إن معرفة أوقات زكاة الفطر الخمسة لارتباطها بوقت وجوب زكاة الفطر ووقت الأداء تعد من أهم المسائل الفقهية التي يبحث عنها المسلم لضمان أداء شعيرته في وقتها الصحيح، حيث تعكس زكاة الفطر مبدأ من المبادئ الإسلامية التكافلية والبعد الاجتماعي الذي شرعه الإسلام بقصد إدخال السرور والفرح على نفوس المحتاجين أيام فرحة العيد، ولتطهير النفوس من الشح والبخل وجبر نواقص الصيام، ولتعزيز روح التضامن والتراحم وقيم الأخوة وتقليل الفوارق الطبقية الاجتماعية، ولكي تنتشر تربية البذل والعطاء وسنة الإحسان والإحساس بين أفراد المجتمع؛ حيث يشعر الجميع أنهم كأعضاء متحدة في جسد واحد.
أحكام هامة في مبحث زكاة الفطر ومقدارها
وهناك أمور مهمة لا بد من الإشارة إليها في مبحث زكاة الفطر وهي على الآتي:
1- أن زكاة الفطر واجبة على كل مسلم، ذكر أو أنثى، كبير أو صغير، مَن مَلَكَ قوتاً زائداً عن قوته في وقت الوجوب.
2- على الرجل زكاة عياله؛ من جهة الولادة كولد حتى الجنين أو والديه، أو من جهة النكاح كزوجة، أو من حيث القرابة، أو من تطوع له بنفقة رمضان كاملة، إذا كان هؤلاء تحت رعايته فإنه يزكي عنهم استحباباً لا وجوباً على الراجح، كما هو الحال عند بعض الصحابة كابن عمر رضي الله عنهم.
3- العبرة في الجنس المخرج في زكاة الفطر أن يكون من غالب قوت البلد بقدر الصاع النبوي – 4 أمداد، ويعادل بالوزن (2.40) كيلو جراماً – ويعطى للمحتاجين من المسلمين وخاصة إذا كان من ذوي الأرحام. قال أبو سعيد الخدري رضي الله عنه: “كنا نخرج في عهد رسول الله ﷺ يوم الفطر صاعاً من طعام… وكان طعامنا الشعير والزبيب والأقط والتمر“ [1].
4- لا مانع من أخذ المحتاج زكاة الفطر من أكثر من شخص حسب حاجته وبالمروءة، ويجوز له إخراج زكاته هو مما زاد عن حاجته في نفس القوت الذي أعطي.
5- يفضل أداء زكاة الفطر في الموضع الذي فيه المزكي لأنها زكاة الأبدان -خلافاً لزكاة المال التي تخرج في مكان المال- ما لم تكن هناك مصلحة صارفة أو راجحة.
6- مباشرة المزكي توزيع زكاته بنفسه أولى من إنابة غيره لما فيها من التعرف على أحوال الفقراء، إلا إذا تعذرت معرفته للمستحقين فيجوز له تكليف الغير في ذلك.
تفصيل أحكام أوقات زكاة الفطر الخمسة
الوقت الأول: وقت جواز تسليم الزكاة (التعجيل)
أي يجوز إعطاء زكاة الفطر قبل حلولها بيوم أو يومين لفعل ابن عمر رضي الله عنهما كما روى عنه مولاه نافع أنه: “كان يعطيها الذين يقبلونها، وكانوا يعطون قبل الفطر بيوم أو يومين” [2].
وقوله: “وكانوا يعطون” إشارة إلى أنه أمر معتاد عند الصحابة، إلا أن هذا الإعطاء ليس إخراجاً للمستحقين حالا وإنما للعاملين عليها بقصد الجمع ثم التوزيع في وقتها المحدد، ومما يعضد ويشهد لهذا العرف السائد أن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما “كان يبعث بزكاة الفطر إلى الذي تجمع عنده قبل الفطر بيومين أو ثلاثة” [3].
وفي رواية أنه سئل نافع مولى ابن عمر رضي الله عنهم متى كان ابن عمر يعطي الصاع؟ – يعني الصاع لزكاة الفطر – قال: “إذا قعد العامل… قبل الفطر بيوم أو بيومين” [4]. يعني قعود لأخذ الزكاة من الناس وجمعه قبل إخراجه لمستحقيه، وهو الذي كان عليه الأمر في عهد النبي عليه الصلاة والسلام كما في قصة حراسة وحفظ أبي هريرة لزكاة رمضان التي حاول الشيطان سرقتها، وهي قصة مشهورة، “صدقك وهو كذوب” [5]. مما يدل على وجود مكان خاص لجمع زكاة الفطر قبل صرفها للمحتاجين بفترة، وفي هذه الحال يصح تسليم زكاة الفطر في أيد العاملين عليها ولو من بداية الشهر.
