الملخص : تحول العالم في الواقع المعاصر إلى قرية صغيرة بفعل الثورة التقنية في الاتصال والتواصل، وهذا منح النظام الغربي القدرة على بسط سيطرته على مجال الإعلام المعاصر من خلال ابتكار أدوات ووسائل معينة الغلبة فيها للمادة على حساب الروح والدنيا على حساب الآخرة، وهو ما يحتم على القائمين على الإعلام الإسلامي إعادة النظر في أولويات الخطاب، خاصة مع تصاعد الخطاب المعادي للإسلام وتزايد الهجمات على قطعيات الدين، وتنامي محاربة المحتوى الإسلامي، لتضاف هذه التحديات إلى إشكاليات سابقة عانى منها الإعلام الإسلامي ولا يزال، وإن المناهج التي يمكن الولوج من خلالها إلى دراسة الإعلام كثيرة، بيد أن أكثرها ندرة هو النظر الأولوي والمنهج المقاصدي، وهو الذي تخيره الباحث في هذه الدراسة. وهذا الاختيار مبني على فرضيات عديدة أهمها: معيارية علم المقاصد وفقه الأولويات، وصفة المعيارية من أهم الصفات التي تتوخاها النظريات المعرفية، وإن المكنة المنهجية والإجرائية التي تبحث عنها هذه النظريات ويبحث عنه رواد الإعلام المعاصر موجودة في هذا المنهج.

وبناء عليه تحدد سؤال الورقة على النحو الآتي: كيف يمكن تنزيل قواعد فقه الأولويات المستندة إلى مقاصد الشريعة على مجال الإعلام المعاصر بما يحقق نهضة الأمة وريادتها وشهودها على الأمم؟ وقد قسم الباحث الورقة إلى مطلبين تناول أولهما مفهوم الأولويات في مجال الإعلام وأدلة اعتبار هذا الفقه في هذا المجال، فيما تناول المطلب الثاني تنزيل قواعد فقه الأولويات على مجال الإعلام المعاصر مع التمثيل لكل مرتبة من المراتب بحسب ثلاث أصناف من القواعد: قواعد المقاصد، وقواعد فقه الواقع، وقواعد الوسائل.

وقد تعددت زوايا تأصيل هذه الفكرة، فطرقها الباحث من زاويتين: إعلامية حيث تناول نظرية ترتيب الأولويات في علم الإعلام المعاصر، ومقاصدية حيث تناول قواعد الأولويات المستندة إلى علم مقاصد الشريعة، واستعمل في سبيل ذلك مناهج الوصف والتحليل والاستنباط مع قليل من منهج المقارنة. وقد خلصت الورقة فيما خلصت إليه من نتائج إلى ضرورة إعمال علم المقاصد في النظر الاجتهادي المتعلق بمجال الإعلام، وأنه ضرورة وليس ترفاً معرفياً، كما خلصت إلى ضرورة ترشيد إعلام الفكرة الإسلامية المعاصر بمعايير مقاصد الشريعة أولاً، ومعايير مقاصد الخطاب والإعلام ثانياً. وأوصت الدراسة بضرورة تفعيل فقه الأولويات من خلال تطوير استراتيجيات إعلامية قريبة ومتوسطة وبعيدة تبنى عليه، كما أوصت الباحثين والمشتغلين في حقلي الإعلام ومقاصد الشريعة بالعمل الجاد المشترك على تأطير الإعلام بفقه المقاصد، وتفعيل المقاصد في مجال الإعلام.

كلمات مفتاحية: مقاصد الشريعة؛ فقه الأولويات؛ الخطاب الإسلامي؛ الإعلام الديني؛ ترتيب الأجندة..

مدخل

إن فقه الأولويات والعمل بموجبه من أهم الواجبات في هذا العصر؛ ذلك أنه العلم الذي تستبان به مراتب الأحكام، وتمتاز به المصالح عن المفاسد، وتعرف به أكبر المصلحتين وأعظم المفسدتين، فيقدم بحسب أصوله وقواعده ما حقه التقديم، ويؤخر ما حقه التأخير، وبذا تتسق مقاصد المكلفين مع موازين العدل ونواميس الكون.
وأشد ما تمس حاجته إلى هذا الفقه أحكام الكفايات التي تتعلق بالكافة أو تتصل بالشأن العام كالسياسة والاقتصاد، وقديماً قال إمام الحرمين: إن الركن الركين فيها هو رعاية الأهم فالمهم¹، ذلك أن الإخلال بها يجوز الفاعل إلى عموم الخلق، وهو ما يجر خبالاً واسعاً تفوت به المصالح وتستجلب به المفاسد.

وهذه الرعاية لا تنحصر في التصرفات الفعلية فحسب، بل تشتمل على التصرفات القولية كذلك، ومن هنا يشرع النظر الأولوي في الإعلام. والاجتهاد في الخطاب عموماً والإعلام خصوصاً من فرائض هذا العصر نظراً لندرة الدراسات في هذا الحقل التي تتسم بالتأصيل والتحقيق، وسعة المفاسد التي باتت تأتي على أصل الدين ومن ثم قطعياته في الأمور الدينية والدنيوية.

ويتأكد هذا النظر إذا علمنا أن الواقع المعاصر زاخر بالكثير من أدوات الاتصال ووسائله التي تتزايد وتتبدل مع تقدم الثورة الاتصالية والرقمية من جهة، ومن جهة أخرى زاخر أيضاً بالعديد من الأحداث والقضايا والمضامين، ويتعذر معهما تحصيل كافة المصالح، ودرء كافة المفاسد خاصة في حال التزاحم.

هذا وقد عرف علم الإعلام المعاصر نظرية ترتيب الأولويات أو ترتيب أجندة الإعلام، بيد أن النقاشات حول هذه النظرية قد غاب عنها الوقوف على الاجتهاد الإسلامي في ترتيب الأولويات، فضلاً عن تقويم هذه النظرية به، على الرغم من حاجة جميع العلوم والمعارف والصنائع إلى هذا العلم من حيث هو علم معياري.

وتتحدد المشكلة التي تناقشها هذه الدراسة بتعذر استيعاب وسائل الإعلام المعاصر لكافة القضايا والأحداث والموضوعات، وهو ما يحتم التقديم والتأخير، فما هو المنهج والمعيار الذي بناء عليه تتقدم بعض القضايا على بعض أو يتأخر بعضها عن بعض؟ وهل يوجد في نظريات التشريع الإسلامي منهجٌ لترتيب أجندة الإعلام؟ وكيف يمكن تنزيل هذا المنهج النظري في الواقع المعاصر؟ هذه هي إشكالية الدراسة وأسئلتها الأساسية.

أما أهميتها فتكمن في محاولتها لفت الأنظار إلى النظرية الإسلامية في ترتيب الأولويات في الإعلام التي يمكن من خلالها تفسير الواقع الإعلامي العربي والإسلامي، وتقويمه بها. هذا وتقتصر هذه الورقة على القواعد المقاصدية دون القواعد الأصولية والفقهية، ولذا وسمت بأولويات الإعلام المعاصر في ضوء مقاصد الشريعة لا في ضوء مطلق القواعد والأصول.

وعلى ذلك فهذه الدراسة تطبيق للقواعد المقاصدية في فقه الأولويات على حقل الإعلام، يبين فيها الباحث أولويات الإعلام في الواقع المعاصر، مع إطلالة على أدلة اعتبار فقه الأولويات في مجال الإعلام من شواهد الشرع ومؤيدات التجربتين: النبوية والراشدية. وقد سبقت هذه الدراسة كتب وبحوث مختلفة في فقه الأولويات وتطبيقاته في مجالات مختلفة، بيد أن مجال الإعلام لم يحظ بالعناية اللائقة به، ومن الدراسات التي تناولت أولويات الإعلام: أعمال ندوة الخطاب الإعلامي، الأولويات والضوابط التي نشرتها مجلة الوعي الإسلامي الكويتية في العام 1999م، في العدد: 397.
وقد امتاز هذا البحث عن غيره بالجمع بين التأصيل والتنزيل، وهو من هذه الناحية غير مسبوق في حدود اطلاع الباحث، والمنهج المتبع فيه هو المنهج الوصفي التحليلي، مع استعمال منهج المقارنة والموازنة حين يجري الحديث عن نظرية ترتيب الأولويات الغربية.

فقه الأولويات في مجال الإعلام؛ مفهومه وأهميته ومشروعيته

1. مفهوم فقه الأولويات المقاصدية في مجال الإعلام وأهميته ومقارنته بنظرية ترتيب الأولويات في علم الإعلام المعاصر

1. 1. حقيقة فقه الأولويات في مجال الإعلام في ضوء مقاصد الشريعة

نظراً إلى أن المقام ليس مقام تفصيل في فقه الأولويات بشكل عام فسوف يقتصر الباحث على بيان التعريف اللقبي الاصطلاحي لفقه الأولويات كما أشار إليه المتقدمون وكما عرفه المعاصرون.
يقول الشيخ يوسف القرضاوي: “إن فقه الأولويات هو وضع كل شيء في مرتبته بالعدل من الأحكام والقيم والأعمال، ثم يقدم الأولى فالأولى، بناء على معايير شرعية صحيحة يهدي إليها نور الوحي ونور العقل”²، وعرفه الدكتور الوكيلي بقوله: “العلم بالأحكام الشرعية التي لها حق التقديم على غيرها بناء على العلم بمراتبها وبالواقع الذي يتطلبها”³.
وأفضل من عرف فقه الأولويات أستاذنا الدكتور محمد همام ملحم حيث عرفه بقوله: “العلم بمراتب الأعمال ودرجات أحقيتها في تقديم بعضها على بعض المستنبط من الأدلة ومعقولها ومقاصدها”⁴ وجرياً مع هذا التعريف نقول إن مرادنا بفقه الأولويات في مجال الإعلام هو العلم بمراتب الخطاب المستنبط من الأدلة ومعقولها ومقاصدها، ودرجة أحقيات هذه المراتب في تقديم بعضها على بعض. وإنما ذكرنا الخطاب؛ لأنه المجال الحيوي للإعلام سواء أكان مكتوباً أم مرئياً أم مسموعاً وهو قسيم الأفعال فيما يندرج في مفهوم الأعمال؛ لأنها صنفان: أقوال وأفعال، وقد استبدلنا كلمة الأقوال بالخطاب؛ لأن الخطاب أعم فهو يشمل القول منطوقه ومعقوله، مقوله ومكتوبه، والله أعلم.

