شريعة

وتلك الأيام نداولها بين الناس

5 يناير, 2017

12
مشاركة

التجربة البشرية في كل زمان ومكان هي مزيج من النجاح والفشل، والانتصارات والانكسارات، والمسلمون في تجربتهم ليسوا بمعزل عن هذه القاعدة، فهذه سنة من سنن الله في الاجتماع البشري؛ قال الله تعالى : {وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ} [آل عمران: 140] والمسلمون مجموعة من البشر، تجري عليهم سنن الله، كما تجري على غيرهم من الأمم.

وهذا ما توحيه كلمة (الناس) أي أن هذه سنة عامة مطردة  بين البشر، بغض النظر عن الإيمان والكفر! فإن سنن الله لا تُحابي مسلما ولا غير مسلم، فمَن حفِظها حفِظته، ومَن تجاوزها تجاوزته.

مداولة الأيام ليست جزافا

بيد أن هذه المداولة لا تكون لفريق دون آخر جزافا، وإنما تكون لمن عرف أسبابها ورعاها حق رعايتها. فلا عَجَبَ أن تكون الدولة مرة للمبطل ومرة للمحق، بل العجب أن يتعجب المسلمون من وقوع ذلك، واندهاشهم حينما تكون الغلبة في بعض المرَّات للباطل، وكتاب الله بين أيديهم يقرر لهم هذه الحقيقة تنظيرا، وسنن الأنبياء تبين لهم هذه الحقيقية واقعا عمليًّا!

وقد بين مؤسس علم العمران البشري ابن خلدون هذا المعنى، حيث اعتبر أن للدولة عمرا مثل الكائن الحي تماما، فنطالع في مقدمته هذا العنوان: (الفصل الرابع عشر في أن الدولة لها أعمار طبيعية كما للأشخاص)، ويستشهد على ذلك بقوله تعالى: {وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ } [الأعراف: 34]، وبقوله تعالى : {وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنْشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ} [الأنبياء: 11] وإن كان ابن خلدون قد تجاوز تقرير المبدأ إلى تحديد الحد الأقصى لأعمار الدول بمائة وعشرين سنة !

انكسار المسلمين في أُحد

ومن أوائل الانكسارات التي حدثت للمسلمين ما كان في غزوة أحد التي استشهد فيها من الصحابة: سبعون من خيارهم من أمثال حمزة بن عبد المطلب، ومصعب بن عمير، وسعد بن الربيع، وأنس بن النضر، وعقَّب عليها القرآن بقوله تعالى: {وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِن بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ} [آل عمران:152]. وقد قال تعالى: {أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ} [آل عمران:165].

كما انهزم المسلمون في غزوة حنين، لولا أن تداركهم الله بفضله، فنصرهم على عدوهم، قال تعالى: {لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ * ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ} [التوبة:25،26].

نماذج من انتصارات المسلمين وانكساراتهم

وقد حقق المسلمون عبر التاريخ الإسلامي انتصارات عظيمة، لم ترَ الدنيا لها مثيلا، في عصر سمِّي: (عصر الفتوحات الإسلامية)، حيث انتشرت هداية الإسلام في قارات الدنيا القديمة كلِّها في أقلَّ من قرن من الزمان، من الصين شرقا إلى الأندلس غربا، مما بهر المؤرخين والمراقبين. إلا أنهم منوا أيضا بانكسارات عاتية، مثل الحملات الصليبية التي تجمعت في أوروبا ، ودخلوا أراضي المسلمين، فأقاموا فيها ممالكهم وإماراتهم،  في سواحل الشام وفلسطين، ودخلوا القدس، وذبحوا عشرات الألوف من أهلها، وسالت فيها الدماء إلى الرُّكَب، وظلَّ المسجد الأقصى في أيديهم نحو تسعين سنة.

