآن وإعجازه بفطرتهم البيانية؛ فقادهم البيان المعجز من ألسنتهم إلى محاريب الإيمان. ثم بعد البلاغة الفطرية كانت البلاغة الذوقية التي جاءت في المرحلة التالية لجيل التنزيل… إذ جاءت عند علماء البيان الذين يتذوقون أسرار البيان بالعلم والمعرفة والممارسة الكبيرة، ومعايشتهم للبيان. هذه البلاغة الذوقية امتدت من عصر الجاحظ في القرن الثاني، وبرزت في عمقها عند عبد القاهر الجرجاني في دلائل الإعجاز”.
وأضاف أن هذه المرحلة الذوقية استمرت حتى القرن الخامس وبداية السادس الهجري، حين جاء السكاكي في “مفتاح العلوم” وقعد علوم البلاغة الثلاثة: المعاني، والبيان، والبديع، لتبدأ بذلك مرحلة جديدة سماها “البلاغة التعليمية” التي هي السائدة حتى يومنا هذا.
العلاقة بين البلاغة التعليمية والبلاغة الذوقية
ولفت المحاضر إلى أن هاتين المرحلتين ” الذوقية والتعليميّة” ليستا منفصلتين، بل هما درجات في سلم المعرفة البلاغية. وأوضح قائلاً:
“من ارتقى في معرفته البيانية عبر البلاغة التعليمية، وصُقل ذوقه في البيان، فإنه يصل إلى مرحلة البلاغة الذوقية. بمعنى: أنّ من مهر وتمرّس في البلاغة التعليمية أمكنه ذلك أن يرتقي إلى البلاغة الذوقية التي وصل إليها عبد القاهر الجرجاني والجاحظ وغيرهم، ولكن مع مهارة وممارسة كبيرتين، ومع علم ومعرفة واسعتين”.
هذه الرؤية تضع الطالب والباحث أمام مسؤولية مزدوجة: إتقان القواعد التعليمية أولاً، ثم السعي عبر الممارسة والقراءة المتعمقة لبلوغ مرحلة “الذوق” التي تمكنه من استشعار أسرار النظم القرآني دون حاجة إلى تكلف.
مراحل الكتابة في الإعجاز: من الإشارات العابرة والرسائل إلى الكتب المؤسسة
انتقل الدكتور الهتاري بعد ذلك إلى استعراض تطور الكتابة في موضوع الإعجاز القرآني، مبيناً أنها مرت بثلاث مراحل: الإشارات، ثم الرسائل، ثم الكتب.
في مرحلة الإشارات، كان الحديث فيها عن الإعجاز يأتي عارضاً ضمن كتب اللغة والتفسير، دون إفراده بمباحث خاصة. وكان رائد هذه المرحلة أبو عبيدة معمر بن المثنى (ت 209 ه) في كتابه “مجاز القرآن”. وهنا أوضح المحاضر نقطة دقيقة حول مصطلح “المجاز” عند أبي عبيدة:
“ليس المجاز بالعرف والاصطلاح البلاغي عند المتأخرين… إنما المقصود به ما ورد في القرآن من أساليب بيانية جازت على أساليب العرب في كلامهم. بمعنى أنها جاءت على طريقتهم في بيانهم ولسانهم.”
ثم برز إبراهيم النظام بأول نظرية متماسكة في الإعجاز، وهي “نظرية الصَّرفة”، التي تقول: إن إعجاز القرآن يكمن في أن الله صرف العرب عن معارضته، رغم قدرتهم على ذلك. لكن تلميذه الجاحظ خالفه في ذلك، ورد على نظريته في كتاب “البيان والتبيين”، وأشار الجاحظ –في كتاب له مفقود اسمه “نظم القرآن: ” إلى أن الإعجاز يكمن في “نظم القرآن”، وهي الفكرة التي طورها لاحقاً عبد القاهر الجرجاني.

وفي مرحلة الرسائل، خلال القرن الرابع الهجري، بدأت تظهر مؤلفات قصيرة متخصصة في الإعجاز، مثل “النكت في إعجاز القرآن” للرماني، و”إعجاز القرآن” للخطابي. وهنا توقف الدكتور الهتاري عند إشكالية مفهوم “الصرفة” عند الرماني، قائلاً:
“يبدو أن مفهوم الصَّرفة عند الرماني ليس هو المفهوم الذي قال به النظام… فالرماني يرى أن العرب أدركت بسليقتها وبما هي عليه من البيان أن هذا القرآن لا يُبارى، فصرفت نفسها عن معارضته قناعةً من قرارة نفسها، لا بصرف قاهر من الله. وهذا فارق جوهري.”
أما مرحلة الكتب فبدأت في القرن الخامس، وشهدت ظهور مؤلفات ضخمة ومتكاملة، مثل “إعجاز القرآن” للباقلاني، و”المغني في أبواب التوحيد والعدل” للقاضي عبد الجبار، و”دلائل الإعجاز” لعبد القاهر الجرجاني.