ولما كان للتقديم والتأخير مآخذ شتى أصولية وفقهية ومقاصدية اقتصر الباحث على ما كان مأخذه المصلحة ومقاصد الشريعة وإن كان يتضمن مآخذ الفقه والأصول بطريق إجمالي لا تفصيلي، وإنما مست الحاجة إلى ما كان مأخذه المصلحة الشرعية لما اشتمل عليه الواقع الإعلامي المعاصر من وقائع ونوازل تتطلب النظر والاجتهاد المقاصدي. ومن هنا تتحقق الصلة بين الإعلام والسياسة الشرعية من جهة التزاحم في الأعمال التي ترد على الأحكام الأصلية لاندراج كل منهما في الأحكام الكفائية، وهو ما سوف يشير إليه الباحث في مواضعه من الورقة إن شاء الله تعالى.
كما أن مصادر هذا التقديم والتأخير بعضها يرجع إلى الأحكام فيما يرجع بعضها إلى العمران أو ما يمكن أن يعبر عنه في مجال الإعلام بفقه الصنعة الإعلامية، وقد دار هذا البحث حول ما مآخذه الأحكام دون العمران وإن اشتمل على إشارات عمرانية إجمالية كذلك، وسبب الاقتصار على ما كان مأخذه الأحكام سعة موضوع العمران الذي يتطلب دراسة مستقلة ينظر فيها في التاريخ وينظر فيها في الواقع وينظر فيها في الأفراد والمجتمعات والعلوم والمعارف والتجارب والخبرات التي يقف عليها عقل المسلم المعاصر، وهي المساحة التي يلتقي فيها الإعلام الإسلامي مع نظريات الإعلام المعاصر كما عرفها علم الإعلام والاجتماع.

وإن وصف الإعلام بالإسلامي لا ينفي صفة الإعلام عن غيره ذلك أن العلماء قد اعتادوا على تصنيف العلوم بحسب مأخذها؛ فعلم السياسة ينقسم إلى سياسة عقلية وسياسة شرعية، وهكذا. هذا ولما كان الخطاب أضرباً متنوعة، فمنه ما يكون خطاباً بين العبد وربه، ومنه ما يكون خطاباً بين الفرد والفرد، ومنه ما يكون خطاباً بين الفرد والمجموع فإن الإعلام يقتصر على النوع الثالث فحسب، ولما كان موضوع هذا الخطاب يختلف من فرد لآخر فسوف يقتصر حديثنا على الإعلام الذي موضوعه الدين الإسلامي فحسب أو ما كان مأخذه الشرع.

1. 2. أهمية فقه الأولويات في مجال الإعلام

تكمن أهمية فقه الأولويات في حقل الإعلام في تعذر تناول الوسيلة الإعلامية لجميع القضايا التي تحدث في المجتمع، ما يضطر القائم على الوسيلة الإعلامية للتخير من بينها اعتباراً وإلغاء، ثم تقديم بعضها على بعض، وتأخير بعضها عن بعض، وتتأكد هذه الأهمية في اللحظة الراهنة حيث تطورت وسائل الاتصال بشكل كبير جداً كمّاً ونوعاً، وهو ما يحتم الاختيار لا عن خبط بل عن معايير دقيقة تحقق مقاصد الشريعة عامة، ومقاصد الإعلام خاصة، ومقاصد كل قضية جزئية بشكل أخص.
والبديل عن هذه المعايير الدقيقة هو الهوى والأغراض بلا شك أو تحول الوسيلة الإعلامية إلى أداة لجني الأرباح فقط، وتأطيرها برغبات الجمهور فقط. وهنا يقدم فقه الأولويات منهجاً دقيقاً في بيان مراتب القضايا التي تقع في المجتمع، وما يستحق منها الإظهار وما يستحق منها الستر، ثم تحديد مراتب تلك القضايا المقبولة وتقديم بعضها على بعض، كل ذلك مع تقييد مقاصد القائمين على الاتصال بمقاصد الشارع، وتحقيق مصالح الأمة الضرورية والحاجية والتحسينية بميزان عادل، ومنهاج واضح، وقواعد منضبطة.

وأهم هذه القواعد هو التعريف الدقيق للمصلحة والمفسدة، وتقسيمها من حيث الاعتبار الشرعي إلى معتبرة وملغاة، ومن حيث المرتبة إلى ضرورية وحاجية وتحسينية، وغير ذلك من التقسيمات الدقيقة التي سيرد ذكرها في ثنايا الورقة.

1. 3. نظرية ترتيب الأولويات في حقل الإعلام وتقويمها في ضوء نظرية فقه الأولويات

تعدّ نظرية ترتيب الأولويات أو وضع الأجندة واحدة من النظريات التي تتناول تأثير وسائل الإعلام والاتصال الجماهيري في معارف المجتمع ومواقفه وتصرفاته كنظريات التأثير المباشر (إطلاق الرصاصة)، ونظريات التأثير المحدود (تدفق الاتصال)، ونظرية التأثير المعتدل (طلب المعلومات – الإشباع – ترتيب الأجندة – التبعية)، ونظرية التأثير القوي (نموذج ليرنر – نموذج مارشال ملكلوهان – النموذج الظرفي)⁵.

وترجع جذور النظرية إلى عدد من الرواد والمفكرين أشهرهم الأمريكي والتر ليبمان، في كتابه الشهير: الرأي العام الذي دونه عام 1922م، ومفادها أن الرأي العام ما هو إلا انعكاس لمضامين وسائل الإعلام التي تفرض نفسها كوسيط بين الواقع والجمهور، فهي لا تنقل الواقع بل تشكله. وبتعبير الفرنسي أرمان ماتلار فإن “وسائل الإعلام لا تقول لنا كيف نفكر، بل تقول لنا في ما يجب أن نفكر؟ إنها تقوم بدور صاحب الحفل أو لوحة الإعلانات”⁶.
وبذلك فإن أولويات الجمهور إنما تترتب بحسب ترتيب وسائل الإعلام لها، حيث تقوم وسائل الإعلام بإعطاء الأهمية لبعض القضايا من خلال عدة طرق منها على سبيل المثال: منحها المساحة الزمانية والمكانية، وقوة التقديم، والتكرار والتوكيد⁷.

هذا وقد تعرضت النظرية للعديد من الانتقادات التي قادت لتطويرها إلا أن ذلك لم يمنع انتقادها واتهام فرضياتها وتوهين مرتكزاتها، كل ذلك مع القول إنها من أهم النظريات التي تدرس بناء الاتجاهات، وأكدت أهميتها لامتيازها بالمرونة وقابليتها للتطور، وصلتها بالنظريات الأخرى خاصة نظرية التأطير، والفتيل، وحراسة البوابة، ودوامة الصمت، حيث إن القائم بالاتصال هو الذي يرتب الأجندة، ويرسم الأطر، ويقوم بدور حراسة البوابة بواسطة التحكم في اختيار المعلومات، وتعيين الأخبار والصور.

هذا وقد تأكد هذا التقييم السلبي مع تطور وسائل الاتصال وظهور وسائل التواصل الاجتماعي وسعة الإعلام الرقمي الذي قويت بسببه أجندة الجمهور وباتت تفرض نفسها على أجندة الإعلام⁸، وأهم المآخذ الذي وجهت لهذه النظرية هو منهج تحديد المعايير والمبادئ التي تتحدد وفقها القضايا وتمنح بها الأولوية من قبل القائم بالاتصال، حيث نجد أن واضعي النظرية يحيلون على سياسة التحرير، وسياسة الإعلام المتبعة⁹.
فالمراجع لأدبيات المنظرين لنظرية ترتيب الأولويات لا يعثر على قواعد الأولوية بين أولويات المحتوى والمضمون بقدر ما يفسر تأثير وسائل الإعلام في المجتمع تجاه القضايا التي يحددها القائمون عليها. وهذا هو تحديداً ما تقدمه نظرية فقه المقاصد التي تشتمل على قواعد واضحة تتحدد بها تلك السياسات، وتوضح بها معايير التنظيم الإعلامي، وبذلك تتفوق نظرية فقه الأولويات على نظرية ترتيب الأولويات.

2. أدلة اعتبار فقه الأولويات في مجال الإعلام في ضوء مقاصد الشريعة

لا تعرض هذه الورقة لتأصيل فقه الأولويات؛ لأن موضوعها تأصيل أولويات الإعلام لا مطلق الأولويات؛ أما تأصيل فقه الأولويات نفسه فقد كتب فيه عدد من المصنفات أهمها وأبرزها كتاب أستاذنا الدكتور محمد همام ملحم حفظه الله المترجم باسم “تأصيل فقه الأولويات”.
والنظر الأولوي في الخطاب والإعلام نظر معتبر نظراً وعملاً من حيثيات مختلفة، فهو نظر معتبر في آيات الكتاب والأخبار والآثار وعبارات العلماء في مختلف فروع المعرفة كما أنه نظر معتبر باستقراء التجارب النبوية والراشدية والتاريخية. ونظراً لضيق المقام فسوف نقتصر على شواهد اعتبار هذا الفقه في القرآن والسنة والتجربتين النبوية والراشدية.