المغول

ومثل ذلك: زحف المغول من الشرق، وقد جاؤوا كالريح العقيم، (ما تذر من شيء أتت عليه إلا جعلته كالرميم) (الذاريات:42)، فسقطت الممالك الإسلامية أمامهم مملكة مملكة، حتى وصلوا عاصمة الخلافة الإسلامية، بغداد؛ دار السلام، عاصمة المنصور والرشيد والمأمون، فسقطت في قبضتهم، وفاضت الدماء أنهارا في الطرقات، وفوق السطوح، حتى سالت الميازيب بالدماء، وحتى قيل: قتل في هذه المجازر البشرية: ألفا ألف مسلم (مليونان) وهو رقم كبير جدًّا بمقياس ذلك الزمان، وحتى قال المؤرخ ابن الأثير، وقد عاصر مقدمات هذه الأحداث:

(لقد بقيتُ مدَّة مُعرِضا عن ذكر هذه الحادثة استعظاما لها كارها لذكرها أقدِّم رجلا وأوخِّر أخرى، فمن الذي سهل عليه أن يكتب نعي الإسلام؟ فيا ليت أمي لم تلدني، ويا ليتني مت قبل حدوثها. ثم حثَّني جماعة على تسطيرها، فنقول: هذا الفصل يتضمَّن ذكر الحادثة العظمى، والمصيبة الكبرى، التي عقمت الدهور عن مثلها، عمَّت الخلائق وخصَّت المسلمين، فلو قال قائل: إن العالم منذ خلقه الله إلى الآن لم يبتلوا بمثلها لكان صادقا، فإن التواريخ لم تتضمَّن ما يقاربها ولا ما يدانيها) .

فكيف لو عاش حتى شاهد سقوط بغداد، ورأى الدماء تسيل مدرارا، ودجلة يتحوَّل إلى نهر أسود، من مداد الكتب التي أُلقيت فيه؟!

نكبة المسلمين في الأندلس

وعاش المسلمون نكبة كبرى، نكبوا بها في الأندلس بعد أن أقاموا فيها نحو ثمانية قرون، أقاموا فيها حضارة شمَّاء، تعلَّمت منها أوربا، ثم أصاب المسلمين هناك ما أصاب الأمم من قبلهم، أفسدهم الترف، واتَّبعوا الشهوات، وتشتَّت كلمتهم، وأصبحوا طوائف شتَّى، لكلِّ طائفة ملك يحكمها، يلقب بألقاب ملوك بني العباس، كالمعتزِّ بالله، والمنتصر بالله، دون أن يكون له سلطان أولئك الملوك وقوَّتهم. كما قال الشاعر:

مما يزهِّدني في أرض أندلـس … ألقـاب معتصم فيها ومعتـضـد!

 ألقاب مملكة في غير موضعها … كالهرِّ يحكي انتفاخا صولة الأسد!

وفي هذا المناخ الفاسد، والمتاع الكاسد، تآمر ملوك النصارى على المسلمين هناك، حتى سقطت مدن الأندلس مدينة وراء مدينة، وولاية إثْر ولاية، حتى سقطت الأندلس كلُّها في أيديهم، وأمسى المسلمون مخيَّرين بين ثلاث: إما أن يتنصَّروا كرها، وإما أن يُقتَلوا، وإما أن يرحلوا إلى مكان لا يوصِّل إلى بلد إسلامي.[1]

وكانت المحصِّلة النهائية لذلك كلِّه: خلوَّ بلاد الأندلس من وجود أيِّ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمد رسول الله.

ورثى الشاعر أبو البقاء الرَّنْدي الأندلس بقصيدته الشهيرة، التي أبكت العيون، وأدمت القلوب. والتي ختمها بقوله:

لمثل هذا يذوب القلب من كَمَد … إن كان في القلب إسلام وإيمان

أسباب انكسار المسلمين

وانكسار المسلمين له أسبابه وموجباته، كما أن له حِكَمَهُ وفوائده على الإسلام، فمن أسباب الانكسارات المسلمين وهزائمهم:

1- تقصيرهم في مراعاة السنن الكونية، أو تقصيرهم في الأخذ بالأسباب.

2- تفريطهم أو تقصيرهم في إعداد ما استطاعوا من قوَّة ليرهبوا عدو الله وعدوهم، قال تعالى: {وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً} [النساء: 102].

3- خطؤهم في حساباتهم وتقديرهم لقوَّتهم وقوة عدوهم.