نظرية النظم: عندما يصبح التركيب خادماً للمعنى
خصص القسم الأكبر من الندوة لشرح نظرية النظم عند الجرجاني، التي تعدّ إسهامه الأبرز في فهم الإعجاز. ولتسهيل الفكرة، اعتمد المحاضر جدولاً توضيحياً يبين الفارق الجوهري بين النحو التعليمي ونحو المعاني:
| وجه المقارنة | النحو التعليمي (التقليدي) | النحو المعاني (البلاغي) |
| الهدف | بيان صحة التركيب وقواعده | بيان دلالة التركيب وأبعاده |
| موقفه من “الجواز“ | يكتفي بذكر أن التركيب “جائز” من حذف أو تقديم أو تأخير | يقتضي وجوب التركيب على نحو مقتضى المعنى من تقديم أو تأخير أو حذف وذكر |
| مثال تطبيقي | “زيد في الدار” و”في الدار زيد”: جائزان | كل تركيب له معنى خاص به: أين زيد؟ زيد في الدار ، للجواب عن مكان زيد من في الدار؟ في الدار زيد، للإخبار بمن في الدار. |
| العلاقة مع المعنى | منفصلة أحياناً | علاقة التركيب بالمعنى ضرورية لا يستقيم بدونها، والتركيب خادم للمعنى |
وعلى ضوء هذا التمييز، عرّف الدكتور الهتاري “النظم” عند الجرجاني بأنه:
“توخي معاني النحو… بمعنى: أن تضع كلامك الوضع الذي يقتضيه علم النحو، وتعمل على قوانينه وأصوله، وتعرف مناهجه التي نهجت، فلا تزغ عنها.”
وأكد أن الجرجاني لم ينظر إلى الألفاظ منفصلة، بل تبرز قيمتها من خلال التركيب وتعالقها ببعضها بعضا؛ لتخدم المعنى المقصود. وقال: إن نظرية النظم ترى أنّ الألفاظ المفردة ليس لها قيمة خارج السياق وخارج التركيب. إنما قيمتها عندما تتعانق وتتعالق ببعضها في تركيب على نسقٍ يوافق المعنى الذي دار في الذهن، الذي يراد له من خلال هذا الترابط.”
نماذج تطبيقية: كيف يغير النظمُ المعنى؟
ولتقريب النظرية إلى أذهان الحاضرين، استعرض الدكتور الهتاري نماذج تطبيقية من “دلائل الإعجاز”، مبيّناً كيف أن تغييراً بسيطاً في ترتيب الكلمات يولد دلالات جديدة تماماً.
ففي قوله تعالى: ﴿أَأَنتَ فَعَلْتَ هَٰذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ﴾، توقف عند دخول أداة الاستفهام على الضمير “أأنت” بدلاً من الفعل. وعلق قائلاً:
“لو قيل: ‘أفعلت هذا بآلهتنا؟’ لكان السؤال عن وقوع الفعل نفسه وهذا غير مراد ولا يكون؛ لأن الفعل حاصل وإنما هم يسألون عن فاعله. فكان ورود ‘أأنت” يركز السؤال على الفاعل: من فعل هذا؟ وهذا يناسب مقام إنكارهم على إبراهيم عليه السلام، وتهويلهم لفعله.”
وكذلك في آية: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ﴾، بيّن أن تقديم “لله” على “شركاء” ليس مجرد خيار نحوي جائز، بل هو ترتيب مقصود؛ فإنّ التقديم والتأخير هنا دل دلالة واضحة على دقة التركيب القرآني للمعنى المراد من هذا التركيب، فلم يرد التركيب وفق المتوقع من ترتيب الجملة العربية فيكون: وجعلوا الجن شركاء لله. وإنما عمد إلى التركيب فعكسه من آخره إلى أوله؛ فكان: ” وجعلوا لله شركاء الجن” لأن الاعتراض منصب على كونهم جعلوا لله وحقه ألا يجعل له شريك مطلقا لا من الجن ولا من سواهم.
ولو ورد حسب متوقع ترتيب الجملة: وجعلوا الجن شركاء لله؛ لأوهم ذلك أن الاعتراض منصب على كونهم جعلوا الجن شركاء لله، ولو جعلوا غيرهم لكان مسكوتا عنه؛ فاحترس النظم المعجز المبين عن هذا المعنى غير المراد، بإيراد التركيب على نحو ما يقتضيه المعنى القرآني المقصود؛ فعكس التركيب بتقديم ماحقه التأخير؛ لأن المعنى اقتضاه، والتركيب خادم للمعنى.

وأشار الدكتور الهتاري: إلى أن الجرجاني يرى أن اختلاف التراكيب في النظم لابد أن يصحبه اختلاف في المعنى؛ لذلك نرفض أن نقول عن تراكيب مثل ‘زيد في الدار’ و’في الدار زيد’ إنها حالة جواز، بل نقول: إنّ كل مقام يقتضى تركيبا معيّنا، وكل معنى يستوجب نظماً خاصا.
ختام الندوة: دعوة لإحياء ” نحو المعاني” في مناهجنا
اختتم الدكتور الهتاري محاضرته بدعوة أكاديمية جريئة، حثّ فيها الباحثين وطلاب الدراسات العليا على إعادة النظر في طريقة تدريس النحو في مناهجنا التعليمية. وقال:
“نحن بحاجة ماسة إلى أن يُدرّس النحو في جامعاتنا ومؤسساتنا من منظور ‘ نحو المعاني’، النحو البلاغي الذي يربط بين التركيب والمعنى، كما فعل سيبويه في كتابه، وكما طبقه عبد القاهر الجرجاني في نظرية النظم. فهذا هو السبيل لفهم أعمق لبيان القرآن وإعجازه.”
وأشار إلى أن أعمال الباحثين المعاصرين، نحو كتاب “معاني النحو” للدكتور فاضل السامرائي، تمثل تطبيقاً عملياً لهذا المنهج، وتستحق الاهتمام والتدريس في مراحل الدراسات العليا. ولفت إلى أن فهم منهج سيبويه والجرجاني لا يأتي بقراءة كتبهم فقط، بل بـ”معايشة عقلية أصحابها”، قائلاً:
“عندما نقرأ لسيبويه أو الجرجاني، لا نقرأ فقط للنقل، بل لنفهم طريقة تفكيرهم؛ لنكتسب مهارة العلم في استنطاق النصوص. أما عندما نقرأ الكتب المتأخرة دون الرجوع إلى المنابع الأولى؛ فإنّ معرفتنا تظل قاصرة”.