2. 1 شواهد اعتبار فقه الأولويات في مجال الإعلام في القرآن والسنة

وهذه الشواهد على أصناف ثلاثة: أحدها: ما يبين مراتب هذه الخطابات، والثاني: ما يشهد لتقديم بعضها على بعض، الثالث: ما يشهد لتأخير بعضها عن بعض.

2. 1 أ. الشواهد الدالة على مراتب الخطابات

وهي على أضرب فمنها ما يدل على مراتب الخطاب الحسن، ومنها ما يدل على مراتب الخطاب القبيح.
ومن الأمثلة على مراتب الخطاب الحسن قول الله تعالى: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} [فصلت: 33]. يقول الإمام الرازي: “حكم بأن هذا القول أحسن الأقوال”¹⁰، وعلى ذلك فالدعوة إلى الله تعالى هي أحسن مراتب الخطاب الإسلامي على الإطلاق.

ومن الأمثلة على مراتب الخطاب القبيح قول الله تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا} [هود: 18]، ومعنى الآية: أنه لا أحد أظلم منه¹¹، وعلى ذلك فهذا الخطاب هو من أقبح الخطابات على الإطلاق.

2. 1 ب. الشواهد الدالة على تقديم الخطابات بعضها على بعض

وهي على أضرب فمنها ما يتقدم فيه الخطاب الفاضل على المفضول، ومنها ما يتقدم فيه الخطاب الحسن على القبيح، ولكل ضرب من الضربين أمثلة عامة وخاصة، وعلى كل منها أمثلة من الكتاب والسنة والآثار، ونظراً إلى منهجنا في إجمال المباحث التمهيدية فسوف نقتصر على أظهر الأمثلة من الكتاب والسنة، وهي متنوعة بين العام والخاص.

ومن الأدلة العامة على الضربين قول الله تعالى: {وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ ۚ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنسَانِ عَدُوًّا مُّبِينًا} [الإسراء: 53]، فمن معاني الآية بحسب بعض المفسرين أمر المؤمنين باختيار الأحسن من الأقوال والمحاورات والمخاطبات بحيث يقدموا الأحسن على الحسن، والحسن على القبيح.

ومن أفضل من فصل القول في فقه الأولويات في هذه الآية الشيخ عبد الحميد بن باديس رحمه الله، ومن أقواله في الآية: “هي الكلمة الطيبة، والمقالة التي هي أحسن من غيرها فيعم ذلك ما يكون من الكلام في التخاطب العادي بين الناس، حتى ينادي بعضهم بعضاً بأحب الأسماء إليه، وما يكون من البيان العلمي فيختار أسهل العبارات وأقربها للفهم حتى لا يحدث الناس بما لا يفهمون، فيكون عليهم حديثه فتنة وبلاء، وما يكون من الكلام في مقام التنازع والخصام فيقتصر على ما يوصله إلى حقه في حدود الموضوع المتنازع فيه، دون إذاية لخصمه، ولا تعرض لشأن من شؤونه الخاصة به، وما يكون من باب إقامة الحجة وعرض الأدلة، فيسوقها بأجلى عبارة وأوقعها في النفس، خالية من السب والقدح، ومن الغمز والتعريض، ومن أدق تلميح إلى شيء قبيح. وهذا يطالب به المؤمنون سواء أكان ذلك فيما بينهم، أم بينهم وبين غيرهم.

وقد جاء في الصحيح: أن رهطاً من اليهود دخلوا على النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- فقالوا: السام عليكم ففهمتها عائشة- رضي الله عنها- فقالت: وعليكم السام واللعنة. فقال لها رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم-: “مهلاً يا عائشة، إن الله يحب الرفق في الأمر كله. فقالت: ألم تسمع ما قالوا؛ فقال: قد قلت: وعليكم”.¹²

فكان الرد عليهم بمثل قولهم بأسلوب العطف على كلامهم، وهو قوله: وعليكم، أحسن من الرد عليهم باللعنة. فقال- صلى الله عليه وآله وسلم- القولة التي هي أحسن، وهذا أدب الإسلام للمسلمين مع جميع الناس، وأفاد قوله تعالى: {أحسن} بصيغة اسم التفضيل أن علينا أن نتخير في العبارات الحسنة، فننتقي أحسنها في جميع ما تقدم من أنواع مواقع الكلام. فحاصل هذا التأديب الرباني هو اجتناب الكلام السيء جملة، والاقتصار على الحسن، وانتقاء واختيار الأحسن من بين ذلك الحسن. وهذا يستلزم استعمال العقل والروية عند كل كلمة تقال، ولو كلمة واحدة¹³، وذكر الشيخ السعدي في تفسير الآية أنه “إذا دار الأمر بين أمرين حسنين فإنه يؤمر بإيثار أحسنهما إن لم يمكن الجمع بينهما”¹⁴.

ومثله قوله تعالى: {ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ ۖ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} [النحل: 125]، أي: بالطريقة التي هي أحسن من غيرها من طرق الجدال والحوار وهي تلك التي تتسم باللين والرفق وتخلو من الفظاظة والغلظة وتؤول إلى يقظة القلب وعظة النفس¹⁵. وقد أشار الإمام الماتريدي إلى ضرورة معرفة مراتب الآثام ومقاديرها وأن لكل مرتبة ما يقابلها من الوعظ والزجر، والترغيب والترهيب¹⁶، وهذه الآية تعد من أهم الأدلة ذات الصلة بالإعلام الديني والدعوي؛ لما فيها من تأسيس لمنهج الخطاب وفقه الأولويات فيه.

فأما تقديم الخطاب الفاضل على المفضول فمن أمثلته قول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انظُرْنَا وَاسْمَعُوا ۗ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [البقرة: 104]، وكان اليهود يقصدون بهذه اللفظة الرعونة، أما المسلمون فكانوا يستعملونها على معناها اللغوي وهو المراعاة، فجاء النهي في الآية عن التلفظ بها؛ سداً لذريعة تطرق اليهود إلى المحظور، وهو شتم النبي ¹⁷. وممن أشار بشكل واضح إلى فقه الأولويات في هذه الآية الإمام السمرقندي حيث قال: “نهى المسلمين أن لا يقولوا بهذا اللفظ، وأمرهم أن يقولوا بلفظ أحسن منه”¹⁸، وتقديم الفاضل على المفضول قد يأخذ حكم الوجوب كما هو الحال في هذه الآية، وقد يأخذ حكم الندب في شواهد أخرى. ولهذه الآية أهمية خاصة في استعمال المفاهيم والمصطلحات في وسائل الإعلام وضبط التحرير الصحفي والإعلامي بما يحفظ على الأمة ذاتيتها واستقلاليتها، وبما يعكس واقعها كما هو، لا كما تحب وسائل الإعلام الغربي أن تصوره، وأظهر ما تمس الحاجة إلى فقه هذه الآية في نفي الخبث عن المفاهيم والمصطلحات الإسلامية التي تتعرض لهجمة شرسة من قبل المستشرقين والمستغربين والعلمانيين وأصحاب الأفكار الشاذة عن دين الأمة وثقافتها، كمفهوم الجهاد الذي بات رديفاً للإرهاب في بعض وسائل الإعلام، والتطرف الذي بات رديفاً للإسلام.

وأما تقديم الخطاب الحسن على القبيح فمن أمثلته قول الله تعالى: {إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم مَّا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُم مَّا يَكُونُ لَنَا أَن نَّتَكَلَّمَ بِهَٰذَا سُبْحَانَكَ هَٰذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ} [النور: 15، 16]، وفي الآية تقديم خطاب التبرؤ على خطاب التهمة والخوض في عرض أم المؤمنين عائشة وصفوان رضي الله عنهما على الرغم من تحولها إلى قضية رأي عام في تلك اللحظة، وفي ذلك يقول الإمام الطاهر بن عاشور: “هذا مسوق للتوبيخ على تناقلهم الخبر الكاذب وكان الشأن أن يقول القائل في نفسه: ما يكون لنا أن نتكلم بهذا، ويقول ذلك لمن يجالسه ويسمعه منه”¹⁹. ولهذه الآية أهمية خاصة في فقه تناول الأخبار الشخصية والجنائية خاصة تلك المتعلقة بالأعراض لشدة حياطة الشريعة لها لما لها من أثر على السلم المجتمعي والتماسك الداخلي.

ومثله قول الله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاءِ ۚ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَّعْرُوفًا} [الأحزاب: 32]، ففي الآية تقديم القول الحسن المعروف على القول الذي فيه خضوع والذي يؤول إلى مفاسد تمس من مقصد الشارع في حفظ النسل والعرض، والقول الحسن هو الصحيح الجميل الذي لا يقارب الفاحشة ولا يثير رغبة الرجال، فلا يلان فيه الكلام، ولا يلطف فيه الصوت؛ لأن ذلك يطمع الفاجر بموافقته²⁰. ولهذه الآية أهمية خاصة في فقه مشاركة المرأة في وسائل الإعلام حيث تتأطر هذه المشاركة بهذا المحدد السلوكي.