4- أن يُفاجؤوا بهجمة عدو أكثر منهم عددا وأشدُّ قوة، أو أفتك أسلحة، وأكثر تدريبا واستعدادا للحرب، ولم يتهيَّأوا لملاقاته.

5- انحرافهم عن دينهم ومصدر قوَّتهم، وإصابتهم بداء الوَهْن: حبُّ الدنيا، وكراهية الموت.

6- أن تتغلب عليهم العصبيات أو الأهواء، قال تعالى : {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الأنفال: 46].

7- اغترارهم بقوتهم، وتركهم التوكل على الله تعالى، قال تعالى : {وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ} [التوبة: 25].

حِكَم وفوائد الانكسار

لا نعني بأن للهزائم والانكسارات حِكَمًا وفوائد أن يعمد المسلمون إليها، فينهزموا وينكسروا ليحققوا هذه الحِكَم، ويحظوا بهذه الفوائد، فلا يقول هذا عاقل!

فالمطلوب من المسلمين أن يُعدوا عدة النصر، لكن عليهم أن يعلموا أن النصر لن يكون حليفهم دائما، هكذا قضى الله بقدره وقضائه، فإذا ما انهزموا عليهم أن يبحثوا عن أسباب هزيمتهم ليتحولوا عنها إلى أسباب النصر، لكن المقصود هنا: لماذا قضى اللله يقضائه وقدره ألا يكون النصر حليف المسلمين دائما، كما أن هذا لا يعني الاحتجاج بهذا القدر، والاستعفاء أو الإعفاء من مسئولية التقصير والإهمال والتعدي والتفريط.

فمن الأسباب التي التي قضى الله من أجلها هذا القضاء بتداول الأيام بين البشر، أن من وراء ذلك حِكَمًا مفيدة، منها :

1- لو كان المسلمون منصورين قاهرين غالبين دائما لبطروا وأشروا: ولو كانوا دائما مقهورين مغلوبين منصورا عليهم عدوهم لما قامت للدين قائمة، ولا كانت للحق دولة فاقتضت حكمة أحكم الحاكمين أن صرفهم بين غَلَبهم تارة، وكونهم مغلوبين تارة، فإذا غُلِبوا تضرعوا إلى ربهم، وأنابوا إليه، وخضعوا له، وانكسروا له وتابوا إليه، وذاقوا عبادة الانكسار لله، ولذة اللجأ إليه، وإذا غلبوا أقاموا دينه وشعائره، وأمروا بالمعروف، ونهوا عن المنكر، وجاهدوا عدوه، ونصروا أولياءه.

2- لو كان المسلمون منصورين قاهرين غالبين دائما لدخل معهم أصحاب المطامع الدنيوية، فإن أولئك يبحثون عمن له الغلبة والعزة، ولو كانوا مقهورين مغلوبين دائما لم يدخل معهم أحد. فاقتضت الحكمة الإلهية أن كانت لهم الدولة تارة وعليهم تارة. فيتميز بذلك بين من يريد الله ورسوله، ومن ليس له مراد إلا الدنيا والجاه.

3- أن الله سبحانه يحب من عباده تكميل عبوديتهم على السراء والضراء، وفى حال العافية والبلاء، وفى حال إدالتهم والإدالة عليهم. فلله سبحانه على العباد فى كلتا الحالين عبودية بمقتضى تلك الحال لا تحصل إلا بها، ولا يستقيم القلب بدونها، كما لا تستقيم الأبدان إلا بالحر والبرد، والجوع والعطش والنصب، وأضدادها. فتلك المحن والبلايا شرط فى حصول الكمال الإنسانى والاستقامة المطلوبة منه، ووجود الملزوم بدون لازمه ممتنع.

4- أن يرقيهم الله تعالى ويتخذ بعضهم شهداء، فكيف يكون ذلك إذا كانوا لا يدخرجون من كل مواجهة إلا منتصرين ، قال تعالى : ” {وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ } [آل عمران: 140] .[2]


[1] – انظر إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان (2/ 193)
[2] – انظر فقه الجهاد للدكتور القرضاوي (1/852)
التصنيفات:

الوسوم:

مشاركة

جميع الحقوق محفوظة لموقع اسلام اون لاين © 2017