مما يُروى في كتب التفسير أن الروح بدأت تدب في آدم -عليه السلام- من ناحية وجهه، فأراد متعجلاً أن يتحرك قبل أن تصل الروح إلى رجليه، وبقيت العجلة في أبناء آدم؛ قد تكون وقود بناء وارتقاء في سلم المجد، وقد تكون عامل احتراق يودي بصاحبه إلى التهلكة.

حين تدمر العجلة الإنسان وعلاقاته

كم تتسبب العجلة في إلحاق الأذى بالإنسان حين تجعله في حالة توتر دائم يستهلك طاقته العقلية والنفسية، وتجعله يتخذ قرارات خطيرة دون أن يفكر في نتيجة هذه القرارات على ذاته وعلى علاقاته؛ فكم من كلمة في ساعة غضب لم يحسب صاحبها حسابها، كانت سبباً في طلاق امرأة، أو إنهاء شراكة، أو قطع أواصر الصداقة بين اثنين دامت علاقتهما عشرات السنوات.

حين تحرمنا العجلة من الاستمتاع باللحظة الحاضرة

يستعجل الإنسان المستقبل ويتوقع أن يكون أحسن وأسعد مما هو عليه الآن، مما يضيع عليه لذة الاستمتاع باللحظة الحاضرة وتفاصيلها والنجاحات الصغيرة التي تحققت فيها، وهذه اللحظات تشكل مخزوناً للسعادة يمكن للإنسان أن يسترجعها في أوقات الفراغ أو عندما تحيط به الآلام، لتكون هذه الذكريات السعيدة طاقة أمل ونور في الخروج من الأزمة الراهنة، وبلسماً يخفف الجروح النفسية العميقة التي تسببها المصائب.

عجلة الإنسان جعلته ينتج آلات تيسر الكثير من العمل وتقلل الوقت والجهد الذي كان يستغرقه، فكيف تعامل مع هذه الثروة التي تكونت لديه من الوقت والجهد؟ هل استغلهما في مزيد من العمل ليضيف إلى رصيد إنجازاته وسجل حسناته؟ أم كان الفراغ سبباً في أزمات نفسية متلاحقة لا يستطيع أن يملأه بعمل صالح نافع لنفسه وللآخرين؟ وها هنا ينبغي الحديث عن أهمية وجود مشروعات كبرى يفكر فيها أهل الرأي، تستفيد من طاقة أفراد المجتمع وتضعها في المسار الصحيح؛ مسار الإنجاز والعطاء. ولعل من العمل الصالح اقتراح فكرة تملأ الفراغ للشباب، وللمتقاعدين القادرين على العطاء، ولربات البيوت، ولكل فئة في المجتمع، إذ يعمر العمل الحياة ويجعل لها قيمة، فضلاً عن كونه زاد المسلم للقاء ربه.

العجلة تفسد العلاقة بالله تعالى

يُشرع للمصلي إذا دخل قبل الصلاة بوقت كافٍ أن يؤدي تحية المسجد والسنن القبلية، لكن قد يدخل البعض قبل الصلاة بوقت لا يكفي لأداء السنة القبلية؛ يقف المتعجلون بتوتر يفسد على غيرهم لحظات ذكر الله سبحانه ومناجاته جل جلاله. لا يستطيعون أن يقفوا، ولا أن يذكروا الله أو يدعوه سبحانه في هذا الوقت المبارك، ناظرين إلى الوقت المتبقي على الإقامة بفارغ الصبر، فإذا أقيمت الصلاة شعروا أن الزمن توقف أو يمر بشكل غاية في البطء.

العجلة في تلقي العلم

نهى الله تعالى نبيه -وهو أكمل الخلق وأقدرهم على التعلم- عن العجلة حين يتلقى آيات القرآن من جبريل: ﴿وَقُرۡءَانٗا فَرَقۡنَٰهُ لِتَقۡرَأَهُۥ عَلَى ٱلنَّاسِ عَلَىٰ مُكۡثٖ﴾ [الإسراء: 106]. فإذا كانت العجلة منهياً عنها في تلقي القرآن، فما بالك بغيره؟ وإذا كان النهي متوجهاً للنبي -- فما بالك بسواه ممن لم يبلغ مبلغه من القدرة العقلية والانتباه والحرص على العلم؟

وفي هذا درس للذين يحركون سرعة المقاطع التعليمية المصورة إلى أقصى ما يمكنهم سماعه لكي ينتهوا سريعاً من المقطع؛ هذه الطريقة تحرم الإنسان من متعة التعلم، وتضيع فرصة اتضاح الصورة بتفاصيلها الدقيقة والمهمة. وهذا الداء موجود في بعض من يكتب الأبحاث العلمية أو يؤلف الكتب أو يكتب المقالات؛ فتجده ما إن يقف على معلومة حتى يبادر إلى ضمها إلى ما يكتب دون أن يتحقق من صحتها، أو صحة نسبتها إلى من نسبت إليه، ودون أن يحاكمها إلى الأصول العلمية المعتبرة عند أهل العلم. يحركه إلى هذه الطريقة رغبته في سرعة الانتهاء مما بين يديه من عمل، وتكثير الصفحات والعناوين التي كتب فيها. ونتج عن هذه العجلة أعمال علمية وأدبية فارغة من المضمون، تثير القلاقل أكثر مما تثبت الحقائق، ولا ترضي نهم القارئ الباحث عن المعرفة.