2. 1 ج. الشواهد الدالة على تأخير الخطابات بعضها عن بعض

وهي على أضرب: فمنها ما يتأخر فيه الخطاب المفضول عن الفاضل، ومنها ما يتأخر فيه الخطاب القبيح عن الحسن، ولكل ضرب من الضربين أمثلة عامة وخاصة، وعلى كل منها أمثلة من الكتاب والسنة والآثار، ونظراً إلى منهجنا في إجمال المباحث التمهيدية فسوف نقتصر على أظهر الأمثلة من الكتاب والسنة، وهي متنوعة بين العام والخاص.

فأما تأخير الخطاب المفضول عن الفاضل فمن أمثلته قول الله تعالى: {لَّا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَن ظُلِمَ ۚ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا إِن تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَن سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا} [النساء: 148، 149]، ففي الآية تأخير لخطاب الجهر بالسوء عن خطاب العفو، يقول الإمام أبو حيان: “العفو أولى وإن كان غير المعفو عنه مباحاً”²¹، ويقول الإمام الإيجي إن في الآية “إشارة إلى حث المظلوم على العفو وإن جاز له الشكاية”²².

وأما تأخير الخطاب القبيح عن الحسن فقد يستفاد من قوله تعالى: {وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هَٰذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئَاتِكُمْ ۚ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِّنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَظْلِمُونَ} [الأعراف: 161 – 163]، والمقصود أنهم بدلوا لفظة حطة ومعناها: طلب المغفرة بلفظة حنطة، وغرضهم في ذلك السخرية والاستهزاء²³.

2. 2. شواهد اعتبار فقه الأولويات في الإعلام في التجربتين: النبوية والراشدية

تدور هذه الشواهد حول الممارسة النبوية والراشدة لفقه أولويات الإعلام بما هي تطبيقات عملية من خيرة القرون لنظرية فقه الأولويات.

2. 2 أ. التجربة النبوية في رعاية فقه الأولويات في مجال الإعلام

رافق الإعلام التجربة النبوية في جميع المحطات والمواقف والأحداث سواء كان في العهد المكي أم العهد المدني، وسواء كان في الإعلام الداخلي أم الخارجي، وسواء كان مع الأصحاب أم مع الخصوم.

وأول تلك الأولويات التي يرصدها الناظر في خطة الشارع هو أولوية الإعداد السري على الإشهار العلني للدعوة الدينية بغرض تهيئة الأسباب لقبول الدعوة إذا تسنى لها الاشتهار حيث بقي النبي مسراً بدعوته حتى نزل قوله تعالى: {فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ} [الحجر: 94].

وعلى ذلك فإن أصل الإعلام نفسه خاضع لفقه الأولويات فليس كل واقعة أو حدث ولو كان بحجم الوحي نفسه يصح فيها الإعلام، فقد يتأخر الإعلان عن السرية، والعزلة على الشهرة، ويخضع هذا الأمر لعدد من القواعد ليس هنا محل التفصيل فيها.

ومن الأولويات التي تظهر في السيرة النبوية تدرج دائرة الإعلام الدعوي من الأقربين إلى الأبعدين مصداقاً لقوله تعالى: {وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} [الشعراء: 214]، فمع نزولها نادى النبي بني هاشم ومعهم نفر من بني المطلب في خمسة وأربعين رجلاً، وحينها قال لهم: “يا بني عبد مناف إني نذير، إنما مثلي ومثلكم كمثل رجل رأى العدو، فانطلق يربأ أهله، فخشي أن يسبقوه، فجعل يهتف، يا صباحاه”²⁴.

ويستفاد من هذه الواقعة في بعض الحالات أولوية العمل الإعلامي المحلي على العالمي، والداخلي على الخارجي، والإعلام الذي يخاطب المسلمين على ذاك الذي يستهدف غيرهم اعتباراً للقرابة وما يترتب عليها من حقوق.

كما يستفاد من الإعلام الديني في العهد المكي أولوية شرح الدين وبيان معالمه وأركانه على الدخول في صراعات كلامية مع المخالفين في المعتقد والفكر؛ فقد خاطب الله تعالى نبيه والمسلمين بقوله: {فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَانتَظِرْ إِنَّهُم مُّنتَظِرُونَ} [السجدة: 30]، وقوله تعالى: {فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (94) إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ (95) الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ ۚ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (96) وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ (97) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ (98) وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (99)} [الحجر: 94-99]، وقوله تعالى: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} [الأعراف: 199].

ويستفاد من الفترة المكية أولوية الإعلام والخطاب الديني الذي يتناول موضوعات الإيمان بالله ورسوله والغيب واليوم الآخر على خطاب الفروع والأحكام الفقهية حيث تأخرت معظم تلك الأحكام إلى العهد المدني.

وبتغير واقع المسلمين من خلال إسلام حمزة وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما تبدت أولويات جديدة؛ فصار للعلانية الأولوية على السرية من بعض الوجوه، حيث أمكن للمسلمين أن يطوفوا بالبيت وأن يظهروا دينهم إلى حد ما.

إن الإخلال بهذه الأولويات كان كفيلاً بوأد الدعوة في مهدها لكن هذا الفقه الذي أخذ الله به المسلمين في بداية الوحي كان تربية لهم على فقه الأولويات وضرورة رعايته في العمل الإسلامي والإعلامي.

وبالانتقال إلى العهد المدني شرع الجهاد وظهرت أولويات جديدة على صعيد الخطاب، فنسخت الآيات الداعية للين الخطاب كقوله تعالى: {فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ ۚ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ} [الزخرف: 89] إلى الأمر بالغلظة عليهم كقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ ۚ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ۖ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (73)} [التوبة: 73، 74].

ورافق هذا التحول ظهور وسائل إعلامية جديدة، ووسائط ومنتديات جديدة، وألوان من الخطاب والإعلام لم يكن للمسلمين بها عهد من قبل روعي فيها جميعها فقه الأولويات.

ومن الأمثلة التي يمكن الوقوف فيها بوضوح على رعاية هذا الفقه خطبه سواء أكانت خطب الجمعة أم كانت خطب مناسبات، أم كانت خطب معارك ففي كل خطبة فقه أولوي؛ فخطبته في عشيرته تقدمت فيها النذارة على البشارة آنفة الذكر، وفي أول خطبة جمعة ورد الأمر بالتآلف والتحابب فناسب استقبال الأنصار للمهاجرين، وفي خطبة بدر تقدم الحديث عن صدق الله ووعده للمؤمنين فناسب خوف المؤمنين وعدم استعدادهم للمعركة، وفي خطبة الفتح تقدم الحديث عن حرمة مكة، وفي خطبة تبوك تقدم الحديث عن الأخذ بالعزائم وشرف الشهادة، فناسب حر الصيف وكثرة الأعداء، وفي خطبة الوداع تقدم الحديث عن الوصية بالمرأة والعبيد والإماء وتحريم الظلم وسفك الدماء وأخذ الأموال والربا فناسب حشد الموسم ووداع النبي أمته، وفي جميع هذه الخطب وغيرها تتبدى رعاية فقه الأولويات بحسب اختلاف مراتب الأعمال، وتنوع الزمان والمكان والأحوال²⁵.

وأظهر ما يتجلى فقه الأولويات في المجال الإعلامي في نزول القرآن مفرقاً بغرض تثبيت المؤمنين كما في قوله تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً ۚ كَذَٰلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ ۖ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا} [الفرقان: 32] حيث كانت الآيات التي تنزل تمثل مادة حية وفعالة تقوم بدور التعبئة العامة للأمة هذا من جهة، كما أنها كانت بمثابة قذائف في أيدي المؤمنين في مساجلاتهم مع المشركين والمنافقين، وقد نحى الشعراء بتوجيه من النبي منحى التخلق بالمنهج القرآني والمنافحة عن رسول الله ومواقف الدولة الإسلامية، ومن ذلك قول النبي لحسان بن ثابت: “اهجهم – أو هاجهم وجبريل معك”²⁶.

وفي تحليله للإدارة النبوية للحملات الشعرية لاحظ الدكتور أسامة الأشقر أولوية الدفاع على الهجوم في تلك الحملات من حيث الدفاع والهجوم، ومن حيث مستوى الرد لاحظ أولوية الرد بالمثل على الهجاء الجارح، ثم أولوية الهجاء الجارح نظراً لشدته على المشركين، ومن حيث موضوع الرد لاحظ أولوية الرد على حملات تشويه سمعة النبي وأصحابه على غيرها من الموضوعات، ومن حيث وسيلة النشر لاحظ أولوية المنبر نظراً لاجتماع الناس في المساجد، ومن حيث مكافأة الشعراء لاحظ أولوية التشجيع المعنوي على التشجيع المادي، ومن حيث مضمون الهجاء لاحظ أولوية الهجاء بالنسب في حق العرب فيما اكتفي بتهديد اليهود ووعيدهم، ومن حيث الجنس المستهدف لاحظ أولوية العنف في هجاء النساء، ومن حيث التناول العسكري لاحظ أولوية الحديث عن الانتصارات دون التعليق على الهزائم، ومن حيث تحصين الاستهداف وضمان عدم تأثيره سلبياً في المجتمع المسلم لاحظ أولوية الهجاء من جهة الأم إذا اشترك المشرك في النسب مع رسول الله ، وأولوية تخفيف حدة الهجاء إذا كان لهم قرابة من كبار الصحابة أو كان لهم أيادٍ بيضاء، ومن حيث الشعر المستخدم لاحظ أولوية النصوص القصيرة سهلة الحفظ، وأولوية البحور المتوسطة والطويلة لقدرتها على استيعاب قدر كبير من المعاني²⁷.