الوقت الثاني: وقت الوجوب (غروب شمس آخر يوم في رمضان)
تجب صدقة الفطر في آخر شهر رمضان بغروب شمس آخر اليوم عند رؤية هلال شوال، لأن رمضان يخرج بغروب شمس آخر أيامه بحيث لو ولد مولود أو أسلم كافر بعد غروب الشمس لم تجب عليه زكاة الفطر لأنه لم يدرك جزءاً من شهر رمضان، وكذا لو مات بيوم أو يومين قبل نهاية الشهر فلا شيء عليه لعدم إدراكه وقت الوجوب، وهذا الذي رجحه جمع من أهل العلم قديماً وحديثاً.
بينما رأى بعض المحققين من العلماء قديماً وحديثاً بأن وقت الوجوب يبدأ من طلوع فجر يوم الفطر “لأنَّ اللَّيل ليس محلّاً للصوم، وإنما يتبيَّن الفطر الحقيقيُّ بالأكْل بعد طلوع الفجر” [6].
ولكن الظاهر عند إطلاق لفظ الفطر أن يقصد به فطر الصائم المعتاد، أي الفطر المعروف عند غروب الشمس، ولا يمكن العدول عن هذا الأصل إلا بالدليل، ولذا يبقى معنى حديث “أمر بزكاة الفطر” على ظاهره، الذي هو الفطر المعتاد، ولا يصرف هذا المعنى عن حقيقته إلا بحجة أقوى من منطوق الحديث، وعليه، يكون القول باعتبار وقت الوجوب عند الغروب هو الأرجح دليلاً وإن كان القول الثاني أحوط.
الوقت الثالث: الوقت الأفضل (صباح يوم العيد)
أجمع العلماء على أن أفضل الوقت لإخراج زكاة الفطر هو صباح يوم العيد قبل خروج الناس إلى الصلاة، لقول ابن عمر رضي الله عنهما: “أن رسول الله ﷺ أمر بزكاة الفطر أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة” [7]. ومن ثم يفضل تأخير صلاة العيد في هذا اليوم تيسيراً على الناس في إخراج زكواتهم حتى تصل إلى مستحقيها في الوقت المناسب كي يتمكنوا من الانتفاع بها في هذا اليوم فيتحقق مقصد الإغناء.
الوقت الرابع: وقت الكراهة (التأخير عن صلاة العيد)
يكره تأخير إخراج زكاة الفطر إلى بعد صلاة العيد من غير عذر، لحديث ابن عمر رضي الله عنهما: “أن رسول الله ﷺ كان يأمر بإخراج الزكاة قبل الغدو للصلاة يوم الفطر” [8].
ولكن لا يقتضى التأخير هنا إثماً، لإمكان تحقيق الغرض المقصود جراء هذه الشعيرة وهو إغناء المحتاجين في هذا اليوم عن التسول، كما روي في حديث: “أغنوهم في هذا اليوم” وفي رواية للبيهقي: “أغنوهم عن طواف هذا اليوم” [9].
حيث لا ينتهي مفهوم اليوم بانتهاء صلاة العيد بل ممتد إلى غروب الشمس، ولكن تأخير الزكاة إلى بعد الصلاة من غير عذر يقتضي الكراهة لمخالفة الإرشاد النبوي أو لترك الأمر الأفضل إلى الفاضل. ولذا قال الإمام الترمذي -عن إخراج زكاة الفطر قبل الصلاة-: “وهو الذي يستحبه أهل العلم: أن يخرج الرجل صدقة الفطر قبل الغدو إلى الصلاة” [10]. وأداؤها قبل الصلاة سنة مستحبة وأداؤها بعد الصلاة في يوم العيد أمر مكروه.
الوقت الخامس: وقت القضاء (الإخراج بعد يوم العيد)
وهو إخراج زكاة الفطر بعد مضي يوم العيد، ومن أخر إخراج زكاته حتى غروب شمس يوم العيد فإنه يؤديها قضاءً وهو آثم، فخروج الوقت لا يعنى سقوط زكاة الفطر بحال من الأحوال، ولا تبرأ الذمة من فرضيتها لما فيها من شوب التعلق بحق مستحقيها، فهي دين ثابت في الذمة ولا تسقط إلا بالإتيان. قال الوزير ابن هبيرة رحمه الله: “واتفقوا على أنها لا تسقط عمن وجبت عليه بتأخير أدائها، وهي دين عليه حتى يؤديها” [11].
ونُقل في ذلك إجماع. ولكن قضاؤها ليس كالأداء في الأجر، والقضاء أقل أجراً مع احتمال القبول وعدمه، وهذا معنى حديث ابن عباس رضي الله عنهما: “من أداها قبل الصلاة، فهي زكاة مقبولة، ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات” [12] التي تقع تحت مشيئة الله تعالى من حيث القبول والرد، وعلى من قصر في تأخير الزكاة التوبة والاستغفار لأنه آثم.
خاتمة
والشاهد من هذا كله، أن وقت زكاة الفطر المشروع يبدأ من غروب شمس آخر أيام شهر رمضان حتى قبيل غروب شمس يوم العيد، وأفضله ما قبل صلاة العيد، وأما ما عدا ذلك فلا يخلو من النظر.