ومما تجدر الإشارة إليه أن هناك من يعانون من بطء التعلم، وهذا يجعلهم يتركون طلب العلم، أو يجعل من يقوم بأمرهم يستصعب الطريق ويشعر أن هذا البطيء لن يصل أبداً، وهذا الشعور قاتل للموهبة. ونحن نتفق مع من يذهب إلى أن لكل إنسان موهبة، وقد تكون مواهب هذا الشخص في اتجاه الزراعة، أو العمل الحرفي، أو التجارة، أو غيرها من أسباب طلب الرزق.

لكن صعوبات التعلم يمكن التغلب عليها عندما تكون هناك نية صالحة، وعزيمة صادقة، ومدرس يملك صبراً جميلاً، وأسرة ومجتمع يدعم طلب العلم ويرى فيه النجاة والصلاح. ومسألة بطء التعلم مسألة قديمة تعرض لها الخطيب البغدادي، قال: “كَانَ رَجُلٌ يَطْلُبُ الْعِلْمَ فَلَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ فَعَزَمَ عَلَى تَرْكِهِ، فَمَرَّ بِمَاءٍ يَنْحَدِرُ مِنْ رَأْسِ جَبَلٍ عَلَى صَخْرَةٍ قَدْ أَثَّرَ الْمَاءُ فِيهَا، فَقَالَ: الْمَاءُ عَلَى لَطَافَتِهِ قَدْ أَثَّرَ فِي صَخْرَةٍ عَلَى كَثَافَتِهَا، وَاللَّهِ لَأَطْلُبَنَّ الْعِلْمَ.. فَطَلَبَ فَأَدْرَكَ”[1].

هذا الرجل ساقه الله تعالى إلى هذا المشهد لكي يدرك أنه مع الصبر والإصرار وصدق اللجوء إلى الله تعالى يمكن للإنسان أن ينال ما يطلبه. إن العلم أكثر رقة من الماء، وبالتأكيد رأسه أقل صلابة من الصخرة، فلماذا يُستبعد أن يحصل قدراً من العلم بالصبر والمثابرة؟ وهل العلم إلا معلومة إلى جوار معلومة؟ وكم من معلمين أظهروا يأسهم من بعض طلبتهم وصارحوهم: “لن تصلح للتعليم ولن يصلح التعليم لك”، من الطلاب من ينتقل إليه هذا اليأس، ومنهم من يكافح ليثبت لهذا المعلم خطأ رأيه وعجزه عن التقدير الصحيح، ومنهم من ينتهي من أرقى الشهادات ويذهب لأستاذه الذي أخبره أنه فاشل ولن ينجح أبداً ليقول له: “ها أنا ذا قد حصلت على ما لم تستطع أن تحصل عليه”.

الاستعجال في التربية

يود الإنسان أن يرى أولاده في قمة العقل والحكمة والرحمة، لكن هذه القمم تحتاج لمجهود وتحتاج لصبر طويل جميل. الاستعجال يفسد التربية ويُشعر المربي بخيبة الأمل، والذي يشعل في قلبه جذوة الرجاء؛ فهمه لقضية الزمن وكونه جزءاً من العلاج، وإدراكه لقوله تعالى: ﴿وَٱللَّهُ أَخۡرَجَكُم مِّنۢ بُطُونِ أُمَّهَٰتِكُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ شَيۡـٔٗا﴾ [النحل: 78].

يكتسب الإنسان الخبرات والقدرات شيئاً فشيئاً، تتكرر عليه التجارب فيتضح له ما كان غائباً عنه. ينسى المربي أنه كان شاباً مندفعاً لا يحسب كثيراً، ما إن يرى شيئاً حتى ينطلق إليه دون أن يسأل نفسه: ما هو الطريق الصحيح القصير؟ وهل أستطيع السير فيه؟ تمر به الحوادث والأيام، يتعلم الصبر شيئاً فشيئاً حتى يتعجب من أولئك المتعجلين، وقد كان إلى عهد قريب مثلهم أو أشد منهم، لكنه نسي. تبقى العجلة كما تقول العرب “أم الندامات”، ذلك أنها ينتج عنها شرور لا حصر لها.

مما يعين على التأني:

  1. المشي إلى الصلاة بسكينة: قال : «إِذا سَمِعْتُمُ الإِقامَةَ فامْشُوا إلى الصَّلاةِ، وَعَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ والْوَقارِ، وَلا تُسْرِعُوا، فَما أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا، وَما فاتَكُمْ فَأَتِمُّوا»[2].
  2. انتظار الصلاة: وشغل هذا الوقت بالعبادة.
  3. شغل أوقات الانتظار: بتلاوة القرآن والذكر والفكر والدعاء.
  4. الطمأنينة في الصلاة.
  5. التؤدة في تلاوة القرآن: ﴿وَقُرۡءَانٗا فَرَقۡنَٰهُ لِتَقۡرَأَهُۥ عَلَى ٱلنَّاسِ عَلَىٰ مُكۡثٖ﴾ [الإسراء: 106].
  6. معرفة أن الاستعجال لا يقرب البعيد: فلكل غائب توقيت يصل فيه.
  7. تربية الصغار: على تحمل الانتظار.

متى تكون العجلة خيراً؟

«قيل: العجلة من الشيطان إلا في ستة مواضع: أداء الصلاة إذا دخل الوقت، ودفن الميت إذا حضر، وتزويج البكر إذا أدركت، وقضاء الدين إذا وجب، وإطعام الضيف إذا نزل، وتعجيل التوبة إذا أذنب»[3].