وهذه الحملات مثال أيضاً لإعمال فقه الأولويات في المجال العسكري، وهناك نظائر لها في المجالات الأخرى: السياسية، والأمنية، والاقتصادية، والاجتماعية، والمعرفية لا يتسع المقام لذكر أمثلة عليها.

2. 2 ب. التجربة الراشدية في رعاية فقه الأولويات في مجال الإعلام

إن الناظر في تجارب الخلفاء الراشدين في إدارة الدولة الإسلامية بعد وفاة رسول الله يلاحظ بوضوح اتباعهم النبي في أولويات الإعلام وهو أحد معالم الرشاد التي أوصانا النبي بالإفادة منها حين قال: “عَلَيْكُمْ بِمَا عَرَفْتُمْ مِنْ سُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ”²⁸.

وفي فقه كل خليفة من الخلفاء نعثر على ثروة من النماذج على رعاية هذا الفقه في التدابير الإعلامية والخطابات والكتب والمراسلات.

ومن الأمثلة على رعاية فقه الأولويات في خلافة أبي بكر رضي الله عنه: خطبته حين تولي الخلافة حيث تظهر فيها أولوية الحديث عن مبادئ السياسة الشرعية، وأسس العلاقة بين الإمام ورعيته وحقوق وواجبات كل منهما، وخطبته بعد ردة المرتدين من العرب حيث ظهر فيها أولوية تناول مسألة الردة وموقف الخليفة الجديد منها، وعزمه الأكيد على عدم المسامحة معها²⁹.

ومن الأمثلة على رعاية فقه الأولويات في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه: أولوية تأريخه للتاريخ الإسلامي على تواريخ الفرس والروم، وأولوية صلوحية حدث هجرة النبي على غيره من الأحداث والوقائع³⁰، وفي كتبه ظهر فقهه في أولوية التحذير من التنعم ولبس الحرير ولبس زي المشركين لجيش المسلمين في أذربيجان³¹، وأولوية التذكير بالعدل وفقه القضاء في خطابه لأبي موسى الأشعري رضي الله عنه³².

1. قواعد فقه الأولويات وتنزيلها على مجال الإعلام المعاصر في ضوء مقاصد الشريعة

تتنوع قواعد فقه الأولويات بحسب مأخذها؛ فمنها ما يرجع إلى أصول الفقه ومراتب الأدلة ومباحث التعارض والترجيح وتسمى بالقواعد الأصولية، ومنها ما يرجع إلى الفقه وتسمى بالقواعد الفقهية، ومنها ما يرجع إلى قواعد المصالح والمفاسد وتسمى بالقواعد المقاصدية، والأخيرة هي محل الدراسة في هذا المبحث.

والمصالح والمفاسد المبحوثة هنا هي ما كانت مصالح أو مفاسد بحسب الشارع لا مطلق الاعتبار وسوف يأتي بعد قليل تقسيم المصالح إلى مصالح معتبرة وغير معتبرة. يقول إمام الحرمين: “لا يجوز التعلق عندنا بكل مصلحة ولم ير ذلك أحد من العلماء”³³، ويقول: “ليس إلينا وضع الحكم والمصالح ولكن إذا وضعها الشارع اتبعناها”³⁴.

ويقول الإمام الغزالي: “أما المصلحة فهي عبارة في الأصل عن جلب منفعة أو دفع مضرة، ولسنا نعني به ذلك، فإن جلب المنفعة ودفع المضرة مقاصد الخلق وصلاح الخلق في تحصيل مقاصدهم، لكنا نعني بالمصلحة المحافظة على مقصود الشرع ومقصود الشرع من الخلق خمسة: وهو أن يحفظ عليهم دينهم ونفسهم وعقلهم ونسلهم ومالهم، فكل ما يتضمن حفظ هذه الأصول الخمسة فهو مصلحة، وكل ما يفوت هذه الأصول فهو مفسدة ودفعها مصلحة”³⁵.

وهذه المصالح والمفاسد التي مأخذها قواعد المقاصد ليست على وزانٍ واحد ولا مرتبة واحدة فهي تتنوع إلى أنواع، وتنقسم إلى أقسام، وقد جرينا هنا على تقسيمها إجمالياً إلى قسمين: أحدهما: القواعد التي مأخذها النظر التجريدي، والثاني: القواعد التي مأخذها رعاية الواقع، وكلاهما نظر معتبر شرعاً.

كما سوف نختم الحديث على القواعد بضرب نماذج من الاجتهاد المقاصدي في مجال الإعلام المعاصر حرصاً على كمال الانتفاع بهذه القواعد واستثمارها على أحسن وجه.

1. 1. قواعد الأولوية بين المصالح والمفاسد الإعلامية بحسب قوتها

تنقسم المصالح إلى مراتب ثلاثة: ضرورية، وحاجية وتحسينية. والضروري ما لا بد منها في قيام مصالح الدارين، والحاجي ما يفتقر إليها من حيث التوسعة ورفع الضيق المؤدي إلى الحرج، والتحسيني هو الأخذ بمحاسن العادات أو ما يلوح فيه غرض في جلب مكرمة أو نفي نقيضها³⁶.

ومن أمثلة المصالح الضرورية في الإعلام: مصلحة التعريف بالإسلام والدعوة إليه حيث يتعذر في واقعنا المعاصر وصول الدعاة إلى كل فرد من أفراد الكفار وهو ما يجعل الدعوة إلى الإسلام بواسطة الوسائط الإعلامية المختلفة مما لا بد منه، وهو معيار الضروري.

ومن أمثلة المصالح الحاجية في الإعلام: تناول وسائل الإعلام للواجبات الكفائية التي تتحقق بها حاجات المجتمع كبناء المدارس والمستشفيات والمراكز التعليمية والمساجد ودور المسنين والأيتام إذا وجد في المجتمع على ما يسد الضرورة دون أن يرقى إلى سداد الحاجة.

ومن أمثلة المصالح التحسينية في الإعلام: رعاية القائمين على وسائل الإعلام للجوانب الشكلية والتحسينية والتزيينية كإعداد الإستوديو التلفزيوني بأحدث المعايير، وحسن اختيار التردد الإذاعي، وما شابه ذلك.

وبموجب هذا الترتيب في المصالح يتوجب على القائمين على الإعلام المعاصر رعاية الضروري ثم الحاجي ثم التحسيني، وعدم الانشغال بالتحسيني على حساب الحاجي، والحاجي على حساب الضروري.

1. 2. قواعد الأولوية بين المصالح والمفاسد الإعلامية بحسب الكليات التي تعود عليها:

تنقسم المصالح بحسب الكلية التي تعود عليها إلى مراتب خمسة: حفظ الدين، فحفظ النفس، فحفظ العقل، فحفظ النسل، فحفظ المال³⁷.

ومن الأمثلة على المصالح الإعلامية التي تعود لحفظ على الدين: الرد على أفكار الملاحدة والزندقة والمبتدعة والمستشرقين وأتباعهم إذا انتشرت هذه الأفكار في أوساط الأمة، وكذا محاربة الفكر المتطرف الذي يجانب تعاليم الإسلام وهديه في الجهاد والدعوة.

ومن الأمثلة على المصالح الإعلامية التي تعود لحفظ على النفس: تناول حقوق المجتمع وحريته العامة من حيث إن حفظ النفس لا يقتصر على حفظها مادياً فقط بل حفظها مادياً ومعنوياً، وعلى ذلك فتناول وسائل الإعلام للاعتداء على الحريات والحقوق معتبر شرعاً وهو شكل من أشكال إنكار المنكر وتشكيل رأي عام ضاغط تجاه إزالته، وكذا تناول قضايا الفقر والثأر والاعتداء على المرأة وعقوق الوالدين وقطع الأرحام وما شابه ذلك.

ومن الأمثلة على المصالح الإعلامية التي تعود لحفظ على العقل: تناول القضايا العلمية والثقافية والفكرية التي من شأنها إعادة تشكيل العقل المسلم المعاصر ليكون متبصراً بدينه وواقعه والتحديات التي تواجهها الأمة، ويتصل ذلك بتناول قضايا الأمية وعمالة الأطفال والتسرب المدرسي والعمل على الحد منها.

ومن الأمثلة على المصالح الإعلامية التي تعود لحفظ على النسل: إعداد برامج تتناول قضايا الأسرة وتثقف بمقومات الأسرة الإسلامية السعيدة، وتناقش تيسير الزواج وتذليل العقبات دونه، وتحارب الفاحشة والرذيلة والشذوذ والإجهاض والتبني والظواهر الاجتماعية السلبية في المجتمع كالطلاق والخلع لغير حاجة أو ضرورة.

ومن الأمثلة على المصالح الإعلامية التي تعود لحفظ على المال: تناول قضايا الاقتصاد وسبل تنمية موارد الأمة وحفظ ثرواتها وتأبيد منفعتها ومحاربة نفوذ القوى الأجنبية في اقتصادات الدول الإسلامية، وتشجيع المنتجات الإسلامية.

وبموجب هذا الترتيب في المصالح يتوجب على القائمين على الإعلام المعاصر رعاية مراتب هذه الكليات مع التنبه إلى أنها على مراتب بحسب قوة المصلحة فأعلاها المصالح الإعلامية التي تتبوأ مرتبة الضروري في حفظ الدين، وأدناها ما يتبوأ مرتبة التحسيني من حفظ المال، وبينهما مراتب.

1. 3. قواعد الأولوية بين المصالح والمفاسد الإعلامية بحسب شمولها:

تنقسم المصالح الإعلامية بحسب شمولها إلى مصالح عامة وخاصة، والمصالح العامة قد تعم الأمة كلها وقد تعم بعضها، وهي على ذلك مراتب ثلاثة: مصالح عامة فبعضية فخاصة، والمصالح العامة والبعضية لا تكون إلا متعدية، وأما المصالح الخاصة فهي تكون متعدية تارة، وقاصرة تارة. وتترتب هذه المصالح بحسب قواعد متعددة حيث تتقدم المصالح الضرورية العامة على نظائرها البعضية والخاصة إذا دخلتا تحت كلي واحد، أو كانت الخاصة أقل مرتبة في الكلي الذي تلحق به، وهناك قواعد أخرى تفصيلية ودقيقة لا يسمح المقام بذكرها هنا وتحسن فيها الإحالة³⁸.

ومن أمثلة المصالح الإعلامية العامة: إنتاج أفلام ومسلسلات تاريخية إسلامية تعرف بعلماء الأمة وقادتها ورموزها خاصة تلك الشخصيات والحقب التاريخية التي عملت شركات الإنتاج الغربية والعلمانية على تشويهها وتزوير تاريخها، فأثر هذه الأعمال يمتد إلى عموم الأجيال الإسلامية التي باتت السينما والدراما جزءاً أساسياً من مشاهاداتها، وهو ما يجعل تقحّم هذا المجال مما يوجبه فقه الموازنات والأولويات.

ومن أمثلة المصالح الإعلامية البعضية: تناول قضايا العنصرية في المجتمعات تجاه السود أو الأجانب أو المرأة أو الأطفال وما شابه ذلك.

وأما المصالح الإعلامية الخاصة المتعدية فمن أمثلتها تناول وسائل الإعلام لأعمال وإسهامات أهل الخير من المسلمين والإشادة بهم سواء أكان إحسانهم قلبياً كالصبر على أذى الآخرين أم بدنياً كالصدقات والإبراء من الديون وما شابه ذلك.

وأما المصالح الإعلامية القاصرة فلا تتصور حيث إن مجرد تناولها في وسائل الإعلام يجعلها عامة من أحد الأوجه، والله أعلم.

1. 4. قواعد الأولوية بين المصالح والمفاسد الإعلامية بحسب توقعها:

تنقسم المصالح بحسب توقعها إلى مصالح واقعة، ومصالح متوقعة³⁹، وفي مجال الإعلام لا تتصور المصالح إلا متوقعة حيث إن وسائل الإعلام إنما تهدف في تناولها للقضايا لتحقيق مضامين معينة وتدفع الجمهور تجاه سلوك محدد. وهذا لا يقلل من قيمة المصالح المتوقعة فهي مرعية شرعاً كالمصالح الواقعة.

ومن الأمثلة على المصالح المتوقعة في مجال الإعلام العمل على استباق الإعلان عن التطبيع إذا ظهرت بوادره بحملات تعبئة للرأي العام وأهل الحق ضده.

ورعاية المصالح المتوقعة يلفت الأنظار إلى دور مؤسسات الإعلام في استشراف المصالح والمفاسد، فتعمل على إبقاء الأولى وتعجيلها، وإزالة الثانية وإن تعذر فتقليلها وتأخيرها.

1. 5. قواعد الأولوية بين المصالح والمفاسد الإعلامية بحسب كليتها:

تنقسم المصالح الإعلامية بحسب كليتها إلى كلية وجزئية، وما يشتمل فيه الفرد على أجزاء كثيرة، والجزئي خلافه. وكلاهما على مراتب.

ومن أمثلة المصالح الإعلامية الكلية تناول قضية أحد الأسرى المضربين عن الطعام في سجون الاحتلال أو الأنظمة القمعية فتناولها بشكل كلي أولى من تناول قضيته الجزئية في تلك اللحظة وهي الجوع مثلاً.

وتناول قضايا الأفراد في الإعلام يجعلها قضايا عامة فيقيس المشاهد غيرها عليها، ويتنبه إلى ما هو أعلى منها.

1. 6. قواعد الأولوية بين المصالح والمفاسد الإعلامية بحسب قطيعتها:

تنقسم المصالح الإعلامية إلى مصالح قطعية، فظنية، فمتوهمة⁴⁰، والمصالح الظنية على درجات فبعضها يقوى حتى يكاد يدرك القطعي، وبعضها يوهى حتى يكاد يلتحق بالمتوهم.

ومن أمثلة المصالح الإعلامية القطعية: ارتفاع معنويات الشعوب المظلومة واستبشارها بنقل أخبار الأمة حال تضامنها ونصرتها في المحافل المختلفة، ودعمها لتلك الشعوب مادياً ومعنوياً.

ومن أمثلة المصالح الإعلامية الظنية: انتفاع الأطفال بأفلام الكرتون الإسلامية التي تعرف بالدين وتعلم الفقه وتربي على القيم وتنمي الأخلاق والمهارات إذا كان القيمون على العمل عارفاً بأصول الصنعة فقيهاً بالواقع وخبيراً باحتياجات الأطفال ومستويات إدراكهم، فهذه مظنة الإفادة.

ومن أمثلة المصالح الإعلامية المتوهمة: توهم القائمين على المؤسسات الإعلامية دخول الناس في الإسلام بمجرد مشاهدتهم لبرامج التعريف بالإسلام؛ لأنه معارض بسنة الله تعالى في اختلاف البشرية إلى مؤمن وكافر قطعاً، وإنما الوسائل الإعلامية أسباب لهداية البيان لا هداية التوفيق، قال تعالى: {فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا ۖ إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ} [الشورى: 48]⁴¹.

1. 7. قواعد الأولوية بين المصالح والمفاسد الإعلامية بحسب ديمومتها:

تنقسم المصالح الإعلامية إلى مصالح دائمة فمصالح مؤقتة، وكلاهما على درجات ومراتب⁴².

ومن أمثلة المصالح الإعلامية التي يدوم نفعها: تناول القضايا والأخبار في اللحظات الفارقة في تاريخ الأمة كلحظة ثورة على ظالم، وانتفاض على محتل، وتغيير سياسي شامل، وهكذا.

ومن أمثلة المصالح الإعلامية المؤقتة: تناول الحملات التطوعية التي تقوم عليها المراكز الشبابية والمؤسسات التربوية والتعليمية كحملات زيارة المشافي، ودور المسنين وما شابه ذلك.

1. 8. قواعد الأولوية بين المصالح والمفاسد الإعلامية بحسب اعتبارها:

تنقسم المصالح الإعلامية إلى مصالح معتبرة، ومصالح غير معتبرة⁴³.

ومن أمثلة المصالح الإعلامية المعتبرة تناول قضايا الحريات إذا ورد بها الشرع وأكدها كحق المرأة في العيش بكرامة وأمن وسكن.

ومن أمثلة المصالح الإعلامية غير المعتبرة تناول قضايا الحريات إذا أنكرها الشرع كادعاء حق المرأة في ممارسة الزنا وادعاء حق الجنسين في الشذوذ وما شابه ذلك.

2. قواعد فقه الأولويات بحسب الواقع وتنزيلها على مجال الإعلام المعاصر في ضوء مقاصد الشريعة

تتنوع المصالح والمفاسد الإعلامية بحسب اعتبارات من الواقع كاختلاف الزمان والمكان والأعراف والأحوال، ذلك أن الوسائل لا تستقر على حال، فرب وسيلة تكون أفضل من غيرها في وقت دون وقت، وفي مكان دون مكان، وبالنسبة إلى شخص دون آخر، وقد يختلف الواقع فيصير الفاضل مفضولاً، والمفضول فاضلاً، والضابط في كل ذلك الدوران مع المصالح، وجلب الأفضل فالأفضل من المصالح ودرء الأرذل فالأرذل من المفاسد⁴⁴.

2. 1. قواعد الأولوية بين المصالح والمفاسد الإعلامية بحسب اختلاف الزمان والمكان:

تختلف رتب المصالح والمفاسد الإعلامية بحسب اختلاف الزمان والمكان.

ومن الأمثلة على تأثير الزمان في تعيين المصالح الإعلامية وترتيبها: أولوية الحديث في موسم الحج حول وحدة الأمة، وفي شهر رمضان تظهر أولوية الحديث عن التقوى والقرآن، وهذه أولويات زمانية ثابتة بالنصوص.

ومن الأولويات التي يحتمها الواقع تناول النوازل التي تقع بالبشرية كنازلة كورونا التي صبغت الواقع المعاصر في كافة جوانبه ونواحيه.
ومن الأمثلة على تأثير المكان في تعيين المصالح الإعلامية وترتيبها: أولوية الحديث عن أحوال المسجد الأقصى في نشرات أخبار القنوات الفلسطينية والعربية والإسلامية باعتبار قداسته وفرضية مواجهة مخططات العدو الصهيوني، وهذا ما تفرضه النصوص.

ومن أمثلة ما يحتمه الواقع أولوية الحديث في وسائل الإعلام في المناطق المنكوبة بسبب فيضان أو زلزال حول ما ألم بأهل تلك المناطق وواجب المؤسسات الرسمية والمجتمعية والدولية نحوهم.

2. 2. قواعد الأولوية بين المصالح والمفاسد الإعلامية بحسب اختلاف الأعراف والعادات:

تختلف رتب المصالح والمفاسد الإعلامية بحسب اختلاف الأعراف والعادات⁴⁵.

ومن الأمثلة على تأثير الأعراف والعادات في تعيين المصالح الإعلامية وترتيبها: أولوية الحديث عن الأعراف السلبية السائدة على تلك التي لم يجر بها العرف.

ففي مجتمع تعارف أهله على سفور المرأة وتبرجها يتأكد تناول هذه القضية في حق وسائل الإعلام في ذلك المجتمع، وفي مجتمع تعارف أهله على عدم إعطاء المرأة حقها من الميراث يتأكد تناول هذه القضية في حق وسائل الإعلام في ذلك المجتمع، وهكذا.

2. 3. قواعد الأولوية بين المصالح والمفاسد الإعلامية بحسب اختلاف الأحوال والظروف:

تختلف رتب المصالح والمفاسد الإعلامية بحسب اختلاف الأحوال والظروف⁴⁶.

ومن الأمثلة على تأثير الأحوال والظروف في تعيين المصالح الإعلامية وترتيبها: أولوية الحديث عن القضايا الذائعة والمشتهرة دون المستترة؛ لأن في تسليط الضوء على المستترة شغل الرأي العام بقضية ليست ذات أهمية على حساب قضايا أكثر أهمية وحاضرة في أجندة الجمهور.

ومن الأمثلة أيضاً: أولوية التوسل بوسائل التواصل الاجتماعي في اللحظة الراهنة حيث بات جمهورها أكبر وأعظم من جمهور الوسائل الإعلامية التقليدية كالمذياع والمرئي.

3. قواعد الأولوية بين الوسائل وتنزيلها على مجال الإعلام المعاصر في ضوء مقاصد الشريعة

عند التحقيق لا تخرج هذه القواعد عن القواعد المقاصدية السابقة لكننا أردنا هنا لفت الأنظار إلى بعض القواعد الخاصة التي تساعد على حسن التصور وكمال الانتفاع بهذه القواعد.

وقد لاحظ الشيخ الطاهر بن عاشور أن دراسة الوسائل في ضوء مقاصد الشريعة “مبحث مهم لم يف المتقدمون بما يستحقه من التفصيل والتدقيق، واقتصروا منه على ما يرادف المسألة الملقبة بسد الذرائع، ولم أر من سبق إلى فرض هذا في غير بحث سد الذرائع سوى ما ذكر في كتاب القواعد لعز الدين بن عبد السلام، وما زاده شهاب الدين القرافي“⁴⁷، وهو الأمر الذي حتم علينا دراسة أولويات الإعلام في ضوء هذا المبحث العام لما يفتحه من آفاق في مسائل التعارض والترجيح بين الوسائل في العمل الإعلامي.

وأول ما يجب الوقوف عنده هو تحقيق مرتبة وسائل الإعلام من حيث الوسائل والمقاصد، ولا يحتاج الأمر إلى إمعان النظر فوسائل الإعلام وسائل من حيث الحقيقة ومن حيث التسمية كذلك، ذلك أنها لا تراد لذاتها بل لما يتحقق بها من مصالح ومقاصد. يقول الإمام القرافي: “موارد الأحكام على قسمين: مقاصد، وهي المتضمنة للمصالح والمفاسد في أنفسها. ووسائل، وهي الطرق المفضية إليها”⁴⁸، وإنما مست الحاجة لتحقيق مرتبتها لتغاير مراتب الوسائل والمقاصد.

وسوف نقوم بإيراد أهم قواعد الأولوية بين الوسائل وتنزيلها على مجال الإعلام المعاصر في ضوء مقاصد الشريعة.

3. 1. قاعدة أولوية المقاصد على الوسائل وتنزيلها على مجال الإعلام

أولى هذه القواعد تقضي بأولوية المقاصد على الوسائل المفضية إليها من حيث إن المقاصد هي المرادة بالأصالة فيما الوسائل مفضية إليها. يقول الإمام القرافي إن الوسائل “أخفض رتبة من المقاصد”⁴⁹، وهذه حقيقة الأولوية. ولذا فإن “إثم وسائل المفاسد دون إثم المفاسد كما أن أجر وسائل المصالح دون أجر المصالح”⁵⁰.

والوسائل نفسها على مراتب فمنها ما هو وسيلة إلى مقصد، ومنها ما هو وسيلة إلى وسيلة المقصد ومن الأمثلة على ذلك: الجهاد؛ فإن “المقصود ما شرع الجهاد لأجله، والجهاد وسيلة إليه، وأسباب الجهاد كلها وسائل إلى الجهاد الذي هو وسيلة إلى مقاصده، فالاستعداد له من باب وسائل الوسائل”⁵¹.

ولا يقال إن الثواب مقصور على المقاصد أو إن الخير محصور فيها؛ لأن “الشرع يثيب على الوسائل إلى الطاعات كما يثيب على المقاصد، مع تفاوت أجور الوسائل والمقاصد”⁵².

وتتصل هذه القاعدة بالقاعدة الآتية:

3. 2. قاعدة سقوط الوسائل بسقوط المقاصد

يقول الإمام القرافي: “القاعدة أنه كلما سقط اعتبار المقصد سقط اعتبار الوسيلة فإنها تبع له في الحكم”.

وقد شرحها الإمام الرجراجي بقوله: “المقصود بالوسيلة إذا ذهب ذهبت الوسيلة، فلا يخاطب بها لعدم ما يتوصل إليه بالوسيلة”⁵³.

ويتضح معنى القاعدة إذا عرفنا أن “فضل الوسائل مترتب على فضل المقاصد، والأمر بالمعروف وسيلة إلى تحصيل ذلك المعروف، والنهي عن المنكر وسيلة إلى دفع مفسدة ذلك المنكر؛ فالأمر بالإيمان أفضل من كل أمر، والنهي عن الكفر أفضل من كل نهي، والنهي عن الكبائر أفضل من النهي عن الصغائر، والنهي عن كل كبيرة أفضل من النهي عما دونها، وكذلك الأمر بما تركه كبيرة أفضل من الأمر بما تركه صغيرة، ثم تترتب فضائل الأمر والنهي على رتب المصالح والمفاسد”⁵⁴.

وبتنزيل القاعدتين السابقتين على مجال الإعلام نقول: إن المصالح المرادة بالوسائل إذا تحققت بوسائل أخرى فلا معنى للتوسل إليها.

ومن الأمثلة التي يمكنها تقريب هذا المعنى تأمل حقيقة فروض الكفايات حيث إن النظر فيها إلى الفعل لا إلى الفاعل، وكذا هنا إن النظر إلى المقصد لا إلى الوسيلة فإذا تحقق المقصد فلا معنى للتوسل إليه، وإذا تحقق المقصد على أفضل صوره من خلال وسيلة أخرى غير وسائل الإعلام فلا معنى للتوسل بوسائل الإعلام وذلك كما إذا ظهر منكر وأمكن إزالته بالاحتساب السري فلا معنى للاحتساب العلني في هذه الحالة.

ومن التطبيقات المهمة على هذه القاعدة تجديد النظر في جدوى الوسائل التي نتوسل بها إلى مقاصدها فلا معنى لاستعمال وسيلة إعلامية انفض عنها الجمهور أو أعرض عنها لغيرها من الوسائل، ولذا فإن من أهم الواجبات المعاصرة في هذه اللحظة الراهنة التوجه لشغل وسائل الإعلام الجديد التي باتت جميع المؤسسات الإعلامية الرائدة تتوجه نحوها بما فيها البث المباشر.
ومن وجوه تطبيق هذه القاعدة تقويم البرامج المختلفة بحسب مشاهدات الجمهور وتفاعله، فقد يكون البرنامج مهماً إلا أن إعراض الناس عنه يترك أثره في تحقيق المصلحة في ديمومة البرنامج.

ولا يقال هنا إن المقاصد مقدمة على الوسائل لأنا نقول إن ذلك حيثما أمكن تحقيق المقاصد، وفي الحالة المبحوثة هنا لا تتحقق المقاصد رغم وجود الوسائل.

ومن تطبيقات هذه القاعدة في مجال الإعلام: رعاية معيار الجدوى في الأعمال الإعلامية المتنوعة، ومن الأمثلة المهمة التي طرحها الإمام العز مثال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إذا فقدا هذا المعيار حيث قال: “إن علم الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر أن أمره ونهيه لا يجدبان ولا يفيدان شيئاً، أو غلب على ظنه، سقط الوجوب؛ لأنه وسيلة ويبقى الاستحباب، والوسائل تسقط بسقوط المقاصد”⁵⁵.

3. 3. قاعدة “للوسائل أحكام المقاصد”

إذا اعتبرت المقاصد وأدت إليها الوسائل أخذت الوسائل أحكام المقاصد وإن كانت أخفض رتبة منها.

يقول الإمام العز بن عبد السلام: “للوسائل أحكام المقاصد من الندب والإيجاب والتحريم والكراهة والإباحة”⁵⁶، وعلى ذلك فبقدر تفاوت المقاصد تتفاوت الوسائل المفضية إليها، فإذا كانت المصالح ضرورية وحاجية وتحسينية، ترتبت وسائلها على ذات النحو: ضرورية فحاجية فتحسينية، وإذا تنوعت المصالح إلى عامة فخاصة، تنوعت وسائلها كذلك، وهكذا.

وهذه القاعدة تنبه إلى قيمة الوسائل ومكانتها في الشريعة؛ لأنها تمثل المسلك لإيجاد تلك المصلحة أو تحصينها من الزوال أو الضعف.

وبتنزيلها على وسائل الإعلام نقول: إن كل وسيلة من وسائل الإعلام لها حكم مقاصدها، فما كان وسيلة إلى الحرام فهو حرام كقنوات المجون والخلاعة مثلاً، وما كان وسيلة إلى المندوب فهو مندوب كقنوات القرآن الكريم مثلاً، وما كان وسيلة إلى المباح فهو مباح كقنوات الرياضة مثلاً.

وتترتب هذه الوسائل بحسب المصالح أو المفاسد التي تفضي إليها. يقول الإمام القرافي: “الوسيلة إلى أفضل المقاصد أفضل الوسائل، وإلى أقبح المقاصد أقبح الوسائل، وإلى ما يتوسط متوسطة”⁵⁷.

ثم إن هذا النظر يعم البرامج والفقرات الإعلامية وهو أمر يساعد على الاجتهاد المقاصدي في تقويم أداء وسائل الإعلام وسبل التعامل معها أو الظهور والمشاركة فيها.

3. 4. قواعد الأولوية بين الوسائل بحسب مآلاتها

كما اعتبرت الوسيلة من حيث التوسل بها إلى المصالح، ومنعت من حيث التوسل بها إلى المفاسد فكذا مآل كل منهما معتبر.

ومن الأمثلة على ذلك قول الله تعالى: {وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ} [الأنعام: 108] ففيها المنع من سب آلهة المشركين وإن كانت غير ممنوعة في نفسها بل لما يؤول إليه السب من سب الله تعالى وهو محظور⁵⁸.

يقول الإمام الماتريدي: “نهانا الله – عز وجل – عن سبّ من لا يستحق السَّب؛ مخافة سبّ من يستحق السَّب”⁵⁹.

وبتنزيل هذه القاعدة على مجال الإعلام نقول إنه إذا ترتب على الأمر بالمعروف وقوع مفسدة تربو على مصلحة المعروف المأمور به حرم الأمر به، وإذا ترتب على النهي عن المنكر وقوع مفسدة أكبر من المنكر الأول حرم النهي عنه اعتباراً للمآل.

ولهذه القاعدة أهمية بالغة في ترشيد العمل الإعلامي وتحصين النظر المقاصدي فلا يقال مثلاً: إن تناول هذه القضية أهم من تلك نظراً إلى وقوع الأولى في مرتبة الضروري والثانية في مرتبة التحسيني؛ لأنه إذا كان مآل تناول الأولى حدوث فتنة في المجتمع أو قرار إغلاق لهذه القناة النافعة مثلاً فلا شك أن هذا نظر قاصر غير مسدد بمجموع القواعد المقاصدية التي تؤطر العمل الإعلامي والله أعلم.

3. 5. قواعد الأولوية بين الوسائل بحسب قوة إفضائها إلى المقاصد

تترتب الوسائل كذلك بحسب مكنتها من الإفضاء إلى المقاصد، يقول الإمام العز بن عبد السلام: “تختلف رتب الوسائل باختلاف قوة أدائها”⁶⁰، ويضيف: “كلما قويت الوسيلة في الأداء إلى المصلحة، كان أجرها أعظم من أجر ما نقص عنها… وكلما قويت الوسيلة في الأداء إلى المفسدة كان إثمها أعظم من إثم ما نقص عنها”⁶¹.

يقول الشيخ محمد الطاهر بن عاشور: “قد تتعدد الوسائل إلى المقصد الواحد، فتعتبر الشريعة في التكليف بتحصيلها أقوى تلك الوسائل تحصيلاً للمقصد المتوَّسل إليه بحيث يحصل كاملاً، راسخاً، عاجلاً، ميسوراً، فتُقدِّمها على وسيلة هي دونها في هذا التحصيل. وهذا مجال متَّسع ظهر فيه مصداق نظر الشريعة إلى المصالح، وعصمتها من الخطأ والتفريط”⁶².

هذا في حال التفاوت، وفي حال التساوي يضيف الشيخ ابن عاشور: “إذا قَدَّرنا وسائل متساويةً في الإفضاء إلى المقصد فاعتبار أحوالها سوَّت الشريعةُ كلّها في اعتبارها، وتخيَّر المكلَّف في تحصيل بعضها دون الآخر”⁶³.

ولهذه القاعدة أهمية كبيرة في مجال الإعلام في واقعنا المعاصر نظراً لتبدل وسائل الاتصال والإعلام التقليدي والاجتماعي والرقمي وتطورها يوماً بعد يوم وكثيراً وهو ما يحتم التخيير على الدوام في اختيار الوسيلة من بين عشرات الوسائل، واختيار وسيلة الوسيلة من بين عشرات وسائل الوسائل، وهكذا⁶⁴.

والمعيار في كل ذلك هو قوة الإفضاء أو ما يعبر عنه بالتأثير حيث يتفاوت هذا التأثير من وسيلة إعلامية لأخرى، ومن المعلوم أن هذا يفتح الباب واسعاً أمام التجديد والإبداع.

ومن الأمثلة التي ذكرها الدكتور قطب الريسوني أن “المفتي إذا أتيح له من وسائل الإفتاء: البث الصحفي، والبث الإذاعي، والبث الفضائي، ولم يتسع وقته لمباشرة هذه الوسائل جميعاً تعين عليه انتقاء أقواها إفضاء إلى مقصود إعلاء كلمة الله تعالى، وتبليغ دينه وهو الإفتاء الفضائي لقوة نفوذه الإعلامي، وبعد أثره في الجمهور، فلا يعدل عنه لغيره، وإلا أفضى التوسل إلى مقاصد مختلة أو ناقصة أو مرجأة الوقوع والتحقق”⁶⁵، وهو مثال حي على حيوية هذا الفقه وتنزيل قواعده بيد أنه أغفل وسائل التواصل الاجتماعي والإعلام الرقمي الذي بات أقوى تأثيراً من وسائل الإعلام التقليدي على أهميتها، وهو تقدير قبل عدة أعوام، ويغلب على ظننا أن صاحبه نفسه قد أعاد النظر فيه خاصة وأنه لم يذكر هذه الوسائل الجديدة ضمن قائمة الخيارات أمام المفتي، والله أعلم.

3. 6. قاعدة الأولوية بين الوسائل بحسب كثرة إفضائها إلى المصالح

يقول الإمام العز بن عبد السلام إنه “قد يتوصل بالقول الواحد والعمل الواحد إلى ألف مصلحة وألف مفسدة”⁶⁶، وليست هذه أولوية مطلقة إذ قد تربو المصلحة الواحدة على عشرات المصالح مجتمعة لقوتها، وإنما ذكرناها هنا من حيث هي قاعدة مرجحة ومكملة لقواعد الترجيح الأساسية بين المصالح والوسائل.

بيد أن هذه المقولة تفتح الباب واسعاً أمام ضرورة تكثير مقاصد القائمين على العمل الإعلامي من خلال العمل الواحد دون أن يخل ذلك بتحقيق المقاصد الأصلية ورعاية أصول الصنعة الإعلامية إذ في ذلك تكثير الخير وتكثير المصلحة.

3. 7. الاحتياط للوسائل كالاحتياط للمقاصد

ذكر العز بن عبد السلام أنه “إذا توهمنا المصلحة مجردة عن المفسدة الخالصة أو الراجحة احتطنا لتحصيلها، وإن توهمنا المفسدة مجردة عن المصلحة الخالصة أو الراجحة احتطنا لدفعها”⁶⁷، ثم عقب بقوله: إن “الاحتياط للأسباب والوسائل كالاحتياط للمسببات والمقاصد”⁶⁸.

ولهذه القاعدة أهمية خاصة في العمل الإعلامي عموماً، والعمل الفني خصوصاً، حيث يغلب على نظر بعض المشتغلين في الفقه التحوط فيه حد الإلغاء، وهو نظر غير محمود؛ لأنه يغفل الاحتياط لتحصيل هذه المصالح.

خاتمة

إن الورقة وإن تناولت أولويات الإعلام المعاصر عموماً، فإنها تقدم إطاراً أولويًا ومقاصدياً لمجال الإعلام المعاصر، ويصلح الاسترشاد به في تأطير صور الإعلام كالإعلام السمعي والمرئي والمقروء وغير ذلك، ومجالاته التفصيلية كالإعلام الديني والسياسي والاقتصادي والاجتماعي والأمني والعسكري وغير ذلك.

وإن النظر المقاصدي كما أوضحت الورقة يشتمل على إمكانات كبيرة على صعيد التنظير والعمل، وهو ما تمس الحاجة إليه في واقعنا المعاصر حيث تتزاحم الأعمال وهو ما يتطلب ضبطاً دقيقاً للأولويات.

وقد خلصت الدراسة فيما خلصت إليه من نتائج إلى ضرورة إعمال علم المقاصد في النظر الاجتهادي المتعلق بمجال الإعلام، وأنه ضرورة وليس ترفاً معرفياً، كما خلصت إلى ضرورة ترشيد إعلام الفكرة الإسلامية المعاصر بمعايير مقاصد الشريعة أولاً، ومعايير مقاصد الخطاب والإعلام ثانياً.
ولأن الوقوف عند التأصيل دون بناء إستراتيجيات إعلامية قريبة وبعيدة تبنى على فقه الأولويات مما يضعف من مكانة هذا الفقه، توصي الدراسة الباحثين والمشتغلين في حقلي الإعلام ومقاصد الشريعة العمل الجاد المشترك على تأطير الإعلام بفقه المقاصد، وتفعيل المقاصد في مجال الإعلام.

كما تدعو الجهات البحثية والمؤسسات العلمية لتأسيس موسوعة إعلامية إسلامية تشتمل على مسائل الإعلام في ضوء مقاصد الشريعة وفقه الأولويات بحيث تكون مرجعاً لكل المشتغلين والمهتمين بالعلوم الإنسانية والاجتماعية.

والأمل معقود على حملة الفكرة الإسلامية في الواقع المعاصر للقيام بهذه المهمة الشريفة التي تعمل جهات معادية لها على الإخلال المتعمد بفقه الأولويات وتخريب ميزانه الدقيق الذي به تحقق الأمة فاعليتها وحيويتها ونهضتها المرتقبة إن شاء الله تعالى.